هل تؤثر القنوات الرياضية العربية بنا أم تجبرنا على مشاهدتها؟

هل تؤثر القنوات الرياضية العربية بنا أم تجبرنا على مشاهدتها؟

قد يكون الإنسان حراً  في جميع اختياراته وتصرفاته، إلا أن عوامل كثيرة تؤثر على توجيهه نحو أشياء قد لا تكون ضمن اهتماماته، أو ربما تقوم بتحويله من محب إلى كاره أو من شغوف إلى غير مبال. لقد احتلت وسائل الإعلام المرئية مرتبة الصدارة في قائمة العوامل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان، وأصبح لها دور أساسي لدى المشاهد العربي المتعطش لما هو جديد، في ظل العولمة التي أحاطته بملايين الخيارات، دون أن يتمكن من تحديد أفضلها، ما دفعه إلى إشباع نهمه بوسائل التواصل الإجتماعي.

كونه الأسهل في التعاطي، والأكثر قرباً للحقيقة البعيدة عن التورية والتغليف، بنى الإعلام الرياضي المرئي صورة نمطية لا تشبه أقرانها في بقية المفاصل الإعلامية (السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية)، فاستطاع من خلال سيطرة عدة أقطاب على كل الأحداث أن يوجه بوصلة المتابع إلى سياق محدد، دون أن يترك له مجال الاختيار أو التمييز والانتقاد على أقل تقدير.

مع سيطرة شبكة قنوات الجزيرة الرياضية على مجمل النتاج الرياضي العربي والعالمي الذي يستطيع المتابع العربي الوصول إليه، أصبح موضوع دراسة دور وسائل الإعلام الرياضية المحلية أمراً هامشياً، كونها لم تعد تتعدى نقل المنافسات المحلية، الأمر الذي ينحصر تأثير التعاطي معه بالبلد المعني فقط. ولأن الفضائيات الكبرى لم تعد تترك مجالاً لوسائل الإعلام المحلية، فإن الأخيرة فضلت الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع، محاولة المراوحة في مكانها.

لم يظهر تأثير وسائل الإعلام الرياضية المرئية على المتابع العربي إلا بعد الانفتاح التكنولوجي الكبير الذي رافقه سهولة إيصال المحتوى الإعلامي إلى المتلقي. لقد كان المشاهد العربي محكوماً بما يبثه اتحاد إذاعات الدول العربية حول أي بطولة عالمية، وهي الجهة التي كانت تستقدم كوكبة من الإعلاميين العرب لتغطية الحدث الرياضي بالتشارك.

مع تطور النظم الرياضية الاقتصادية، ونشوء ما عرف بالمحتوى مدفوع الأجر، أصبحت القنوات المشفرة المصدر الوحيد للحدث الرياضي في العالم عموماً وفي الوطن العربي خصوصاً. وفي محاولة توسيع عملية توجيه المشاهد العربي سواء برغبته أو بدونها، فإن كرة القدم تفرض نفسها بحكم العادة.

قد نشاهد 4 شبكات إعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، تنقل مباراة ريال مدريد Real Madrid وبرشلونة Barcelona، أو مباراة بايرن ميونخ Bayern Munich وبروسيا دورتموند Borussia Dortmund، لكن هذه التعددية غابت في الوطن العربي بعد اندثار المحتوى المجاني الذي سبق له أن جعل القنوات العربية تتنافس فيما بينها على تقديم الأسلوب الأكثر جذباً للمتابع.

مباراة الدوري الإنكليزي التي كان المشاهد العربي يتابعها على عدد من القنوات الأرضية والفضائية العربية، وبمعلقين ومحللين ومقدمين مختلفين، أصبحت اليوم حكراً على شبكة معينة بحد ذاتها، والكلام هنا على سبيل المثال لا الحصر. نتيجة لذلك فإن المشاهد أصبح مرتبطاً بما تقدمه هذه القناة سواء سره ذلك أم لا.

تأثير الإعلام الرياضي العربي على المشاهد لم يقتصر على احتكار المحتوى فحسب، بل تعداه إلى التأثير بحجم جماهيرية هذا الفريق أو ذاك، بعد أن دخل الاقتصاد العربي عن طريق كبار أسمائه في الاستثمار الرياضي عن طريق شراء الأندية الأوروبية والترويج لها. تسبب شراء الشيخ منصور بن زايد لنادي مانشستر سيتي Manchester City بزيادة الضخ الإعلامي لمباريات النادي وفعالياته، وهو الأمر الذي بدا واضحاً من خلال التغطية التي يحظى بها الفريق من قبل قنوات أبو ظبي الرياضية الناقل الحصري للدوري الإنكليزي في الوطن العربي (سابقاً).

انقسم المشاهد وفق هذا التوجه إلى نوعين، تحول الأول إلى متابع، ومن ثم تطور لمشجع لهذا الفريق نتيجة الضخ الإعلامي المكثف الذي غيب توجهه الرئيسي. والثاني هو المتابع الذي استهجن تغييب فريق أو آخر على حساب الترويج للنادي نتيجة لسياسة مفروضة ومرتبطة بأجندات تسويقية أو رياضية، إلا أن هذا المتابع مجبر على المتابعة بسبب عدم وجود البديل الذي يراعي اهتماماته.

الأمثلة التي يمكن طرحها في هذا الصدد كثيرة، ولعل أهمها شراء قطر لباريس سان جيرمان Paris Saint-Germain، ورعايتها لبرشلونة، وهي أمثلة توصلنا إلى نتيجة واحدة تؤكد يوماً بعد يوم أن الإعلام الرياضي المرئي مهما وصل في احترافيته، إلا أنه يبقى محكوماً بالعقلية التجارية التي تضع الربح على رأس قائمة الأهداف، حتى إن كان ذلك على حساب المتلقي، الذي سيُفرض عليه ما يشاهد، فإما أن يعدل عن رأيه ويجاري ما يشاهد، أو أن يظل مجبراً على المشاهدة أملاً بالحصول على المعلومة المبتغاة في وقت ما.

كعادتهم، يسبق الأوروبيون الجميع في تطلعاتهم، وعطفاً على تحليلنا حول توجيه المتابع أو تقييده، فإن الفيفا FIFA والاتحاد الأوربي UEFA  خسرا معركتهما القضائيةضد كل من بلجيكا وبريطانيا بسبب إصرار الدولتين على منع بث نهائيات كأس العالم على قنوات مشفرة. الأموال التي قد تخسرها شركات التسويق جراء هكذا قرار تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات، وعلى ما يبدو فإن هذه الدول لا تلقي للأموال بالاً أمام الثقة الممنوحة لها من قبل شعوبها "المرفهة"... رياضياً أيضاً!

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي