الإضراب المفتوح عن الطعام، الروليت الروسية البطيئة الموت

الإضراب المفتوح عن الطعام، الروليت الروسية البطيئة الموت

يمتنع الطفل عن أكل الطعام ليعبّر عن غضبه تجاه والدته، وليلفت نظرها إلى مكسب يريد الحصول عليه. يكبر الطفل ليدخل عالماً قاسياً بقوانينه ومخالفاته وفساده، فتنمو معه ردة فعل الامتناع عن الطعام، بعزيمةٍ لا رجوع عنها أحياناً. تلك اللعبة المميتة يلجأ لها الكثيرون ممن يعتبرون أنفسهم مظلومين. يفرضون إضرابهم عن الطعام متحدّين القانون والدولة والحياة. إلى أي مدى تستطيع تلك الروليت الروسية البطيئة أن تكون وسيلة لاسترجاع الحق؟ وما واقعها في بلادنا اليوم؟

شهد “الربيع العربي” تكاثراً في حالات الإضراب عن الطعام، لا سيما بين السجناء لكونه وسيلتهم الوحيدة لفكّ قيودهم المؤلمة. نسمع يومياً بقضايا امتناع مجموعات أو أفراد في العالم العربي عن الطعام. منذ بضعة أيام، بدأ 52 لاجئاً  فلسطينياً سورياً، محتجزين داخل مركز شرطة في الإسكندرية، إضراباً عن الطعام للفت الانتباه إلى قضيتهم، من بينهم أطفالاً ونساء. هم مجموعة من الفلسطينيين الوافدين من سوريا، ترفض الحكومة المصرية إعطاءهم إقامة مؤقتة. زادت الأحداث في سوريا كذلك من استخدام هذا الأسلوب، الذي بات يلجأ إليه النشطاء السياسيين بين الحين والآخر للتذكير والضغط نحو إيجاد حل. في اليمن اليوم، أطلق الحراك الشمالي المناهض للرئيس الحالي عبدربه منصور هادي، حملة داعية إلى تطوع ألف مواطن للاعتصام مدة أسبوع أمام مقر الأمم المتحدة في بداية العام المقبل، ومن ثم تنفيذ إضراب عن الطعام إلى حين إلغاء أي إجراءات للتمديد للرئيس الحالي.

يكتسب هذا السلاح أهمية أكبر لكونه يثير الرأي العام العالمي، لذا يصبح وسيلةً لافتعال ردات الفعل لدى المجتمع الدولي. زينب الخواجة، أو Angry Arabiya، ناشطة حقوقية بحرينية مناهضة للسلطة في البحرين، تحولت إلى رمز تداولته وسائل الإعلام العالمية لكونها أضربت عن الطعام 10 أيام في شهر أبريل 2011 مطالبة بالإفراج عن والدها عبد الهادي الخواجة، أحد أبرز وجوه المعارضة البحرينية، وزوجها وافي الماجد. ترى زينب أن تلك الخطوة تخرجها عن صمتها، وهي مستعدة للموت من أجل إخراج عائلتها من السجن. عادت زينب الخواجة لتضرب عن الطعام مجدداً في مارس من العام الحالي بعد أن تم توقيفها وزجّها في السجن دون السماح لها بالزيارات.

الاضراب عن الطعام - زينب الخواجة

جذور هذا السلاح السلمي

لممارسة الإضراب المفتوح عن الطعام تاريخ طويل، بدأ في العصور القديمة مع أشخاص على عاتقهم ديون كثيرة مستحقّة يعجزون عن تسديدها، فيهرعون إلى عتبة الدائن، عازمين على الجوع حتى الموت لكسب المزيد من الوقت لتسديد ديونهم، وإذا تركهم ذلك الأخير يموتون، يقع العار عليه. كان هذا الإضراب شكلاً من أشكال الاحتجاج السلبي الذي يضرّ بالنفس، ويدفع الطرف الآخر إلى المعاناة. أمرٌ ضروري لا بدّ من اعتماده لإظهار الآخر على حقيقته أو معاقبته، لكون ممارس الإضراب حتى الموت الشخصَ البريء، بينما يصبح الشخص المستهدف به هو القاتل في نظر المجتمع. ولكن توسّع مصطلح الاضراب عن الطعام ليطال معانٍ سياسية أوسع. كان من أبرز الذين كرّسوا بعده السياسي غاندي، الذي لجأ عدة مرات إلى الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ظلم الاحتلال البريطاني. أفقد غاندي الحكومة البريطانية صوابها، فهي رفضت أن يموت وهو في عهدتها، خوفاً من أن تتأثر سمعتها بهذا الحدث. مثله بهجت سنغ Bhagat Singh، الذي أضرب 116 يوماً عن الطعام في 1929، فخضعت الحكومة البريطانية لمطالبه. أي سلطة في العالم، يمكن أن تكون ضحية سلاح الإضراب. من خلال الإضراب ضدّ الحكومة، يضع الفرد حياته رهينة لاستحقاق مطالبه، وإذا سمحت له الحكومة بالموت، تكون بذلك غير إنسانية وغير مبالية بحياة مواطنيها. ما بين العام 1972 و1982 حصل على الأقل 200 إضراب عن الطعام في 52 دولة، 23 من المضربين عن الطعام لقوا حتفهم في سبيل تحقيق مطالبهم، لكن دون تذوّق طعمها.

الفلسطينيون، الشعب الأول في الإضراب عن الطعام

كما لكل شعبٍ من شعوب الأرض صفة تميزه عن غيره، يمكن ربط فلسطين اليوم بقدرة مواطنيها على الإضراب. أصبح الإضراب طريقتها في أن تكون رائدة. سامر العيساوي، 23 عاماً، حقّق في شهر أبريل الماضي أطول إضراب عن الطعام في التاريخ، 277  يوماً من الجوع والهلاك الجسدي مقابل إطلاق سراحٍ مبكر. كانت إسرائيل قد أدانت العيساوي بعد أن قام بإطلاق النار على حافلة إسرائيلية عام  2002، وأفرجت عنه في العام 2011 مع أكثر من 1000 فلسطيني آخر، لتعود وتعتقله العام الماضي لكونه انتهك شروط الإفراج عنه بالعبور من القدس الشرقية إلى الضفة الغربية. حكمت عليه بالسجن حتى عام 2029، ولكنّ المعادلة تغيّرت. العيساوي سيخرج من السجن في بداية العام القادم ليقيم في منزله في القدس، بعد مثابرة عازمة لنيل الحرية، ومخاوف إسرائيلية من اندلاع اضطرابات عارمة.

الاضراب عن الطعام - سجين فلسطيني

قام الفلسطينيون كذلك في فبراير 2012 بأضخم إضراب جماعي عن الطعام نفذه1600 أسير في السجون الإسرائيلية، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين إدارياً، وبحق الزيارات العائلية للسجناء من غزة، وإنهاء تمديد الحجز الإنفرادي. بعد قلق المنظمات الدولية على حالة المضربين ووساطة بعض البلدان العربية، أنهى السجناء إضرابهم عن الطعام في 14 مايو، محقّقين قسماً من مطالبهم، ونالوا لقب المقاومين السلميين المجاهدين.

جرّاء عزيمة وقوة المضربين الفلسطينيين عن الطعام، والتجربة التي خاضتها إسرائيل مع ثورات المجاعة المقصودة، طرحت تلك الأخيرة قانوناً يجبر الأسرى المضربين على تناول الطعام، فلا تضطرّ حكومتها لتغيير أي قرار حازم في سياستها وتخضع لأيّ "رزالة" فلسطينية. منظمات عدة ناشدت برفض تشريع هذا القانون الذي يتعارض مع الاتفاقيات الدولية ومبادئ الأخلاقيات الطبية. قانون التغذية القسرية ذلك، الذي حاولت واشنطن تطبيقه في سجن غوانتنامو في مارس الماضي، رغم كون هذه الخطوة تتعارض مع القانون الدولي، سبق أن خطف حياة 3 أسرى في أواخر القرن الماضي، راسم حلاوة وعلي الجعفري وعبد القادر أبو الفحم. تجربتهم تحديداً زادت الأسرى الفلسطينيين إصراراً على خوض تجربة إضرابهم للآخر.

الإضراب عن الطعام: انتحار؟

في أول ثلاثة أيام من الإضراب عن الطعام، يقوم الجسم باستخدام الطاقة المستمدة من الجلوكوز، ثم بعدها يبدأ الكبد بمعالجة الدهون في الجسم. يدخل الجسد حالة الجوع بعد 3 أسابيع عن الإمتناع، فينقض على العضلات والأجهزة الحيوية في الجسم للحصول على الطاقة. يبدأ حينها الجسم بفقدان أعضاء حيوية كالنخاع العظمي، مايهدد حياة الإنسان ويعرضه لاحتمال الموت. إنّه انتحار بطيء. ولكن رغم كثرة الكتابات والأقوال الدينية التي تعتبره محرماً، لكونه عملية انتحارية لا يحقّ للإنسان القيام بها، تتكاثر هذه الممارسة اليوم في مجتمعاتٍ شديدة التعلق بالشرع الإلهي، وكأنها الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام اليأس. يأسٌ يخلق صراعاً داخلياً بين الدين والموت، عندما تكون الوسيلة الوحيدة المتبقّية للحياة، هي الاحتكاك بالموت.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي