البابا فرانسيس الأول، رجل الكنيسة الصادم

البابا فرانسيس الأول، رجل الكنيسة الصادم

لم يأت إعلان مجلة تايم الأميريكية اسم "فرانسيس الأول" شخصية العام 2013 مفاجئاً، فبابا الفاتيكان يعدّ الشخصية الأكثر إثارة للجدل في الكنيسة وخارجها، وكذلك الأكثر تسامحاً وتقبّلاً للآخر وانفتاحاً على الحداثة والثقافة. تصريحاته الأخيرة في بداية السنة الجديدة تعكس الكثير عن الدور الإصلاحي الذي يرغب في لعبه، حتى ولو عاد الفاتيكان ليصدر بياناً توضيحياً يحاول فيه التخفيف من حدة ما تقدم به. بحسب البابا “الكنيسة لم تعد تعتقد في الجحيم حيث يعاني الناس” لأن هذا المذهب يتعارض مع الحب اللّامتناهي للإله. انفتح خطابه الأخير هذا على كافة الأديان وعلى الملحدين، على ذوي الميول الجنسية الغيرية والمثليين جنسياً، كما على مؤيدي الإجهاض. إضافةً إلى ذلك، تمنى أن يكون هناك في يوم من الأيام امرأة “بابا”، مصرحاً أن الكنيسة سوف تبدأ في ترسيم نساء "كرادلة" وأساقفة وكهنة.

خورخي ماريو بيرغوليو Jorge Mario Bergoglio، البابا الأول غير الأوروبي، تميز بخروجه عن بروتوكولات الكنيسة الكاثوليكية منذ أن شغل منصب كبير الأساقفة في بوينس آيرس مسقط رأسه في الأرجنتين، حيث اشتهر بتواضعه الشديد وتعاطفه مع المرضى والفقراء، إذ سبق أن قام مثلاً بغسل وتقبيل أقدام عدد من المصابين بالإيدز ومدمني المخدرات في مصحّات إعادة التأهيل.

بعد انتخابه بابا للفاتيكان، لم يتخلَّ عن بساطته وتواضعه، فرفض الإقامة في القصر الرسولي المخصص له، وفضّل السكن في شقة بسيطة للضيوف، حيث احتفل بعيد ميلاده الـ 77 صحبةَ عدد من المشرّدين والفقراء وجّه لهم دعوة لمشاركته طعام الإفطار.

منذ تنصيبه على الكرسي البابوي، انتهج طريق المصالحة والتسامح بين الأديان، مؤكّداً على أهمية احترام ومحبة المهاجرين المسلمين إلى الدول الأوروبية، وضرورة التوفيق بين الدين والحداثة، والحوار مع العلماء ومع الأديان الأخرى وحتى مع الملحدين، إذ صرح أن رحمة الله لا حدود لها، وأن المخلصين من غير المؤمنين يمكنهم اتّباع ما تمليه عليهم ضمائرهم.

أما موقفه الأكثر إثارة للسجال فكانت دعوته إلى مزيد من التسامح مع مثليي الجنس ورفضه تهميشهم. اعتبر الأفعال الجنسية المثلية خطايا، أما التوجه الجنسي فلا، قائلاً: "إذا كان شخص مثلي ذو نية طيبة ويبحث عن الله، فمن أنا لأحكم عليه؟" !

تصريحاته هذه أكسبته احتراماً شديداً وشعبية بين المثليين على مستوى العالم، إلى درجة أن أقدم مجلة للدفاع عن حقوق المثليين في الولايات المتحدة الأميركية The Advocate magazine  اختارته شخصية العام 2013 بسبب توجهاته التي تشكل تقدماً ملحوظاً عن مواقف سابقيه، وذلك رغم معارضته الزواج المثلي حتى اليوم.

البابا فرنسيس الأول والرياضة

لا يجد البابا حرجاً في إبداء عشقه للرياضة، فقد استقبل العام الماضي في الفاتيكان أعضاء فريقه المفضل سان لورينزو San Lorenzo بطل الدوري الأرجنتيني لكرة القدم، وتلقى منهم قميص النادي كهدية تذكارية، كما استقبل في وقت سابق أعضاء المنتخبين الأرجنتيني والإيطالي على هامش مباراة ودية جمعتهما في روما، وطلب من اللاعبين أن يصلوا من أجله، وذكرهم بأنهم قدوة ومثل أعلى، كما تلقى منهم هدايا تذكارية من كرات وقمصان موقعة، وشتلة زيتون مقدمة من النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي Lionel Messi، في لقاء وصفته وسائل الإعلام بأنه بين الأرجنتينييَن الأشهر في العالم.

إضافة إلى ذلك، فالبابا مهتم بشتى ميادين الثقافة، محب للفن التشكيلي والنحت والأدب والموسيقى الكلاسيكية والسينما، فقد أبدى إعجابه بأفلام لمخرجين من موجة الواقعية الجديدة الإيطالية كروبيرتو روسيلليني Roberto Rossellini ولوشينو فيسكونتي Luchino Visconti وفيديريكو فيلليني Federico Fellini الذي طالما أثارت أعماله سخط الكنيسة الكاثوليكية بسبب تناولها لتابوهات الدين والجنس.

"البابا المغرّد" كما يحلو للبعض تسميته، يتابع صفحته الرسمية باللغة الانكليزية على موقع تويتر حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون مشترك، ولذلك بالطبع دور كبير في شعبيته لدى أوساط الشباب إذ يحرص دائماً على الاختلاط بهم والتواصل معهم كي يمدوه بالأمل حسب تعبيره، وقد أثار ضجة كبيرة عند قيامه بأخذ صورة تذكارية عبر الموبايل (selfie) مع مجموعة من المراهقين الطلاب في أبرشية إيطالية، وانتشرت الصورة في وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة خيالية.

سيلفي مع البابا فرنسيس الأول

ما سبق ذكره يعتبر بالتأكيد حالة فريدة وصورة عصرية ومختلفة لرجال الدين بشكل عام وللكنيسة الكاثوليكية بشكل خاص، لكن هل يمثل البابا فرانسيس نفسه فقط أم أنه قادر على إحداث تغيير حقيقي في الفاتيكان، لا سيّما في ظل الإرث الثقيل الذي حمله عند تنصيبه، من فضائح جنسية تتعلق باغتصاب أطفال من قبل رجال دين، وفضائح فساد مالي وإنفاق باذخ لا مبرر له.

التعليقات

المقال التالي