البحر المتوسط، مقبرة هروب جماعية

البحر المتوسط، مقبرة هروب جماعية

موجة الهجرة غير الشرعية في أوجها في العالم العربي، تتحكم بها مافيات غير شرعية تقبض ملايين الدولارات. المهاجرون يتديّنون 10000$ ليشتروا موتهم غالباً وسط البحر المتوسط. ما هي أهم الوجهات الأوروبية للمهاجرين العرب، الذين يهربون من أوطانهم الفارغة من الأحلام، نحو فنتازم أوروبي لا سبيل آخر إليه؟ إليكم خريطة مفصّلة عن أهم معابر الهجرة العربية غير الشرعية باتجاه قارة تتخبط ببعضها البعض، بين فلسفة العدالة والحرية، وواقع يتجاهل موت الآلاف تحت أقدامها.

ما زالت أوروبا تجتذب المهارجين غير الشرعيين من كافة أنحاء العالم. يعود تاريخ الهجرات هذا إلى حقبة الثلاثينات من القرن الماضي. تتعلق أسباب تلك الهجرات الصعبة أساساً بحوافز اقتصادية، فمعظم المهاجرين يتركون بلادهم هرباً من الجوع والبطالة والحروب، أو ببساطة، من انعدام الفرص. منطقة الشنغن Schengen التي لا تدقق على حدودها الرقابة، هي جنة المهاجرين العرب، يفصلها عنهم فقط بحرٌ متوسطٌ لا يرحم. هؤلاء المهاجرون غير الشرعيين يتخذون عدة مسارات للوصول إلى أوروبا، معظمها بحرية تتجه صوب الشواطئ القريبة، التي ينتقل منها اللاجئون نحو دول أوروبية أخرى.

جزيرة لامبيدوزا الإيطالية التي تبعد 200 كلم عن صقلية، هي إحدى أهم المعابر للدخول إلى أوروبا للمهاجرين الآتين من إفريقيا. مرفقٌ للموت بالكاد تصل الأشلاء إلى شواطئه. ينطلق المهاجرون غير الشرعيين من ليبيا وتونس بالإجمال باتجاه تلك الجزيرة، عبر ملاحةٍ في البحر المتوسط محفوفة بالمخاطر. وفق مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، ثمة حوالي 200000 مهاجر وجدوا الموت على شواطئ لامبيدوزا من العام 1999 حتى عامنا الحالي، آتين من ليبيا ومصر والصومال وإيريتريا وأفغانستان ومالي وباكستان. 36000 مهاجر أبحروا في العام 2008، وصل منهم فقط 9500 شخصاً في العام 2009 و4300 في العام 2010 إلى الجزيرة الصغيرة. الربيع العربي حمل معه 50000 مهاجر غير شرعي نحو لامبيدوزا في العام 2011، لكن انخفض العدد في العام 2012 إلى 13300. عند وصولهم للجزيرة يمكث الناجون في مراكز استقبال قبل نقلهم نحو القارة التي تقوم بدورها بطرد البعض منهم. أمام تلك الموجات الهائجة من الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، ترى الأمم المتحدة "أن تجريم اللاجئين غير الشرعيين" لعب دوراً في مأساة غرق اللاجئين في لامبيدوزا، "إن معاملتهم فقط بواسطة الاجراءات القمعية يؤدي الى مثل هذه المآسي".

الحدود اليونانية-التركية تفرض نفسها كنقطة رئيسية لدخول المهاجرين غير الشرعيين إلى منطقة الشنغن، وبهذا تكون تركيا دولة العبور الرئيسية للمهاجرين من جنسيات مختلفة نحو أوروبا، أتراك، سوريون، عراقيون، أفغان، باكستانيون، عراقيون، صوماليون، جزائريون... بمواجهة تلك الظاهرة المتكاثرة، عزّزت بلدان الاتحاد الأوروبي المعنية دوريات الجيش والشرطة على الحدود، وبنت جدراناً مخيفة على الحدود التي يتسلّل من خلالها المهاجرون، كذلك الجدار الذي يعلو 3 أمتار ويمتد على مسافة 12.5 كلم تزينها 25 كاميرا مراقبة على الحدود اليونانية-التركية، حيث تسلّل 128000 مهاجر غير شرعي في 2010.

إسبانيا تجتذب الحالمين بحياةٍ أفضل من المغرب إجمالاً، يأتون من أراضٍ مختلفة من القارة الإفريقية، لينتعلوا قوارب مطاطية صغيرة ويبحروا بها وسط عواصف مضيق جبل طارق، آملين أن تدوس أقدامهم أراضي إسبانيا. خلال العام الماضي فقط وصل 3804 مهاجر إلى السواحل الإسبانية عبر البحر. الدوريات مشدّدة على كلا الشاطئين،لإفشال محاولات الهجرة المتزاية التي يشهد عليها المضيق كما لم يفعل من قبل.

ليبيا تعتبر الباب الخلفي للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، يتوافد إليها المهاجرون من كافة الجنسيات، إلى أن يقعوا بين أيادي الميليشيات المسلّحة التي تحتجزهم وتقوم باستغلالهم. في غياب أية هيبة للدولة، تحولت ليبيا إلى الممر الأفضل للوصول إلى أوروبا من شمال إفريقيا. رغم الجهود الأوروبية في مواجهة الهجرة غير الشرعية، إلا أنها لم تستطع كبح استغلال ليبيا كنقطة عبور وانطلاق لمراكب المهاجرين في البحر المتوسط، باتجاه الشواطئ الأوروبية. ميليشيات عدة تتحكم بزمام الأمور فيما يتعلق بالاتجار بالمهاجرين، من أهمها ميليشيا "لواء بن سليمان". عدد المهاجرين الذين سافروا مؤخراً إلى أوروبا عبر ليبيا قد ازداد بنحو 6 أضعاف مثيله في العام الماضي. 4619 شخصاً غادروا ليبيا في شهر سبتمبر الماضي مقارنة بنحو 775 خلال الشهر نفسه من العام الماضي، أغلبهم سوريون وفلسطينيون مقيمون في سوريا. بسبب الظروف القاسية التي تعيشها البلاد، وجراء إغلاق الحدود أمام المهاجرين السوريين غير الشرعيين، ورفض بعض البلاد العربية استقبالهم وتأمين المأوى لهم، يظلّ الحلم الأوروبي الزائف، المستهتر بحياة المهاجرين، هو الأمل الوحيد.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي