زوجي وعمّال النفايات والواقي الذكري

زوجي وعمّال النفايات والواقي الذكري

أشعر أن أصابعي العشر تتكاثر لتُعدّ بالمئات من كثرة رجفان يدي. عيناي تتناوبان، الواحدة تلوى الأخرى، ذرفَ الدموع لأتمكن، على الأقل، من لمح الطريق التي تقطعها سيارتي بوتيرة غير منتظمة تحت قدميّ الضعيفتين. السبب؟ يدان، رجلان، أذنان، عينان، فتحتا أنف، رئتان، شفتان، ولكن قلبٌ واحد يبحث عن قلب آخر يتّحد معه، ليضخّ الدم بحب حي لباقي أعضاء الجسم. لمَ لم يخلقنا الرب بقلبين يكملان بعضهما، فيعيش الجسم والعقل والروح بسلام فطري وأزلي؟ لماذا قلبي الوحيد قد تكسّرت أطرافه مع مرور الوقت والعلاقات، بمحاولته المتفائلة التلقائية لتبني قلب آخر؟ مرة أخرى، خذلني القلب الذي اخترته.

Ring Ring. عيناي بالكاد تقرآن إسم المتصّل، ربما أصابهما العمى. ولكن هذا إسم حبيبي الأول، منذ قديم الزمان، أيام فرّقتنا الحياة بسبب اختلاف ديننا. قلبي الساذج عاد لينبض.

ألو... هذا أنتَ... اشتقتُ لك أيضاً... وببسمة خجولة قبلت زيارته في شقته. عيناه ما زالتا تلمعان شغفاً بالحياة، عضلاته مفتولة أكثر مما كانت عليه، وجهه شاحب. تمنيت له عيداً مباركاً، ابتسم لي وعانقني بشدّة حذرة. سألني عني، عن أيامي، عن سعادتي، عن أحلامي، وأنا بالكاد عبّرت عمّا في قلبي. أخذ يخبرني عن السنين المرّة التي زارته في الأواني الأخيرة، وعن التجارب القاسية التي عاشها، وعن درس الحياة الذي علّمه ألا يخذل الربّ فلا يخذله الربّ.

"لم تمرّ مرحلة في حياتي لم تكوني فيها معي، لم أتوقف يوماً عن التفكير بك".

كدتُ أذوب. لنكن واضحين، تلك الكلمات قد تذيب أية امرأة حيّة. سألته لمَ تركني ليتزوج من أخرى، وأجابني أنني أنا السبب، أنني معقدة، أنني أنا من ألقيته في حضن إمرأة أخرى، قبل أن يتطلّق منها. لنترك ذكريات الماضي. ما يحصل الآن، هو أنني كنت محطمة منذ ساعات قليلة، وكأن السماوات رمت على دربي ملاكاً ليقول لي أنني غير منسية. ما يحصل الآن، هو أنني أشعر بالرغبة في التعبير عن أنوثتي. سألني إذا كنت مستعدة لفتح عقلي وقلبي. إذا كنت مستعدة للقبول بالتحدي. هززت برأسي، فأعطاني المعادلة المعقدة ببساطة رهيبة. حسناً، لنرسم الجدول. هو رجل أقسم بالله أن يمشي على دربه مهما كلّف الأمر، ما يعني أن العلاقة الحميمة هي زنى إذا أقيمت خارج الزواج، فيعود ليفتقر مادياً ومعنوياً. هو أيضاً مشتاق لي لدرجة أنه يريدنا أن نتّحد بأجسامنا، ولتحقيق ذلك عليه أن يقنعني بأن نقوم بزواج ديني أمام الله، أنا وهو وشاهدين، لنتمكن من التحدث عن الحب، والاستسلام له. أنا إمرأة وكلّ ما فكرت فيه في تلك اللحظة، أن أحداً طلبني للزواج! أنه يريد أن يتزوجني! قال لي أن الزواج هو عدة فئات، فهناك ما هو ديني بحت، وما هو اجتماعي مختلط ببعض التقاليد والعادات. يريد أن يتزوجني! يريد أن يتزوجني وهو لم يرني منذ سنين طويلة! الزواج! يا إلهي أية حالة من الجنون تلك! عدت لأرتجف...

أمسك بيدي، وحاول أن يطمئنني. يا حلوتي، هذه هي معتقداتي، هذا هو إيماني، هذا هو ديني. بكل بساطة، حدثني بكلمات ناعمة تشرح الزواج الديني وتداعياته التي لا وجود لها، وكيف أن بضعة كلمات تجعلنا متحدين أمام الله وبضع كلمات أخرى تفصلنا أمام الله. "يا حبيبتي، أنت إمرأة منفتحة، فلا بد من أن تتفهّميني. أريدك الآن، فاقبلي بشروطي".

تفهّمتُ. فأنا تلك المرأة المنفتحة كيف لي ألا أتفهم! فأنا تلك المرأة التي تعيش الوحدة بقساوة فكيف لي أن أرفض الزواج من رجل وسيم. ففي النهاية ديني لا يعترف بتلك الزيجات، لم لا أعيش مغامرة الحياة. نعم. لنقم بذلك. أين الشاهدان؟ وقف وقال لي أن أمشي معه، وأنه سيتكفّل بالباقي. فلنتزوّج.

