نهضة سرقة المتاحف العربية!

نهضة سرقة المتاحف العربية!

من الباب الخلفي لكل (ثورة عربية)، اندسّت مافيات نهب التراث الوطني، مسلحة ومجهّزة بكافة الأدوات لسرقة كنوز توت عنخ آمون ونفرتيتي والملك آشور وملوك بابل ومومياءات الفراعنة وجيش الرومان وآلهة اليونان،.. في أكبر عمليات نهب تراثية يشهدها التاريخ. كيف تم التخطيط لأخطر وأدق عمليات سطو لمتاحف عربية؟

مصر: اغتصاب الذاكرة

سرقة المتاحف العربية - مصر

سرقة الآثار تضاعفت بنسبة 90% منذ اندلاع الثورة في مصر في 25 يناير 2011، وظلت تتكاثر حالاتها في كافة الأرجاء حتى عامنا الحالي. استغل اللصوص الفلتان الأمني والأحداث الفوضوية في مصر، رجال عصابات مسلّحة ومنظمة قاموا خلسة بحفر الأراضي المليئة بالآثار البكر غير المكتشفة باحثين عن كنوز يهرّبونها عبر البحر، من بينها توابيت كاملة محمّلة بالمومياءات، والبعض الآخر يهرّب من خلال الأنفاق مع غزة، عوضاً عن القطع الصغيرة كالتماثيل والتمائم التي تهرّب في حقائب الديبلوماسيين التي لا يتم تفتيشها في المطار. عصابات يتم إمدادها بالأموال والأسلحة والمعدات المختصة بالحفريات، وكأنها جزء من شبكة عالمية تتاجر بالآثار، والسيطرة عليها باتت صعبة مع تكاثرها المفاجئ. إنه العصر الذهبي في مصر لتجار الآثار، في منطقة الأهرامات في الجيزة ودهشور والأقصر، بالقرب من وادي الملوك والمعابد العديدة حيث تمتلئ الأرض من تحتها بالثروات، فامتلأت الأرض من حولها بثقوب تسرق الحضارة الفرعونية من ترابها، في مشهد مجوّف يشبه سطح القمر.

عمليات السطو والتهريب يتم كشفها أحياناً والإبلاغ عنها، ولكن الشرطة لا تحرك ساكناً للتصدي لتجارة الآثار من أراضي مصر إلى خارجها، إلى أن أصبحت عمليات النهب تحصل في ضوء النهار، ربما بسبب هيمنة عقائد السلفيين على الفكر المصري، والذي ينظر لتلك الآثار كأصنام وأوثان يجب التخلص منها، مثلما طالب القيادي السلفي مرجان سالم الجوهري نهاية العام الماضي بتحطيم تمثال أبو الهول والتماثيل الموجودة فى مصر بحجة أنها لا تكنّ احتراماً لله، وتلك الفتوى للشيخ محمد حسان في العام 2010، التي تشرّع بيع الآثار وتحطيم التماثيل: "إذا كانت في أرض تملكها أو في بيت لك فهذا حقك ورزقك ساقه الله لك ولا إثم عليك ولا حرج وليس من حق دولة ولا مجلس ولا أي أحد أن يسلبك هذا الحق، سواء كان ذهباً أو كنزاً. أما إذا كانت تلك الآثار تجسد أشخاصاً فعليك أن تطمسها، لأن النبي نهى عن بيعها، ومن حرم بيعه حرم ثمنه".

يوم 28 يناير، عشية جمعة "الغضب"، تم سرقة 85 قطعة أثرية من المتحف المصري، عاد منها 4 فقط، تتضمن تماثيل نادرة وقطعاً ذهبية وأدوات زينة من الأحجار الكريمة وتمثالاً من الحجر الجيري للملكة نفرتيتي، و8 قطع أثرية للملك توت عنخ آمون ووالده الملك إخناتون ويويا جد إخناتون، فضلاً عن سرقة عدد من المخازن في شرق سيناء ومقابر سقارة ومخزن سليم حسن في الجيزة، حتى وصل حجم المسروقات من المخازن والمواقع الأثرية إلى نحو 1228 قطعة أثرية. بعد عدة أشهر من جمعة الغضب، تعرض مخزن تل الفراعين فى محافظة كفر الشيخ لهجوم من 40 مسلحاً وقاموا بسرقة العديد من القطع الأثرية، وتعرض موقع اللاهون في الفيوم لنهب مقابره الأثرية. ارتفعت أسعار القطع الأثرية في الآونة الأخيرة، مع الهوس الذي يكنّه الغرب ومتاحفه بالآثار المصرية، والصراع القائم بين تلك المتاحف لاقتناء أروع القطع الأثرية، ففتحت مزاداً علنياً على حسابها، وكأن لا موطن لتلك القطع التاريخية.

أغسطس 2013، متحف ملوي يشهد ثاني أكبر عملية نهب لمتحف في التاريخ، حصيلته 1050 قطعة أثرية اختفت. كان المشهد مروعاً، واجهات زجاجية محطمة وملطخة بالدماء تدل على أن التنافس على الغنيمة وصل إلى أن تكسر الواجهات بالأيادي لانتشال التماثيل والنقود الذهبية، المومياءات تحوّلت إلى بقايا من الرماد الأسود بعد تدميرها داخل التوابيت للحصول على التميمة الذهبية مكان القلب أو زجاج الزئبق الأحمر من الرقبة، توابيت فرعونية من عهد الدولة المتوسطة، شبه مهشمة، تمثال مزدوج لرجل وامرأة على قاعدة صخرية لم يستطع السراقون حمله فقاموا بإلقائه على الأرض لتنكسر أجزاء من الرأسين، وبجواره ورقة لتمثال نادر لإحدى بنات إخناتون ولكن التمثال غير موجود... معركة دموية أصيب خلالها مدير المتحف وعدد من الحراس، ليتم تجريده من أثمن قطعه التي تعود للعصرين اليوناني والروماني، واليوم يشبه متحفاً للأشباح، فما من حراس لأن ما من شيء يحتاج لحراسة.

العراق: أكبر عملية نهب متحف في التاريخ

سرقة المتاحف العربية - متاحف العراق

10 نيسان 2003، مجموعة من 400 شخص مسلح دخلوا المتحف العراقي وقاموا بنهب 15000 قطعة أثرية منه ودمروا ما لم يتمكنوا من حمله. أحد الموظفين الساكن قرب مجمع المتحف هرع صوب دبابة أميركية تبعد 70 متراً عن المتحف وتوسل إليهم لحماية المتحف، دون جدوى. أكبر عملية سرقة لمتحف في التاريخ، رجّح التخطيطٌ لها عالمياً. يؤكد الدكتور دوني جورج، الرئيس السابق للهيئة العامة للآثار والتراث في العراق، وغيره من الكتاب والمحللين من جنسيات مختلفة، أن المخطط كان مرسوماً بدقة لانتشال تلك القطع من المتحف العراقي مباشرة بعد الغزو الأميركي على العراق منذ حوالي عقد من الزمن. يملك الدكتور جورج صوراً ووثائق تثبت أن السرقة لم يقم بها لصوص عاديون، وتظهر حجم الدمار الذي ألحقته السرقات بالمتحف العراقي مع صور لعشرات المواقع الأثرية تظهر فيها مئات الحفر العشوائية استهدفت سرقة الآثار العراقية من باطن الأرض. صورة لبوابة آشورية أثرية على مدخل متحف بغداد، كانت هدفاً لدبابة أميركية بحجة أن قناصاً عراقياً كان مختبئاً فوقها، صورة لإناء الوركاء الأثري الذي يبلغ من العمر أكثر من ثلاثة آلاف عام، محطم كلياً، صورة تمثال الملك آشور ناصر بال المحطم رأسه لأنهم عجزوا عن سرقته فاكتفوا بالرأس... أكثر من 120 باب محطم في المتحف رغم تحصينها ضد الكسر والخلع... الكثير من الأوراق والوثائق والصور تم جمعها وحرقها...

القصة بدأت قبل عام كامل من الغزو، حيث وصلت للدكتور معلومة من إحدى الزميلات في جامعة كامبردج عن حديث جرى في جلسة متخصصين بالآثار حيث قال أحدهم إنه ينتظر اليوم الذي ستدخل فيه القوات الأمريكية لبغداد ليكون معها ويأخذ ما يريد من المتحف العراقي، وأن العراق لا يستحق تلك الكنوز... تحضير وترتيب متخصص سبق العملية، خصوصاً أن هناك قطعاً أثرية وصلت بعد أقل من أسبوعين من السرقة إلى أميركا وأوروبا. فترة قياسية تدلّ على التنظيم المافياوي الممتاز.

10 أعوام مرّت على تلك العملية التاريخية،  واليوم تم استعادة 6000 قطعة من أصل 15000 مسروقة، موضوعة بطرق لا ترتقي إلى قيمتها لدرجة يظن السائح أنها نسخة عن الأصلية المسروقة، هذا إذا زاره أي سائح. 10 أعوام مرت على تدمير حضارة وادي الرافدين، وتحويل 16 مقبرة ملكية إلى ثكنة عسكرية لتجوال الدبابات والمدرعات بالقرب من الزقورة، ما أدى إلى دمارها. أيام الاحتلال تحول فيها موقع بابل الأثري إلى قاعدة عسكرية لقوات التحالف، عكس ما تنصّه قوانين الأمم المتحدة، بوابة عشتار من حدائق بابل المعلقة تعرضت لأضرار، والطريق التي سار بها ملوك بابل وشعبها وكهنتها.

منظمات دولية عدة عملت على إعادة الآثار العراقية المسروقة إلى موطنها، وكانت سوريا من أول تلك الدول وأعادت 701 قطعة في أبريل 2008، تلتها العديد من الدول العربية والأوربية، وفي نهاية 2010، تمت استعادة 1133 قطعة أثرية عن طريق الولايات المتحدة الأميركية، سبتمبر 2013 لبنان سلّم قطعاً أثرية عدة للسلطة العراقية، اليابان، إنكلترا... ولكن عدد المسروقات هائل لدرجة أنه من الصعب استعادتها، بالأخص من الولايات المتحدة التي كان لها النصيب الأكبر.

سوريا: هجوم على التاريخ السوري

سرقة المتاحف العربية - التاريخ السوري

12 متحفاً في سوريا خضعوا لعمليات القصف والتكسير والسرقة. متحف حمص الأثري تعرض لعدد من الانتهاكات، نتيجة النزاع المسلح المستمر في حمص. قصر الزهراوي أيضاً في حمص تعرض لعدة معارك بين الجيش النظامي والجيش الحر، وتعرض القسم الأكبر من القطع المعروضة في المتحف للتلف والكسر. متحف حماه الأثري ومتحف أفاميا تعرضا لانتهاكات وسرقة تماثيلهما، متحف معرة النعمان، الذي يضم أكبر مجموعة للموزاييك في الشرق الأوسط، تعرض لخطر التدمير نتيجة القصف الجوي اليومي. متحف قلعة جعبر في الرقة تعرض للسرقة وتم نهب 17 دمية أثرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. متحف حلب الوطني، متحف التقاليد الشعبية... وعدد من المتاحف ما زال مصيرها مجهولاً رهن الأحداث العنيفة الحالية، وما زالت مهددة ومعرضة لعمليات نهب ما من جهة تقوم بمنع حصولها.

تتهم جمعية حماية الآثار السلطات الأثرية الحكومية بالإهمال والمؤسسات الدولية المعنية، مثل اليونسكو، الأيكروم، الدرع الأزرق، اتحاد الآثاريين العرب، بأنها تقاعست عن القيام بواجباتها في ممارسة الضغوط اللازمة على طرفي النزاع، لمنع تحويل المواقع الأثرية والأوابد مثل المساجد والكنائس والقلاع والمتاحف، إلى ثكنات عسكرية ومراكز للقناصة لأي طرف كان. جهات عدة تحاول أن تستفيد من الأزمة السورية، وبالتالي ترسل عصاباتها المسلحة لتدمير ونهب المواقع الأثرية.

العام الماضي استطاعت (الدولة) السورية استعادة 4000 قطعة أثرية، ومؤخراً تم استعادة 18 لوحة فسيفساء و69 قطعة عبارة عن تماثيل وزجاجيات وغيرها من قطع من لبنان الذي تعاون بطريقة استثنائية. ولكن في ظل عدم تحييد التراث السوري عن السياسة المحلية والعالمية، تدمير آثار سوريا لن يتوقف اليوم، والقطع المسروقة والمعروضة في كافة زوايا العالم لن يتم ردّها غداً إلى بلادها. البرهان أنه منذ بضعة أيام وإثر دخول جبهة النصرة إلى بلدة معلولا، استولى عناصرها على الأديرة والكنائس وبدأوا تجارة من نوع آخر لدى استيلائهم على جميع التحف والنواويس والصلبان القديمة بهدف بيعها، عبر التواصل مع سماسرة يتولّون عرضها للبيع خارج الأراضي السورية!

فلسطين: تشويه الهوية الفلسطينية

سرقة المتاحف العربية - تشويه الهوية الفلسطينية

الجريمة الكبرى التي تمارس ضد الفلسطينيين هدفها تشويه وتضليل الهوية الفلسطينية، وهل من طريقة أمثل من التجارة بتاريخها ونشأتها؟ آثار فلسطين ومعالمها التاريخية ما زالت عرضة لجرائم السرقة والعبث في عدة مناطق، وعدد منها تم عزلها وتدميرها لحظة بناء جدار الفصل، عوضاً عن الآثار التي احتجزت ولا نية لإعادتها لتاريخها. آخر فضيحة في فلسطين طالت تمثال "أبولو" البرونزي الذي تم عرضه للبيع عبر صفحات الإنترنت، بطريقة غير مشروعة ومهينة للتاريخ والهوية الفلسطينية. هذا عوضاً عن اعترافات إسرائيل بأن بحوزتها كميات كبيرة من كنوز العراق ومصر وليبيا وسوريا وفلسطين التاريخية.

ليبيا، فقدت خلال ربيع الثورة 8000 قطعة أثرية كانت محفوظة في قبو من الأسمنت المسلح في مدينة بنغازي، واستولى ثوارها على مخازن للآثار وتماثيل تعود لعصور إغريقية ورومانية وبيزنطية، والقطع النقدية والأثرية من خزائن البنك المركزي...أفغانستان، تعيش أعمال سرقة متواصلة لآثارها منذ حوالي 12 سنة، يتم نقلها إلى باكستان قبل نقلها إلى أوروبا واليابان والولايات المتحدة، عوضاً عن عمليات التدمير التي شنتها حركة طالبان على تماثيل بوذا... رجال ميليشيات لبنان سعوا لتحصيل الثروات على حساب ثروة الوطن وحضارته وسط الحرب اللبنانية، والجيش الإسرائيلي أخذ ما استحلاه من صور وصيدا، والمنقبون عن الآثار خربوا الحصون والقلاع والأماكن التاريخية خلال تنقيبهم العشوائي باستخدام أصابع الديناميت...لا أصل ولا تاريخ للصوص الثقافة العريقة.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي