حلب، بيروت الألفية الثالثة

حلب، بيروت الألفية الثالثة

هنا في حلب، امرأة في العقد الثامن من عمرها، تعيش وحيدة بعد أن سافر أولادها الثلاثة إلى المهجر منذ سنتين. عملت في القطاع الحكومي 35 عاماً لتحصل على راتب تقاعدي يبلغ 4500 ليرة سورية (أقل من عشرين دولار). تقول: "في آخر العمر، لا أملك ما يكفيني من المال حتى لدفع فاتورة الكهرباء...". إنها أول امرأة التقيتها عند وصولي إلى مدينة حلب، بعد رحلة برية شاقّة وخطرة استغرقت 12 ساعة، عوضاً عن الساعات الأربع التي كانت تستغرقها .

حلب، المحرك الاقتصادي والصناعي في سورية، تعيش اليوم واقعاً مريراً يشبه إلى حد كبير واقع مدينة بيروت في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت تعيش حرباً أهلية قسّمتها الى شقّين متصارعين "بيروت الشرقية" و"بيروت الغربية" يفصل بينهما خط تماس صار يُسمى مع الوقت بالـ "خط الأخضر". مع تقدم الحرب في بيروت، لم يعد يتجرأ سكان المدينة على عبور هذا الخط، مما أنبت فيها الأشجار من كل صوب.

حلب اليوم كذلك مقسمة إلى منطقتين. حلب الغربية التي يسيطر عليها النظام السوري، تشمل أحياء كالمارتيني، الفرقان، وموغامبو، تعدّ آمنة نسبياً، وحلب الشرقية التي تسيطر عليها المعارضة السورية "الحاكمة بأمر الله"، وتشمل أحياءَ كالكلاسة، بستان القصر، السكري والأنصاري، تعتبر شعبية ومحافظة دينياً. بالرغم من تقسيمها هذا، لا يمكننا حتى اليوم تحديد إذا ما كان يمكن تصنيف سكان أي من المنطقتين في حلب تحت مسميات القوى المسيطرة عليها، موالية أو معارضة. وهنا يحضرني قول الفيلسوف الفرنسي بول فاليري "الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض تماماً".

منذ بدايات شهر يوليو  2013 تعيش حلب الغربية حصاراً قاسياً نتيجة إنشاء معبر بين المنطقتين تسيطر عليه قوات المعارضة من الجهتين (ذهاباً وإياباً) وذلك وسط تجاهل حكومي تام. تتحكم بالمعبر (بفتحه وإغلاقه) قيادات تطلق على أنفسها أسماءَ غريبة مثل "الهيئة الشرعية"، و"لواء أحفاد الصحابة"، و"دولة العراق والشام". عند قيامي بزيارة ميدانية للمعبر أثناء تواجدي في مدينة حلب، فُرض علي الالتزام باللباس الشرعي. كان المشهد سيئاً للغاية، حشد من آلاف المواطنين الحلبيين القادمين من المناطق الغربية (تحت سيطرة النظام) تهافتوا إلى المعبر عند سماعهم بنبأ السماح بفتحه لساعات قليلة، وذلك لتأمين احتياجاتهم الأساسية والغذائية وشرائها بأسعار معقولة نسبياً، بعد ارتفاعها بشكل جنوني في مناطقهم.

يُذكر أن نسبة التضخم على مستوى المعيشة في سوريا قارب 300% في شهر مارس الماضي حسب المكتب المركزي للإحصاء، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية. في حلب الغربية، يبلغ سعر اللحم 1500 ليرة سورية (ما يقارب 6 دولارات إذا ما اعتمدنا على أن سعر صرف الدولار الواحد عند كتابة هذا التقرير هو 245 ليرة سورية)، السمنة 350 ليرة (ما يقارب دولاراً ونصف)، والأرز 150 ليرة (ما يقل عن دولار) وذلك مقابل دخل قد لا يتعدى 55 دولاراً في الشهر للعائلة كلها. يندر توافر حليب الأطفال، وتتغير أسعاره مع اختلاف سعر الدولار، أما فيما يخص المحروقات فهي تتوفر بشكل كبير في المنطقة الشرقية وبأسعار معقولة، إذ يبلغ سعر ليتر البنزين فيها دولارين مقابل 6 دولارات لليتر الواحد في المنطقة الغربية. وذلك في حال توفره، كونه يمنع منعا باتاً نقل المحروقات إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام. عند اضطرار أحد المواطنين القاطنين في المنطقة الغربية إلى تزويد سيارته بالبنزين من منطقته، يتوجب عليه الانتظار في طابور يمتد مئات الأمتار للحصول على 30 ليتر كأقصى تقدير، كما عليه الانتظار أربعة أيام ليتمكن من تعبئة ما يطلق عليه قارورة الغاز. أبرز المعوقات على المعبر اضطرار الجهات المساعدة أو الراغبة في نقل مواد غذائية أو صحية الى الأسر النازحة من الغربية الى الشرقية أو العكس، إبراز عدد كبير من الوثائق والمستندات التي توضح نوع المواد وكمياتها والفواتير والجهة المرسِلة واسم الجهة المستفيدة.

في ما يتعلق بالاتصالات، يمكن اعتبار مدينة حلب شبه معزولة، فالتواصل شبه معدوم ويخضع لعوامل عدة. قد تقطع شبكات الهاتف الخليوي والثابت وخطوط الإنترنت بشكل مفاجئ في أية لحظة.

يعد الواقع الصحي في المدينة المشطورة إشكالياً. ففي حين يقيّم محافظ حلب الوضع الصحي في الأيام الأخيرة "بالمقبول"، يتحدث أحد الأطباء الحياديّين، الذي يعمل في مشفى الرازي العام، عن "انعدام الرعاية الصحية وعدم توفر الأدوية في حلب الغربية، وتوفرها في حلب الشرقية بسبب تزويد تركيا لها بالمتطلبات الأساسية". يعتبر الطبيب "أن هناك الكثير من العوائق الصحية، لا سيما بسبب انقطاع الكهرباء، فقد توقفت مخابر التحاليل الطبية والصور الشعاعية، حتى أنهم يضطرون أحياناً إلى إجراء عمليات الولادة الطبيعية تحت ضوء الشمعة".

من الأمور التي طرأت على المدينة، تغيّر إجراءات تشييع الموتى، إذ صار يمنع منعاً باتاً خروج جنازات عامة أو تشييع لأية روح إنسانية كما جرت العادة. لا يسمح اليوم سوى لشخصين من أقارب الميت بتشييعه ودفنه وتوديعه اللحدَ. يتم إبلاغ ذويه بذلك رسمياً من الجهات المختصة في المنطقتين، وذلك عند استخراجهم  الوثائق اللازمة لإعلان الوفاة والسماح بالدفن. تم مؤخراً بناء مقبرتين جديدتين في حلب الغربية بعد أن لجأ المواطنون الحلبيون إلى دفن أبنائهم في الحدائق العامة، لأن مقابر المدينة فاضت بجثامين أولادها.

التداخل والتبادل بين حلب الشرقية وحلب الغربية لا يزال قائماً، ولكن المدينة تتحول تدريجياً إلى ما يشبه بيروت الثمانينيات، مع انقسام تتحدد معالمه يوماً بعد يوم. تملأ حلب اليوم الحواجز والمتاريس، التي تفصل شوارع عدة عن بعضها البعض، وتشطر أخرى نصفين، لتحمي سكان طرفٍ من سكان الطرف الآخر…

نشر على الموقع في تاريخ 06.09.2013

التعليقات

المقال التالي