غنّي عن التعريف

غنّي عن التعريف

ظهر في الأدب العربي العديد من الكتابات التي تطرقت للقضايا الجنسانية والمثلية، لا سيما في العصر العباسي والأندلسي. كانت أغلبها تشير إلى تلميحات بالمثلية الجنسية والتغزل "بالغلمان"، مثل قول أبي الفتح البستي "خذوا بدَمي هذا الغلامَ فإنّه، رماني بسهمَيْ مقلتَيْهِ على عَمْدِ"، وقول أبي تمام "غلامٌ فوق ما أصف، كأن قوامه ألفُ" أو قول أبي نواس "يا أبا القاسم قلبي، بك صبٌّ مستهامُ، فأبنْ لي أكعابٌ، أنت أن أنت غلامُ؟". شعراء آخرين جاءت أقوالهم في سياق انتقادي للمجتمع الذي شاعت فيه المثلية الجنسية، مثل قول الشاعر الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب عن أحد المشايخ المعروفين بحبهم للغلمان "شيخ رباط إن أتى شادنٌ، خَلْوَتَه عند انسدال الظلامْ، أدلى وقد أبصره دلوه وقال: يا بشراي هذا غلامْ".

إن وجود هذه الكتابات يكسر الكثير من الأقاويل والخطابات عن غربيّة وغرائبية المواضيع الجنسانية، واعتبارها دخيلة على المجتمع الفلسطيني ونتيجة للتأثر بالغرب أو مؤامرة من الاحتلال الإسرائيلي. في السياق الفلسطيني لموضوع الهوية الجنسانية عمق أكبر من التعقيد، ليس بسبب عدم تقبل جزء من المجتمع لهذا الموضوع، بل للنظرة الفوقية التي ينظرها الجزء المتحرر من المجتمع الإسرائيلي، ومحاولته احتواء المثليين الفلسطينيين، لعدم تقبل جزء من مجتمعهم الأصلي لهم.

لعبت مؤسسة القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني دوراً مهماً في هذا السياق، إذ كان للقوس سياسة واضحة في مناهضة الاحتلال والتطبيع ورفض أي تواصل مع جمعيات مثلية "اسرائيلية". إدراك هذه النقطة ليس الوحيد، إذ أن هناك مأخذ على العديد من المؤسسات العربية التي تعنى بالجنسانية، وهي تكوينها مجتمعاً للمثليين يكاد ينفصل عن باقي المجتمع. ففي العديد من الأماكن، ومن دون قصد، تكون شريحة المثليين بمثابة فقاعة لا يدري عنها باقي المجتمع. لهذه الحالة بالتأكيد أسباب تتعلق بخصوصية أفراد المجموعة في حرية الإعلان عن أنفسهم، ولكن ما نجحت مؤسسة القوس في القيام به هو استيعابها وجذبها لأعضاء معنيين بموضوع الجنسانية بغض النظر عن هويتهم الجنسية، حيث سؤال الهوية الجنسية لكل شخص غير مطروح، ويعود أمر طرحه إلى صاحب الشأن فقط.

احتضنت مؤسسة القوس مشروع أسمته "غنّي عن التعريف"، وهي تجربة مشتركة لأكثر من 80 فلسطيني وسوري يجمع بينهم الاهتمام بقضايا الجنسانيّة والجندر، لإنتاج نصوص يتم غناؤها في البوم موسيقي، ينقل جزءاً من التجارب الجندرية والجنسية من منظور وتجربة كل ناشط وفنان. تكوّن الألبوم من ثماني أغنيات، كل أغنية ترسم مشهداً وحالة متخصصة تطرح أسئلة جديدة في هذا الموضوع. يعتبر هذا المشروع الأول من نوعه في فلسطين في خوضه موضوعاً يعد من التابوهات.

تقول حنين، مديرة مؤسسة القوس، إن أحد أهداف المشروع هو خلق مساحة آمنة لشرائح عديدة ومختلفة من المجتمع للتواصل الثقافي وحرية التعبير الذاتي، وتضيف بأن المشروع من هذه الناحية قد حقق نجاحاً كبيراً. لا سيما في تحديه ظاهرة تقوقع المثليين بفقاعات محصورة من ناحية، ونظرة المجتمع لهم كمجموعة منعزلة رافضة للاختلاط من الناحية الأخرى. كلمات الأغاني لم تأت بالتالي في سياق مثلي بحت، بل خاضت مواضيع مختلفة متعلقة بالاحتلال في بعض الأحيان مثل أغنية  "بحبك"  لـ"جمع تكسير" ورلى عازر.

يقول جوان صفدي، أحد الفنانين الذين شاركوا في المشروع، أنه حاول على مر سنوات من خلال كتاباته وأغانيه كسر التابوهات المتعارف عليها لكونها تتعارض مع المنطق الأخلاقي الذي يمليه عليه صوته الداخلي، تابوهات كانت مناقشتها من خلال الفن المرئي والمكتوب أخف بكثير من طرحها في أغنية. ويضيف جوان بأنه  لسبب ما غريب “يتقبل الناس طرح موضوع الجنسانية مثلاً من خلال عمل سينمائي، لكن طرحه في أغنية كان ولا يزال إلى حد كبير مرفوضاً ومنفراً”. مع ذلك، أصر على التعامل مع هذه المواضيع بصراحة وصفها الكثيرون بالجريئة. يضيف جوان بأن ما فعلته  "القوس" من خلال  "غنّي عن التعريف" هو توفير إطار يجمع أكثر من أغنية جريئة في ألبوم واحد، تقديم الدعم المادي والمعنوي لإنتاجه، وفرض شرعية وحق وجوده على الخطاب العام.

بهذه الخطوة فتحت جبهة مواجهة فنية مع عالم المفاهيم المغلقة. انضم إلى هذه المواجهة كل من كان يحبس في داخله الأسئلة والأفكار والميول التي لا يسمح بكشفها علناً. أما من الناحية الفنية فيوضح جوان: "إننا تمتعنا بحرية تامة لخلق نصوص وألحان معبّرة عن ذواتنا". بذلك، تعدّ مبادرة “القوس” بادرة جريئة في خلقها للغة تواصل عن طريق الأغاني تشمل مضامين لم يكن مقبولاً تداولها بشكل علني في المجتمع الفلسطيني.

التعليقات

المقال التالي