حركات الشبيبة المسيحية في سوريا اليوم

حركات الشبيبة المسيحية في سوريا اليوم

لا يعتمد معظم مسيحيي سوريا على المناهج الحكومية لتدريس أبنائهم الدين المسيحي، فهي في معظمها لا تتناول غير العموميات، لتبتعد عن كل ما هو موضع خلاف، ما يبرز “حركات الشبيبة المسيحية” كأسلوب أكثر انتشاراً للتعليم الديني المسيحي.

من الصعب اليوم إحصاء هذه الحركات في سوريا، وفي حين تشكل بعضها فروعاً لأخرى عالمية، تبرز فرق صغيرة مختلفة الأنشطة قد لا يتجاوز عدد أعضاء الواحدة منها الـ 20 شخصاً. من أكبر هذه الحركات حركة الشبيبة الأورثوذكسية التي تعمل تحت اسم “مدارس الأحد الأورثوذكسية”. تم الإعلان عن تأسيسها في مارس عام 1942، وانتخب جورج خضر (المطران لاحقاً) أميناً عاماً لها.

للحركة اليوم امتداد داخل كل كنيسة للروم الأورثوذكس في سوريا ولبنان، تعقد مؤتمرات عامة ومخيمات "أمانة" تجمع أعضاء الحركة من البلدين. وفقاً لطارق الحايك، رئيس فرع دمشق فإن مركز دمشق (دمشق وريفها)، يضم أكثر من 8000 شاباً وشابة، وهو واحد من أصل 13 مركزاً تتبع الأمانة العامة.

جنباً إلى جنب مع تعليمها الديني، تفرض الحركة الكثير من القيود على السلوك الشخصي لأفرادها، كتقييد الاختلاط، التدخين، والكحول. نظام الحركة الداخلي يقدم توصيفاً غامضاً لهويتها، ويركز المبدآن 5 و6 على الانتماء الطائفي للحركة، فهي وإن كانت "تستنكر التعصب الأعمى والطائفية السياسية، لكنها تعتبر أن التمسك الواعي بالمبادئ الأورثوذكسية شرط أساسي لتقوية الإيمان"، إضافة لذلك "تتصل بالتيار الأورثوذكسي العالمي" دون تعريف أو توضيح ما هي حدود هذا التيار، كما ينص على أنها "تتبع وتساهم في تطور الكنيسة الأورثوذكسية ورسالتها الإنسانية". من زاوية أخرى يهمس الكثيرون، من بينهم بعض أبناء الحركة، أن الدافع لتأسيسها كان الرد على النشاط المتفاقم للحملات التبشيرية الكاثوليكية أو البروتستانتية في سوريا ولبنان أثناء الاحتلال العثماني والفرنسي، ومنها جاء تأسيس الجامعة اليسوعية التي جمعت مؤسسي الحركة حينها.

على الطرف الآخر، للكنائس الغربية أيضاً حركة فاعلة في ما يتعلق بحركات الشبيبة، ولكن بشكلٍ آخر، فكنيسة سيدة دمشق تضم 14 حركة تتنوع بين حركات تعليم ديني وفرق كشفية، انتهاءً بملجأ للأيتام.

الشبيبة المسيحية في سوريا اليوم - أطفال

تبرز في سوريا ظاهرة الفرق الكشفية الكنسية أكثر من غيرها من الدول، فبعد حل كشاف سوريا في الثمانينات، ورغم عودته للعمل وإنشاء الأفواج في السنين السبع الماضية، توجه الكثير من قادة الفرق الكشفية إلى الكنائس لتأمين الدعم المكاني والقانوني لها. ولكن "المبيتات والمخيمات متوقفة مؤقتاً بحكم الظروف الراهنة" يقول ميشيل نصرالله من فرسان المحبة، فقد اضطرت الكثير من الفرق الكشفية وحركات الشبيبة إلى إلغاء مخيماتها أو نقلها إلى داخل دمشق.

كالكثير من شباب سوريا، التحق البعض من أبناء هذه الحركات بالكتائب المسلحة المختلفة، سواء مجبرين في الجيش النظامي، أو متطوعين ضمن اللجان الشعبية التي انتظمت لاحقاً تحت مسمى قوى الدفاع الوطني، والتي تلقى اتهامات دائمة باتباع معايير طائفية في اختيار مقاتليها. لم تسجل حتى اليوم أي دعوة للعنف أو حمل السلاح من القيادات الرسمية لهذه الحركات، وفي الوقت نفسه لم يصدر عنها علناً أي موقف (رافض أو مبارك) بخصوص انضمام أبنائها إلى التشكيلات المسلحة الموالية. لا يمكننا أن نعلم أي اتجاه تتخذه النقاشات السياسية داخل هذه التجمعات، والتي تعبر عن مجتمع محلي معروف بموقفه المائل للنظام، ولكن معظمها تؤكد كما يدعي نصر الله "نبتعد كل البعد عن السياسة، فهي لا تعنينا ولا بأي شكل من الأشكال".

العمل الخيري، أو ما يدرج على تسميته بالعمل الاجتماعي في معظم الحركات، موجود قبل اندلاع الثورة، وبروز أزمة النازحين. مع عشرات المنظمات والجمعيات الأهلية التي تبرز كل يوم، لم يظهر – على الأقل إعلامياً – أي دور بارز لهذه الحركات. يقول طارق الحايك إن العمل الاجتماعي في مدارس الأحد لا يقتصر على دور الوسيط فقط، إنما "تشارك الحركة بقسم مهم وكبير في تمويل العمل الاجتماعي". من ناحيتها، وإضافة إلى بعض الأعمال الخيرية التي ساهمت بها، قامت فرقة فرسان المحبة بإطلاق مبادرة (البلد إلنا كلنا)، التي كان هدفها الأساسي وفقاً لميشيل نصرالله "تذكير المجتمع بصورة البلد الجميلة والتي طالما تميزت بتنوعها".

الشبيبة المسيحية في سوريا اليوم - فرسان المحبة

المبادرة كانت عبارة عن مجسم مصغر لمدينة دمشق القديمة يظهر أماكن دور العبادة للأديان والطوائف المختلفة، إضافة إلى كتيب عن دمشق القديمة. الوضع الأمني المضطرب في دمشق وأعداد الضحايا المرتفعة في البلاد أدت إلى إلغاء الاحتفالات التي تحييها الفرق النحاسية الخاصة بالفرق الكشفية المختلفة في مناسبات دينية عدة، في حين لم تتوقف نشاطات أخرى مرتبطة بالأعياد، مثل ما يعرف باسم "يوم الكيلو" في مدارس الأحد، والذي يتبرع فيه أبناء الحركة وغيرهم بكيلوغرام واحد أو أكثر من أي مادة غذائية، ليتم توزيعها لاحقاً.

"للحركة دور كبير في بناء شخصيتي وتعزيز ثقتي بنفسي” تقول سمر التي قضت ما يقارب 16 عاماً في مدارس الأحد. ولكن “الدور السلبي الذي لعبته على الصعيد الشخصي أنها جعلتني أجد صعوبة في الانفتاح على مجتمع أكبر في أيام الجامعة".

تشكل الطائفة اليوم – أي طائفة – والمؤسسات الممثلة لها حاجة قانونية وإجرائية للكثير من السوريين، وهذه الحركات تؤدي بشكل وآخر دور الوسيط الذي يضمن استمرار اتصال المسيحيين مع بعضهم ومع الكنيسة. لا يمكن الحسم في كون الدور الاجتماعي الذي تلعبه هذه الحركات سلبياً أم إيجابياً، ولكنها إلى اليوم ما زالت تمتلك الميزة التي تملكها نظيراتها في معظم دول العالم: عدم الدعوة - الصريحة على الأقل - إلى العنف.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي