برهوم وهؤلاء الغرباء

برهوم وهؤلاء الغرباء

كانت حلب هادئة طيلة أيام الثورة في سنتها الأولى باستثناء المظاهرات في أحياء صلاح الدين والأشرفية والصاخور، إضافة إلى الجامعة والمدينة الجامعية، وكان صديقي برهوم الحلبي المقيم في دمشق يعاني من عدم استقرار الوضع في دمشق، فالحواجز باتت مزعجة، والقصف المتواصل منذ الصباح على محيط المدينة كذالك. قرر المضي إلى حلب الهادئة، ولو أنه لم يكن ليرتاح فيها لأن الجو العام هناك موالٍ للنظام. كان يمضي ويعود، بسبب انعدام وجود المعارضين من أصدقائه هناك. مع ذلك، فلا يخطر في بالكم أن برهوم يتنقل من مظاهرة إلى أخرى في دمشق، لا... كان فقط يسعد بأخبار المظاهرات التي تأتيه من هذا وذاك، فيشعر بالزخم الثوري ويقرر الخروج في مظاهرة ما، في القابون أو حرستا أو دوما أو الميدان. لكنه في الواقع لم يخرج في أية مظاهرة، لا بسبب جبنه أو رعبه أو خوفه، على الرغم من وجود هذه الأشياء بقوة في داخله، بل بسبب كسله. برهوم يسحبها نومة حتى الرابعة بعد الظهر. يكون من خرج في المظاهرة قد خرج، ومن تم اعتقاله قد اعتُقِل، ومن مات برصاصة قد مات، بينما برهوم في سابع نومة من نوماته المقدسة التي لم يخدش قدسيتها أي نظام في أي يوم من الأيام.

ذات مرة قرر برهوم الذهاب إلى حلب لمشاهدة أهله والاستمتاع بالهدوء، رغم تنغيص المؤيدين للنظام من أصدقائه عليه ذلك هناك. في لحظة وصوله بدأت المعارك، واستحالت المدينة إلى جحيم لا يطاق، فقرر برهوم العودة إلى دمشق، لكن هيهات، فلا باصات ولا قطارات ولا طرقات، أما الطيارات، فعليك بالانتظار قليلاً... انتظر برهوم في منطقته الآمنة بحلب وهو يستمع إلى أزيز الرصاص وأصوات القذائف وضجيج الطيارات الحربية والانفجارات البريئة والقذائف العشوائية وغير العشوائية إلى أن استلم كرسيه في الطيارة وإلى الشام عاد. انتبهنا إلى أن شعر برهوم قد شاب قليلاً رغم أنه لم يعش الحرب سوى إذاعياً، أي بالصوت فقط، يعني أوديو، تماماً كما يعيشها في الشام. لكنه لم يمهلنا سوى أيام حتى جاءنا مودِّعاً لأنه سيمضي إلى اسطنبول في إجازة كي يرتاح قليلاً من الرعب والقلق.

في اسطنبول تعرف برهوم على العديد من الأشخاص، وكان كل شخص منهم يهتم به قليلاً حالما يعرف أنه قادم من سوريا. تبدأ الأسئلة بالهطول على برهوم، ويبدأ برهوم بالإجابات. صارت أسماء الأحياء الثائرة كلمات أساسية في قاموس برهوم في اسطنبول... يسرد لهم مغامراته التي لم تحدث: نعم يا شباب، مرة كنا في القابون نحضِّر للخروج في مظاهرة، وإذ بدورية تداهم البيت الذي كنا مجتمعين فيه. حاولنا الهروب لكننا لم ننجح جميعاً... تسلقت الجدار ورميت بنفسي إلى حديقة الجيران فكسرت ذراعي بسبب تسرعي، لأن الرصاص كان يأتي باتجاهي مثل المطر يا شباب... يريهم برهوم ذراعه السليمة كدليل، ويهز الجالسون رؤوسهم ببرود، فيحاول برهوم أن يحكي قصصاً مثيرةً أكثر: مرة يا شباب كنا في مظاهرة في دوما نهتف ”ما بنحبّك ما بنحبّك“ وإذ بالشبيحة يحيطون بنا. هربنا يا شباب، لكن الشبيحة أمسكوا بامرأة متظاهرة. عدتُ لإنقاذها على أساس أنني مجرد شخص من المارة، ووقعتُ بغبائي بين أيديهم، وعلى هون بيوجعك وهون ما بيوجعك انهالوا علي بالضرب، وهكذا حتى وصلنا إلى الفرع. في الفرع أكلنا القتل وفرَّقنا، وعلى اعترفْ يا كلب، ومين عم يمولك يا جبان، ومن مين عم تقبض يا خاين، وبدك حرية يا حيوان؟! أصبحتُ في خبر كان، أغمي علي عدة مرات، لكن هيهات... لن أشي  بأصدقائي الذين كانوا معي في المظاهرة، فجدبتها، والله يا جماعة أنا جئتُ لكي أساعد المرأة، كنتُ ماراً في الشارع فقط، لكن الضرب لم يكن ليتوقف يا شباب. يريهم برهوم آثار التعذيب على ظهره كإثبات، وهي عبارة عن خرمشات قطة الجيران التي تمكنت منه وهو نائم قبل سفره بأيام، لكن الجالسين لم يشعروا بالإثارة كما توقع برهوم، فتابع وقد أعياه الكلام: مرة يا شباب كنا في مظاهرة في الميدان، وكنا نهتف ”الشعب يريد إسقاط النظام“ وإذ بالقناصة يقتلون الهتَّاف برصاصة محكمة. حملنا الهتَّاف وركضنا ونحن نصرخ، عالجنة رايحين شهداء بالملايين... واشتغل زخّ الرصاص يا شباب، رصاص متل المطر. نظر ابراهيم فلم يرَ أية ردة فعل على وجوه الجالسين، بل إن أحدهم سأله: إي، وشو صار بعد زخ الرصاص؟ ارتبك برهوم من السؤال وقال: استشهدت... إي، أكلت رصاصتين، واستشهدت! كشف عن بطنه ليريهم آثار عملية الزائدة التي أجراها قبل عام على أنها آثار رصاصة، ومع ذلك لم يثر الموضوع هؤلاء الغرباء.

التعليقات

المقال التالي