جهاد المرأة: ما لا يحقّقه الرجال

جهاد المرأة: ما لا يحقّقه الرجال

ما أن يقوم رجل بعملية “انتحارية” أو "استشهادية"، تهتزّ من تحتها الأرض التي يقف عليها المستهدف، ولكن عندما تكون المنفذة امرأة، تهتزّ الكرة الأرضية بأكملها. تحدث بلبلة في المؤسسات الإعلامية، تضاعف الذعر الذي يعمّ الأجواء! لماذا يشكل تفجير المرأة لنفسها حالة أبعد من الهدف المرسوم للعملية، وكيف لـ “جهاد” أنثوي أن يهزّ مسار السياسة؟

ندى القحطاني، سيدة سعودية تركت بلادها متجهة إلى سوريا لتلتحق بداعش، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، بهدف الجهاد. أنصار داعش رأوا في الخطوة التي أقدمت عليها زوجة الشيخ محمد الأزدي شجاعة يفتقدها الكثير من الرجال، ولكن آخرين من التيار الجهادي انتقدوا استنفار ندى معتبرين أنه يخالف الشرع وأحكامه، لا سيما أنه من غير المطلوب من النساء “حمل السلاح وتنفيذ عمليات انتحارية بحسب أحكام الشرع”، فزوجة زعيم القاعدة أيمن الظواهري مثلاً، أميمة حسن، توصي النساء بعدم "النفير"، أي الاستنفار لمقاتلة العدو، بل البقاء في بيوتهن.

ولكن ندى توصي النساء ألا يتخاذلن، وتطلب الدعاء لتحقيق عمليتها الانتحارية ونجاحها، وكأن جهاد المرأة أصبح شجاعة شخصية تتحدّى الشريعة والعقيدة والسياسة في آن. من هنّ النساء اللواتي وضعن شريعتهن الخاصة في الجهاد الأنثوي، وكيف حقّقن إسماً ينشر الذعر من حوله، حتى بعد رحيلهنّ المدمّرعن هذه الحياة؟

الفلسطينيات: القلق المتفجر

ولدت ظاهرة النساء اللواتي يفجّرن أنفسهن مع بدء الانتفاضة الثانية في فلسطين في مطلع الألفية الثانية، لتنشر الذعر لدى الجيش والشعب الإسرائيلي على حد سواء. لائحة كبيرة من النساء ضربن أهدافاً دقيقة ومؤلمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، نتج عنها تشكيل وحدة خاصة من “النساء الاستشهاديات” تابعة لكتائب شهداء الأقصى، تحمل إسم أول فلسطينية اعتمدت هذا الأسلوب، وفاء ادريس عام 2002، تلاها في العام 2006 تشكيل جهاز عسكري سري للاستشهاديات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس يضم 100 امرأة مستعدة للجهاد. مراهقات وزوجات وأمهات وحتى جدّات، تركن بصماتهن الناعمة ملطخة بالدماء.

جهاد المرأة .. ما لا يحقّقه الرجال - صورة 1

بغداد: عاصمة الجهاديات

أكثر من 80 عملية جهادية نفذتها نساء في العراق حتى اليوم. بعضهنّ لا يتوانين عن إنهاء حياة عراقيات أخريات دون أي تردد، كما حصل في يوليو 2008، عندما فجرت 3 نساء أنفسهن بأحزمة ناسفة بين حشود الزائرين المتوجهين إلى منطقة الكاظمية في بغداد لإحياء مراسم دينية.

بدأت القصة مع إعلان أبو مصعب الزرقاوي، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق عن تجنيد أول امرأة لتنفيذ عملية انتحارية في بلدة تلعفر القريبة من الحدود السورية، وراح ضحيتها 5 مجندين في صفوف الجيش العراقي في سبتمبر 2005. في العام 2008 ظهرت "كتائب استشهادية نسائية" مهمتها الانتقام من الغزو الأميركي. توعدت "أم سلمة"، زوجة الشيخ أبو عبيدة الراوي زعيم تنظيم القاعدة شمال العراق، والذي قتل بإنزال جوي أمريكي عام 2007، بزج جيش من النساء الاستشهاديات في شوارع بغداد، وهذا ما حصل. في العام 2008 اتهمت مذكرة أعدها فريق من الخبراء العسكريين العراقيين نساء وبنات الذين قتلوا بنيران القوات العراقية والأميركية بتنفيذ عمليات عدة أخذاً بالثأر.

55 من النساء اللواتي نفذن العمليات كنّ زوجات وبنات لقادة كبار في تنظيم القاعدة، بالرغم من أن الجهاز الإعلامي التابع للقاعدة لم يصدر يوماً أشرطة تظهر أي عنصر نسائي، ما يدلّ على أن شرعية قيام المرأة بعمليات مماثلة موضوع حساس تختلف الآراء حوله، بل حتى يرفض التداول فيه رسمياً، إلا في الشيشان، حيث للمرأة أن تأخذ هذا الخيار بشكلٍ شخصي.