عدتُ خلف المقود، أرتجف، قرب رجل أشبه بمخلوق فضائي جميل. ندور في الحي على مهل، وهو يتصل بأصدقائه، يعايدهم، ويطلب منهم خدمة صغيرة، أن يشهدوا على عرسي. إنها أول أيام العيد، الأصدقاء جميعهم أخذوا عطلة طويلة وقصدوا القرى ليمضوا أوقاتاً دافئة مع العائلة. اتصال فاتصال، لا أحد في المدينة. أخذ المخلوق القمري يبحث في جدول الاتصالات الواسع، فتحدث مع السمكري، والنجار، والسائق، والبواب، لا أحد متفرغ ليكون شاهداً! نمشي في منطقته ونبحث عن أحد يعرفه مارّاً في الشارع، عن أحد يدخن الشيشة على شرفته، عن كائن قد يعرف ملامحه، ولكن لا أحد حاضر ليشرف على زواجي! أحاول ألا أفكر، ألا أطرح أسئلة تتعلق بكياني وأفكاري. أردع نفسي من تقييم تلك الرحلة إلى بلاد الزواج الديني.

"توقفي هنا! لنقم بشيء مجنون...".

لا أرى الجنون من حولي، لا أرى شيئاً من حولي، غير شاحنة خضراء كبيرة لجمع النفايات من خلفي. ترجّل مخلّصي من السيارة، وذهب ليلتجئ خلف الشاحنة، يتحدّث مع العمال الذين يهتمون بجمع نفايات المدينة، ويحرصون على نظافتها. أخذت
أضحك بصوت عال، هستيري، مجنون، والدموع في عيني. أحدّق في المرآة لألمح الرجال الذين يحيطون برَجُلي، لا رؤية واضحة خلف الكميون.

ثم أطلّ الكائن الجميل الذي يريدني من خلف الشاحنة، الثقة تمشي معه والبسمة تزهِّر وجهه، وخلفه مجموعة من العمّال. السواد يرسم أشكالاً مرحة على وجوههم، ينتعلون جزمات سوداء كبيرة يمشون فيها كرواد الفضاء، لابسين زياً أخضر تزيّنه بعض شرحات الطماطم والمحارم الملتصقة والشحم السائل، يتجهون كمعسكر الحب نحو سيارتي. فتح البطل الحنون باب السيارة، وجلس في مقعده يحدق في عيني بنظرة ضاحكة، مثيرة، غريبة، وأدخل عمال جمع النفايات رؤوسهم داخل السيارة، عددهم يفوق العدد المطلوب، ابتساماتهم البيضاء تشقّ أوجههم بمرح كبير. بعض الابتسمات تنحرف وتخجلني.

"زوَّجتُكَ نفسي..."، "قبلت".

تمنى لنا العمال زواجاً مباركاً، وفتحوا أيديهم المتسخة ليتقبلوا كمية ضئيلة من الليرات، وغادروا صوب شاحنة النفايات بعد أن اضطرّ زوجي لترداد عبارات الشكر عشرات المرات، فلا يبقوا ملتصقين بنوافذ السيارة. بعد أن علا الضحك، في العودة، بلا توقف، تداخلت قبلاتنا الحارة عند وصولنا إلى الشقة. قبلات لا تقتصر على أجزاء الوجه، لمسات تشابك الأيدي، عيون تحدّق بالملموس وغير الملموس...

"توقّفْ هنا!... أين الواقي؟"

نظر إلي باستغراب، فكيف للواقي أن يبعد رجلاً عن إمرأته! كيف لزوجين أن يستخدما تلك الوسائل غير الشرعية! كيف لي أن أقنعه بأن تلك النقطة هي خط أحمر بالنسبة إلي؟ حسناً، قد أقبل بمغامرة وأعيشها للنهاية إذا جعلتني أكتشف دهاليز الحياة، ولكن لن أقبل يوماً مغامرة قد توديني إلى مكان معتم، قاس، ظالم. حان دوري للتحدث عن معتقداتي وإيماني وحياتي. أخبرته عن تجارب قاسية عاشها بعض أصدقائي، وأن للجهل حدوداً، وأن بين القيم والجهل خطاً رفيعاً.

باح بالـ "نعم" التي تهمني أنا، وهرع لشراء تلك المادة التي يستهزئ بها، والتي قد تخيفه أكثر من أي شيء آخر، لأتمكن أنا من... ولكن دون أسهم نارية.

في اليوم التالي، لم أتمكن من زيارته، فصبّحني بجملة "أنت طالق". وفي اليوم الذي تلاه، مسّاني بجملة "أنت طالق". نصحته عندها بأن يعيدها للمرة الثالثة، لنكمل حياتنا بحريّة، كلٌّ على هواه، وفقاً لمعتقداته، إن كانت تبحث عن الحوريات في الجنة، أو على الأرض.

نشر على الموقع في تاريخ 25.12.2013

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي