كريسماس آشوري مع فؤاد سالم

كريسماس آشوري مع فؤاد سالم

في عام 2003 بدأت العائلات العراقية بالنزوح إلى دمشق هرباً من الحرب، وكان لي أن تصادقتُ مع فتاة عراقية آشورية، جاءت هي وعائلتها إلى دمشق هرباً من الحرب.

سكنت تينا وأهلها في جرمانا، وفي ليلة الكريسماس أو عيد الميلاد سهرت برفقة تينا في مرمر، بارنا المفضل في باب توما، فأخبرتني بأنهم في العراق لا يحتفلون هذه الليلة بعيد الميلاد، بل في ليلة الغد. في سوريا يحتفلون مساء 24 كانون الأول كما نفعل الآن يا صديقتي تينا، قلتُ لها. في العراق نحتفل مساء 25 كانون الأول يا صديقي لقمان، قالت لي، ثم أردفت: وأنت معزوم على الحفلة، أمي تريد أن تتعرف عليك.

في اليوم التالي اتصلت بي تينا على موبايلي لتعطيني عنوان المطعم الذي سنسهر فيه مع أمها وأخواتها وأقربائها في جرمانا، وأكدت علي أن أحضر لأن أمها ترغب بشدة أن تراني. كان من الواجب أن آخذ هدية معي لأمها، لكن يلعن الطفر وساعته! تذكرت جملة مفيدة قالتها تينا لي ذات يوم، وهي أن أمها تحب أغاني فؤاد سالم. كان فؤاد سالم الذي رحل عن عالمنا مؤخراً من أشهر الفنانين العراقيين وأكثرهم شعبية، ولم يكن هناك خلاف عليه، فهو محبوب داخل العراق وخارجه، لكنه داخل العراق ممنوع، ولا يمكن سماع أغانيه.

في زمن صدام حسين كان فؤاد سالم من المطلوبين، بل وإن المخابرات العراقية أرسلت أحد المطربين المشهورين الذين يعملون في خدمتها إلى الأردن للقاء به باعتباره زميله والإيقاع به باعتباره زميلهم... لكن الأمور لم تجرِ بمشيئة المخابرات، وبقي فؤاد سالم حراً طليقاً بعيداً عن قبضة المخابرات العراقية، لكن بثمن باهظ هو المنفى.

في المنفى تنقل أبو حسن بين عدة عواصم، وكانت دمشق محطته الأخيرة حيث رحل منها عن عالمنا وهو يصارع المرض منذ أكثر من عام. خطرت في بالي الفكرة يا شباب فطرحتُها على نفسي مباشرةً: لمَ لا آخذ فؤاد سالم معي إلى الحفلة فتفرح والدة تينا ويكون بمثابة هدية فريدة غالية؟! وافقتُ على الفكرة التي طرحتُها على نفسي ولكني سألتُ نفسي عمَّا إذا كان فؤاد سيوافق على المضي إلى حفلة هو غير معزوم عليها؟

أجبتُ نفسي بأنني سأقولُ له بأن تينا دعته، لكن نفسي لم تقتنع بالكذبة. لا يمكن أن تكذب، عليك الاتصال بتينا كي تدعوه بنفسها. لا، لا يمكن أن أتصل بتينا، أنا أصلاً أريد المفاجأة لتينا أولاً، أريد أن أرى الفرح في عيونها وهي ترى فؤاد، أريدها أن تتخيل ولو للحظات كم أن أمها ستكون سعيدة وهي تجتمع بفنانها المفضل لأول مرة في حياتها. لا، لا أريد أن أخسر التلذذ بهذه اللحظات، كما أنني لن أضمن أن تينا لن تفشي بالسر إذا ما قررت أن أخبرها الآن.

download (11)

لكنك ستكذب على فؤاد! قالت لي نفسي بحزم واستنكار. نعم، لكنه كذبٌ بنّاء، أجبت مدافعاً عن نفسي أمام نفسي. وقَّعَتْ على ورقة تسمح لي فيها نفسي بالكذب البنَّاء حصرياً ولمرة واحدة فقط. اتصلنا بفؤاد يا شباب، ورميت وباللهجة العراقية كل أوراقي دون أن أعطيه فرصة للجواب أو الاستفسار حتى: هالو أبو حسن الغالي، آغاتي، قلبي... إي لقمان يحاكيك، ترى صديقتي تينا الآشورية تسلم عليك وتدعيك على حفلة الكريسماس مالة الكلدان والآشوريين العراقيين... أجي آخدك من البيت، لو نلتقي يم بيت بندر بشارع العابد ونروح؟

اتفقنا على اللقاء مساء في شارع العابد ومن هناك انطلقنا إلى جرمانا برفقة ابتسامة فؤاد الحنونة الحاضرة على الدوام. وصلنا ونزلتُ من سيارة التاكسي. كانت تينا تخرج من المطعم لاستقبالي عندما خرج فؤاد من السيارة. حاولت تينا أن تعرف من هو رفيقي هذا بأسئلة من عيونها موجهة إلى عيوني، إنما لا جواب يا عيوني... لكن هناك فؤاد، التساؤلات غمرته أيضاً، ألم أقل له بأن تينا دعته، وتينا تصافحه بشكل اعتيادي. تينا… قدمتها لفؤاد، ثم قدمت رفيقي لتينا: فؤاد سالم، أبو حسن.

جن جنون تينا. عانقته بحرارة وفرح وهي تقول: أبو نغم أبو نغم! ففؤاد يكنى بابنه حسن وابنته نغم. ناس يقولون له أبو حسن، وناس يقولون أبو نغم. المهم مالكم بالطويلة يا شباب نجونا من الإحراج، ومرت المفاجأة بسلام، وكانت الحالة أكبر من التوقعات بكثير. تينا فخورة بي جداً، ألمح السعادة في عينيها، ألمح الابتسامة التي يندلق منها نهر الجمال الخالص...

دخلنا إلى المطعم الذي يعج بالآشوريين العراقيين عن بكرة أبيه، وبالطبع لم يتعرف أحد على فؤاد كما حدث مع تينا. مررنا بين الطاولات حتى وصلنا إلى طاولة تينا وأهلها. قدمتني لأمها: يما هذا لقمان اللي حكيتلك عنه. قبلتني الأم ثم مدت يدها لتصافح فؤاد سالم وفي عينيها تساؤل بل وربما يمر في بالها خاطر قديم، ثم تبتسم بسعادة وتقول له أبو نغم ؟! يهز فؤاد رأسه: نعم أبو نغم؟! تعانقه أم تينا وتبكي، ونجلس جميعاً متأثرين بينما أصب العرق وأرمي قطعة من مخلل اللفت إلى جوفي قبل أن أتبعها بلقمة من الحمص الحبيب...

علم الجمهور تباعاً بوجود فؤاد، وبدأ المدعوون يأتوننا تباعاً لكي يسلموا عليه، بينما هرع عريف الحفل ليذيع النبأ على المسرح، وعلا التصفيق، وبدأت الأصوات تطالب بأغاني فؤاد: مشكورة، حكيك مطر صيف، مو بايدينا... ولم نعرف كيف صار فؤاد خلف المكريفون على المسرح وكيف بدأت الفرقة بالعزف، وغنى فؤاد، وجن جنون الحضور، كانوا يغنون معه، ويطالبون بأغانيهم المفضلة، تلك الأغاني التي كانوا يسمعونها سراً في بيوتهم وبصوت منخفض... ها هم يطلبونها من المغني مباشرة ويغنونها معه بصوت عال. كانت والدة تينا في قمة فرحها وتأثرها بالغناء تنظر إلي نظرة شكر عميق لا يمكن وصفه، وكانت تينا فخورة بي إلى أقصى ما يمكن من الفخر، بينما بدأ رأسي يطرق بالغيوم من شدة الزهو والخيلاء…

نجحت فكرتي نجاحاً باهراً، قلتُ ذلك لنفسي وأنا آكل الكباب. لكن نفسي نهرتني وقالت: اشكرْ فؤاد سالم، فلولاه لما كنت في قلب السعادة الآن، ورشفتُ العرق، وشكرتُ فؤاد في قلبي على ما منحنا من محبة وإبداع، ليس تلك الليلة فقط، إنما في كثير من الليالي، شكراً أبو حسن… شكراً أبو نغم… شكراً فؤاد سالم... الذي غنى للحرية والحب والحياة، فؤاد سالم الذي غنى لنا ورفض أن يغنّي للطغاة.

التعليقات

المقال التالي