منذ أقل من شهر نصب جهاز مكافحة الإرهاب في العراق كميناً لـ13 امرأة ترتدي بعضهن أحزمة ناسفة، دخلن إلى بغداد في سيارات حديثة لإبعاد الشبهة عنهن. أسلوب جديد ومبهم تعتمده القاعدة اليوم، ففي أوائل شهر نوفمبر الماضي، ألقيالقبض على امرأة ترتدي حزاماً ناسفاً تستعد لتفجيره أمام مدرسة ابتدائية في مدينة الصدر، ذات غالبية الشيعية. وبذلك هل باتت المرأة سلاح القاعدة الجديد في العراق؟

تصدير واستيراد المجاهدات

بينما كانت روسيا، وبالتحديد مدينة سوتشي منهمكة بالتحضيرات لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في شهر فبراير القادم، ضربها في فولغوغراد أكتوبر الماضي، بالقرب من منطقة شمال القوقاز المضطربة، تفجيرٌ نفذته امرأة من "الأرامل السوداوات" هي ناييدا أسيالوفا (31 عاماً) داخل باص للركاب، حصدت فيه عدداً كبيراً من القتلى، أغلبهم أطفال. الحزام الناسف الذي لبسته ناييدا، الاستشهادية التي اعتنقت الإسلام مؤخراً، صنعه زوجها خبير المتفجرات الروسي ديميتري سوكولوف (21 عاماً) المعروف باسم "عبد الجبار". عمل عبد الجبار صانعاً لعدة عبوات ناسفة انفجرت إحداها أوائل العام الحالي في روسيا. لطالما هددت الأرامل السوداوات كيان روسيا لسنين طويلة، ولكنها عادت، بعد غياب طال 3 أعوام، بمهمة جديدة هي الانتقام من التدخلات الروسية في الحرب الجارية في سوريا.

الأرامل السوداوات لقب أطلقته الصحافة على المقاتلات اللواتي فجّرن أنفسهن في مسرح بولشوي في موسكو عام 2002، وتحول إلى لقب للمقاتلات القادمات من شمال القوقاز انتقاماً لرجالهنّ الذين قتلوا على أيدي القوات الروسية. مقتل آلاف الرجال ترك الكثير من نساء القوقار بلا أزواج أو آباء، ناهيك عن آثارعمليات الاغتصاب التي فاقمت من مشاكلهنّ النفسية، فشكلن جيشاً من "الأرامل السوداوات". قلوبهن فقدت الرحمة، وينتمي معظمهن إلى كتائب رياض السالكين الاستشهادية، التي أسسها شامل باسييف، القائد العسكري الشيشاني الذي شارك في حروب استقلال الشيشان عن روسيا.

تعيش هذه المجموعة بغرض الانتقام فقط. قبل ناييدا، في شهر أبريل من العام 2010، فجرت امرأتان، إحداهما جانيت عبد الرحمنوفا، أرملة قائد في القوقاز، وقوقازية أخرى نفسيهما داخل محطتين لقطارات الأنفاق في العاصمة موسكو. أودى الهجوم بحياة 40 شخصاً.

نساءٌ من مختلف الجنسيات العالمية، ومن أوروبا تحديداً يعتنقن الإسلام اليوم ثمّ يشاركن في عمليات جهادية مختلفة. قد يعود قرارهن إلى خيار شخصي، كما أنه قد يكون نتاج استراتيجية تعتمدها القاعدة في تصدير واستيراد المجاهدات.

سامانثا لوثويت، الملقبة بالأرملة البيضاء والمطلوبة رقم 1 في العالم، قد تكون إحدى المشاركين في الهجوم على مول "ويست غايت" في كينيا سبتمبر الماضي، الذي نشر الذعر لعدة أيام في العالم أجمع. عُرفت سامانثا فى وسائل الإعلام العالمية كضحية تدفع ثمن جريمة زوجها أمام المجتمع الدولي، فقد قتل زوجها خلال تنفيذه عملية إرهابية في لندن في 7 يوليو عام 2005 خلفت 52 قتيلاً. تركها زوجها كـ"أم وحيدة" تقوم برعاية أطفالها، فانضمت لشبكة مرتبطة بحركة "الشباب الصومالية".

جهاد المرأة .. ما لا يحقّقه الرجال - صورة 2

مارييل ديجوكييه هي أول استشهادية أوروبية في العراق. توجّهت بعد أن أسلمت إلى المغرب للتعمق في ديانتها الجديدة، وفي نوفمبر من العام 2005، إلى العراق لتهاجم دورية من الجنود الأمريكيين عبر تفجير حزامها الناسف.

يعد الساحل الإفريقي منطقة عبور للجهاديات. هذا ما تداولته وسائل الإعلام العام الماضي، في خبر يفيد بأن 80 استشهادية من جنسيات مختلفة يتخذن من منطقة الساحل الإفريقي معقلاً لهن، وهن مستعدات لتنفيذ عمليات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. "قادمون إليك فرنسا وأميركا وإنكلترا بالعمليات الاستشهادية" تقول إحدى المجاهدات من الجنسية البريطانية إيزابيل، أو أم عبد الله، مؤكدة أنها وغيرها من النساء مستعدات للقيام بعمليات عسكرية في هذه الدول "انتقاماً لما وقع للمسلمين في الأراضي التي يحتلها الأميركيين أو قوات حلف الناتو".

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي