موسم مفتوح لصيد الصحافيين

موسم مفتوح لصيد الصحافيين

مراسلون يحاولون بخفة النجاة من الرصاص المتناثر من حولهم، خلال مهمة تجسيد الحقيقة تلك، وفي الأفق مسلحون يركزون بدقة على تحركاتهم ليصطادوهم ويخرزوا رصاصهم بعمق في الملفات المخزنة في عقولهم. موسم صيد الصحافيين في دولنا العربية قد افتتح بهذا الشكل الإجرامي منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي والثغرات التي تركها في مؤسسات الأنظمة، ولن يختتم بالقريب العاجل. مراسلو العام 2013، بين الخطف والسجن والاغتيال، أرقام وإحصاءات.

منتصف شهر ديسمبر 2013، نشرت منظمة "مراسلون بلا حدود" تقريراً يحصد 71صحافياً قُتلوا وهم يمارسون مهنتهم في أخطر بقاع الأرض، ثم عادت الحصيلة لترتفع نهاية العام  إلى 75 صحافياً، و37 مواطناً صحافياً، و4 مساعدين إعلاميين. وهو انخفاض بسيط في حركة قتل واغتيال الإعلاميين بالنسبة للعام 2012، العام الأكثر دموية لتلك المهنة الدقيقة، والذي أخذ معه 88 صحافياً. المعادلة إذاً تسجل انخفاضاً بنسبة 20% في مجال القتل، وارتفاعاً ملحوظاً في حالات الخطف التي تجاوزت 87 حالة، مقابل 38 في العام 2012. أرقام مخيفة وقياسية يسجلها الإجرام لإسكات الحقيقة، حتى ولو أخفق في استهداف بعض المراسلين حتى الآن.

سوريا، الصومال وباكستان هي البلاد الأخطر والأعنف لتلك المهنة، تليها الهند والفيليبين والمكسيك والبرازيل. ذكر التقرير أيضاً أن 4 صحافيين من أصل 10 وقعوا ضحية النزاعات الحادة هذا العام، في سوريا والصومال ومالي ومحافظات تشهاتيسجاره في الهند وبلوشستان في باكستان وداغستان في روسيا. باقي المراسلين خسروا حياتهم جراء تغطية اغتيالات أو تم اغتيالهم على أيادي جماعات مسلحة وميليشيات إسلامية، من قبل الأنظمة القانونية والفاسدة منها.

Print

معظم حالات الاغتصاب لحرية الرأي تحصل في الشرق الأوسط وفي إفريقيا الشمالية. تهديدات، خطف، قتل، سجن، هي الصفات الي تتألق بها الأنظمة والميليشيات العربية. أراضي سوريا اختطفت 49 مراسلاً في العام 2013، وليبيا 14، إضافةً إلى الـ 178 مراسلاً المسجونين اليوم خلف قضبان القمع في العالم أجمع. تماماً كالعام 2012، تحتل الصين وتركيا وسوريا وإيران، المراتب الرائدة في سجن وقمع المراسلين. أرقام "مراسلون بلا حدود" تختلف عن الأرقام التي نشرتها منظمة Committee to Protect Journalists، المتمركزة في نيويورك، والتي تؤكد أن 211 مراسلاً تم سجنهم في العام 2013، وجاءت تركيا في المركز الأول، تليها إيران والصين، 3 دول تحتجز أكثر من نصف المراسلين الموقوفين في العالم.

مؤشر حرية الصحافة السنوي لـ "مراسلون بلا حدود" يقيم مقارنة دقيقة بين الوضع الراهن وما كان عليه سابقاً، ويحاول ربط الأحداث السياسية ببعضها البعض لفهم تأزم أو تحسن وضع المراسلين خلال ممارستهم المهنة. احتلت المرتبة الأولى وللمرة الثالثة على التوالي، دولة فنلندا التي برهنت على احترامها الصادق لحرية الصحافة، تليها كل من هولندا والنرويج، بينما احتفظ "الثلاثي الجهنمي"، أي تركمانستان وكوريا الشمالية وإريتريا، بالمركز نفسه كونه الثلاثي الديكتاتوري الأخطر لمهنة الصحافة في العالم. فلا وصول كيم- جونغ أون إلى رأس كوريا الشمالية غيّر شيئاً في التحكم المطلق بالإعلام كما هو سائد، ولا التمرد العسكري على وزارة الإعلام في إريتريا ساعدها على التفاؤل بحرية الصحافة، ولا الخطاب الإصلاحي للنظام التركماني خفّف من قبضته الخانقة على المؤسسات الإعلامية.

سوريا لحقت بالثلاثي الجهنمي، لتكون البلد الأكثر دموية للصحافيين خلال العامين الماضيين، لا ترحم لا الصحافيين ولا المواطنين الإلكترونيين ولا أي صوت يحاول الصراخ عالياً ولا أعيناً تحاول أن تشهد على الواقع المرير. الصومال أتت في المرتبة 175 بعد عام دموي حاد عاشه الصحافيون، إيران في المرتبة 174 وقد اتُهم النظام بانفراده في ممارسة ألعاب خسيسة للضغط، ليس فقط على المراسلين بل على عائلاتهم أيضاً، والسودان (170) واليمن (169)، من ضمن الدول العشر الأقل احتراماً لحرية الصحافة. أفغانستان وبشكل مفاجئ، أحرزت تقدماً ملموساً بـ 22 درجة، وحازت على المرتبة 128، وهو أمرٌ يعود إلى عدم وجود صحافيين في السجن، إلى أن التحدي سوف يزداد مع انسحاب القوات الأجنبية من أراضيها.

مالي سجلت أكبر تدهور في الترتيب، مع 74 درجة إلى الأسفل لتصل إلى المرتبة 99، جراء سقوط شمال البلاد في أيدي الجماعات الإسلامية المسلحة. خسرت سلطنة عمان 42 درجة لتحتل المرتبة 141 كأكبر خسارة يسجلها الشرق الأوسط، بعد أن قامت بملاحقة ما يقارب 50 مواطناً إلكترونياً ومدوّناً في العام 2012 بتهمة مخالفة قانون تقنية المعلومات. إسرائيل أيضاً تدحرجت 20 درجة لتكون في المرتبة 112، بسبب الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، رغم "الحرية" النسبية التي يتمتع بها الصحافيون العاملون على أراضيها.

اعتداءات جسدية، محاكمات غير عادلة، اعتقالات لمواطنين إلكترونيين، حركة القمع تلك للصحافة خلفها الربيع العربي والفراغ القانوني والسياسي الذي رافقه، ما أبقى البلاد التي لحقها الربيع في مراتب منحدرة ضمن جدول التقييم، رغم بعض التحسنات التي شهدتها بضع دول عربية بموازاة أحداثها السياسية. ليبيا قفزت 23 درجة نحو الأعلى لتصل إلى المرتبة 131، كتعبير عن إرادتها الانتقال نحو صحافة حرة، البحرين في المرتبة 165 مع تحسّن بـ 8 درجات وكذلك مصر التي لا تزال تحتل المرتبة 158، ما لا يدعم تحسّنهما كثيراً.

الأحداث الإقليمية الخطرة لا تساعد كثيراً على سلامة تنقلات المراسلين وأمن ممارستهم للمهنة، ذلك أن الجبهات العربية منفتحة على بعضها وحركة الأنظمة المسلحة تتجاوز حدود الدولة، لتنظم قاعدة عنكبوتية إجرامية يعلق في شباكها المراسلون وبالأخص المواطنون الإلكترونيون والمدوّنون.

قد يرى البعض أن ذلك الخطر الذي يلاحق المراسلين أمر بديهي ما أن يتواجدوا في نقاط الخطر الأقصى وعلى خطوط التماس، ومن شروط المهنة لتمارس بشكل ناجح ومتخصص أن يجازف المراسل بحياته لإيصال الحقيقة للشعوب، ولكن هذا ليس كل في الأمر. في الواقع يشهد العالم الجديد اليوم موجة من الاغتيالات المتعمدة، والصحافي لا يموت من رصاصة طائشة بل يتم ملاحقته إلى داخل بيته، ويتم وضع مسدس في رأسه، فتفنى معه المعلومات المخزنة داخله.

منتصف ديسمبر 2013، أطلق مسلحون مجهولون النار من أسلحة خفيفة على الإعلامية نورس محمد هاشم النعيمي (20 عاماً) بالقرب من منزلها في حي الجزائر شرقي الموصل، بغداد. أصيبت نورس بعدة طلقات في رأسها ما أدى إلى وفاتها فوراً، ليصل عدد الصحافيين الذين سقطوا فقط في محافظة نينوى منذ عام 2003، 51 صحافياً. أغسطس 2013، تم اغتيال الصحافي عزالدين قوصاد من قناة تلفزيون "ليبيا الحرة" برصاص مجهولين أطلقوا عليه النار بعد أن استقل سيارته التي كانت متوقفة أمام بنك للدم في بنغازي. ديسمبر 2013، اغتيل الصحافي الكردي كاوه كرمياني، الذي كان مهتماً بالتحقيق في قضايا فساد عديدة، بهجوم مسلح نفذه مجهولون أمام منزله في منطقة كلار جنوبي السليمانية، العراق.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي