حوار الإسلام والشيطان

حوار الإسلام والشيطان

في رسالته إلى الحجاج الإيرانيين، قال السيد علي خامنئي إنه "لا يجوز الغفلة عن وجود العدو الحاقد أو نسيانه، والمراسم المتعددة لرمي الجمرات في الحج هي علامة رمزية على هذا الاستحضار الذهني الدائم لعدم الغفلة عن العدو". لم يترك خامنئي كلامه غامضاً فاستطرد: "لا يجوز الوقوع في خطأ تحديد العدو الأساسي الذي هو اليوم نفس جبهة الاستكبار العالمي والشبكة الصهيونية المجرمة".

غيّرت القطيعة الإيرانية مع "النجّادية" والعودة إلى شيء من "الخاتمية" في السياسة الخارجية المشهدَ السياسي في الشرق الأوسط. راح البعض يتحدث عن تغيير جذري في العلاقات الإيرانية الأميركية قبل أن تسفر الانعطافة الجديدة عن أيّة مفاعيل عملية. لم يدرك هذا البعض الفارق الشاسع بين الاستعداد للحوار وبين نتائج الحوار. وهذا يعود إلى فهم بدويّ لعالم السياسة.

كلام السيد خامنئي إلى الحجاج الإيرانيين يسير بعكس خطاب الانفتاح الإيراني على الولايات المتحدة الأميركية بعد انتخاب الشيخ حسن روحاني رئيساً للجمهورية. يمتلك هذا التصريح قيمة مضافة تفرضها طبيعة المناسبة والانطلاق من شعيرة دينية (إلقاء الجمرات) لربط الديني بالدنيوي (المماهاة بين الشيطان والاستكبار). فهل تراجعت إيران عن سياستها الجديدة؟ كلا. الحديث عن التناقض سببه أن الخطاب الذي تمت صياغته عن الانفتاح الايراني هو خطاب تبسيطي لا يأخذ كل الأمور في الحسبان.

منذ أولى الإشارات التي برزت حول تعديل روحاني السياسة الخارجية الإيرانية من خلال التخلي عن خطاب التحدّي لصالح الحوار مع العالم، كان كلام مرشد الثورة الإيرانية، الحاكم الفعلي لإيران، واضحاً. بارك الانعطافة السياسية ولكنّه أشار في الوقت عينه إلى أن "المصارع الفني يبدي الليونة أحياناً لسبب فني، إلا أنه لا ينسى من هو خصمه وما هو هدفه الأساس". تم منح روحاني الصلاحيات الكاملة لإدارة مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت عينه تم تذكير الحرس الثوري بضرورة إبقائه عيونه مفتوحة على "التيارات الانحرافية".

الحديث الجاري عن التقارب الإيراني الأميركي هو حديث يكتفي بمراقبة ليونة المتصارعين ويغفل حقيقة أن كل مباراة مصارعة لا بد وأن تنتهي إلى نتيجة واضحة. هذا لا يعني أن الأفق مسدود أمام توصل القوة العالمية والقوة الإقليمية إلى التفاهم على ترتيبات معيّنة، ولكنه يعني أن إنتاج التقارب الحاصل لمجموعة تفاهمات ليس حتمياً. التقارب فتح باب الممكن، لا باب اللزوم.

في المشهد الدولي، هناك مجموعة معطيات تدفع إلى تطوير العلاقة الإيرانية الأميركية. الحكومة البريطانية تسعى إلى إعادة شركة بريتيش بتروليوم British Petroleum إلى سوق الغاز الإيراني. وفي رسالة وجهتها 35 شخصية أميركية إلى الرئيس باراك أوباما لتأييد انفتاحه على إيران، ظهر أن عائلة روكفلر Rockefeller، مالكة شركة "ستاندارد أويل" Standard Oil، ومجموعة "سيتي غروب" CitiGroup المصرفية و"المجلس الوطني للتجارة الأميركية" ترغب في فتح السوق الإيرانية أمام أعمالها. يبدو أن إيران تقرأ جيداً هذه المؤشرات وتسعى إلى الاستفادة من هذه اللوبيات المؤثرة. لذلك، تسعى إلى توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية عالمية (من بينها "شل" Shell البريطانية و"توتال" Total الفرنسية) تشترط فيها استمرار عمل الشركات في الحقول الإيرانية، بغض النظر عن مستقبل العقوبات التي يمكن أن تفرض على إيران، وأن لا تحصل الشركات على نسبتها من الأرباح إلا حين يتم بيع النفط. إذا ما نجح هذا المسعى الإيراني، ستضمن إيران دفاع لوبيات ضخمة عن رفع العقوبات عنها.

الخلاف الأساسي بين إيران والعالم سببه البرنامج النووي الإيراني. الثقة غائبة بين الطرفين ويصعب على إيران تقديم الضمانات اللازمة لسلمية برنامجها النووي. ففي ذهن المجتمع الدولي، ستكون الضمانات مرتبطة بإيقاف البرنامج النووي عند حدّ تقني معيّن. يصعب على الإيرانيين تسويق هكذا تنازل أمام الداخل، حتى لو توافرت النيّة. الرئيس روحاني نفسه اعتبر أن "اتقان إدارة دورة الوقود النووي وتوليد الطاقة النووية يتعلق بهوية الإيرانيين كأمة، وبمسعانا إلى الكرامة والاحترام وبمكانتنا المترتبة على ذلك في العالم"، وأكد أن حكومته لن تتخلى أبداً عن "حقوقها المطلقة" في المجال النووي. سيكون من الصعب تحريك مواقف الطرفين إلى وسط مرضٍ لكليهما. فبعد أشهر من اللقاءات والتصريحات، لم يتوقع وزير الخارجية محمد جواد ظريف، في حديث أدلى به إلى تلفزيون "فرانس 24"، أكثر من التوصل إلى اتفاق إطاري بشأن الملف النووي.

يفرض الداخل الإيراني على حكومة روحاني "خطوطاً حمراء" لا يمكن تجاوزها. ربما يصطدم أحمر إيران بأحمر المجتمع الدولي. بعد عقود من غياب الثقة لا يمكن الركون إلى النيّات وإلى ضمانات من قبيل تكرار الإيرانيين أن هناك فتوى تحرّم امتلاك إيران للسلاح النووي. فالفتاوى يمكن أن تتبدّل بحسب الظروف وأميركا لا تستطيع المغامرة بتأثيرها في الشرق الأوسط وهو يرتبط، بشكل كبير، باستجابتها لهواجس حلفائها كإسرائيل والمملكة العربية السعودية.

ما يحدّ من ليونة الإيرانيين خلال أيّة محادثات ستعقد هو وجود تيار داخلي كبير يقاوم الانفتاح على الولايات المتحدة الأميركية. "سيبقى شعار الموت لأميركا شعار أمة إيران المقاومة"، قال رجل الدين المحافظ أحمد خاتمي، مذكراً بوصف الإمام الخميني أميركا بـ"الشيطان الأكبر". برأيه هذا الشعار هو "سر مقاومة الشعب الإيراني".

ليس من السهل على إيران التراجع عن الشعارات التي تصف أميركا بـ"الشيطان الأكبر". فهذه الشعارات هي جزء من شرعية نظام الثورة الإسلامية. يكفي استذكارقراءة الإمام خامنئي للأحداث الأخيرة في مصر لفهم العلاقة بين العداء لأميركا وشرعية الثورة الإسلامية. برأيه، "لو رفع شعار محاربة إسرائيل في مصر، ولم يتم الإصغاء إلى الوعود الأميركية"، لما كان انتهى حكم الإخوان المسلمين إلى ما انتهى إليه.

مؤخراً اعتبر السيد خامنئي أن اكتشاف الإيرانيين حقيقة أن السفارات الأميركية هي أوكار تجسس، عام 1979، أتى قبل إدراك الأوروبيين هذه الحقيقة بثلاثة عقود، في إشارة منه إلى السجال الراهن حول تجسس الأميركيين على حلفائهم. "شبابنا متقدمون بأكثر من ثلاثين عاماً على تقويم تاريخ العالم"، قال. في الخطاب نفسه، وصف خامنئي الولايات المتحدة بـ"الحكومة الاستكبارية" وأكد أن "محاباة المستكبر" لا تعود بأيّة فائدة على الدول والشعوب، و"أن التجربة أثبتت أن أي شعب وحكومة وثقت بأميركا ستتضرر حتى لو كانت من أصدقائها". يصعب الفصل في هدف خامنئي من خطاباته. هل هو لترويض محافظي الداخل، أم هو استمرار في النهج القديم؟ على الأرجح هو مزيج من الإثنين.

الأكيد أن في الداخل الإيراني من يقاوم الانفتاح. منذ أيام، ظهرت لافتات إعلانية في شوارع طهران تنتقد أميركا وتدعو إلى عدم الثقة بها. نشرت حملة بعنوان "صداقة أميركا" صوراً لطاولة مفاوضات يظهر فيها الإيراني حاملاً حقيبة ديبلوماسية، بينما يظهر الأميركي بمظهر المخادع: إما على صورة كلب شرس في وضعية الهجوم، أو مرتدياً بزة رسمية من فوق وبنطالاً عسكرياً من تحت. بعد نشر هذه اللافتات بقليل تمت إزالتها. ولكن الرسالة وصلت. وهي ليست الرسالة الأولى. قبلها رشق محافظون الرئيس روحاني بالأحذية في مطار طهران حين عودته من نيويورك. وبعدها، نظمتمسيرات ضخمة، بمناسبة الذكرى الـ34 لاقتحام السفارة الأميركية في طهران، ردد خلالها المتظاهرون شعارات "الموت لأمريكا" و"الموت لاسرائيل" و"الإيراني يموت ولا يساوم"، وداسوا على صور لأوباما وعلى أعلام أميركية وإسرائيلية.

علاقة ايران بامريكا - إيرانيون يحملون شعار فلتسقط أمريكا

صلابة مقاومة الداخل الإيراني للانفتاح على أميركا تظهر من خلال سعي البعض إلى إدخال الإمام الخميني نفسه في السجال الحالي كما فعل رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، حين قال إن الإمام الخميني أراد إلغاء شعار "الموت لأمريكا"!

مقاومة التقارب لا تنحصر في بعض الداخل الإيراني، بل لها أنصار في الداخل الأميركي أيضاً. في تموز الماضي، فرض مجلس النواب الأميركي، بأغلبية ساحقة، عقوبات شديدة على إيران. بعدها، نزلت اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ عند طلب الرئيس باراك أوباما، ووافقت على تأجيل هذه العقوبات إلى ما بعد انتهاء مفاوضات جنيف. ومؤخراً، أرسل عشرة من أعضاء مجلس الشيوخ (ستة ديمقراطيين وأربعة جمهوريين) رسالة إلى أوباما اشترطوا فيها تقديم إيران ضمانات ملموسة لإبطاء برنامجها النووي لكي يمتنعوا عن فرض عقوبات جديدة.

في الخلاصة، يخطئ كثيراً الخطاب الذي يتحدث عن حتمية تطور علاقة إيران بأميركا. فالتقارب خاضع لعوامل عدّة يصعب إدراك كيفية تفاعلها. الأكيد هو أن شكل هذه "المصارعة" تغيّر. لم يعد المتصارعان يسعيان إلى الفوز بالضربة القاضية وقررا الفوز بالنقاط. وهنا ينبغي دراسة كل نقطة على حِدة، فالملفات الخلافية لا تقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل تتسع لتطال نفوذ إيران في أماكن عدّة في الشرق الأوسط.

التعليقات

المقال التالي