الضحك، عدو الدكتاتورية

الضحك، عدو الدكتاتورية

لم تتسامح أي دكتاتورية مع حس الفكاهة يوماً. اقرأوا التاريخ وستكتشفون ذلك". تنطبق هذه الحقيقة، التي وردت عرضياً في مسرحية "مَن يخاف فرجينيا وولف"، على عالمنا العربي. قد يدفعنا إيقاف برنامج باسم يوسف الساخر على قناة السي بي سي، بعد حلقة واحدة فقط من موسمه الجديد إلى الإستهجان، ولكن لم يعد من مجالٍ للاستغراب. الخوف من الضحك هي صفة ترافق كل السلطات العربية دون استثناء.

باسم يوسف، استاذ الضحك الذي هلّل له الكثيرون خلال حكم الأخوان، والذي لا شك قد أضحك السيسي، وعدلي منصور، ومدير محطة السي بي سي مراراً وتكراراً، يتحول في ليلة واحدة إلى “بعبع” الضحك. السخرية سلاح نحمله ضدّ الآخر، ولكن لا نوجهّه إلى أنفسنا، منطق لم تتردّد السلطات المصريّة في تبنّيه، وأسرع بكثير مما كنا لنتوقّعهه.

إذا ما استندنا إلى رأي هنري برغسون Henri Bergson، إنّ الضحك هو فعل اجتماعي، فيه تواطؤ ضمني بين مجموعة كبيرة من الناس. أن نسخر من شيء ما، إذاً، يعني أن نمارس حرية فكرية تبيح لنفسها معاكسة السائد من جهة، وأن نثير، من جهة أخرى، ضحك الآخرين، وندخلهم دائرتنا بسهولة كبرى. هاتان الميزتان، اللتان يولدهما الضحك، كفيلتان بإرعاب أي صاحب سلطة.

يرى منظّرون كثيرون للضحك، أن الفضاء الأفضل لاكتشاف التأثير المحرّر للسخرية هو في الفلك السياسي. فالشخص الذي يملك حساً فكاهياً لا يمكن السيطرة عليه بشكلٍ كامل أبداً. إن ما تتيحه السخرية من حرية في التفكير، يجعل الفنانين الفكاهيين أشخاصاً غير مرغوب بهم في ظل الأنظمة السياسية الصارمة. الدكتاتورية تتطلب طاعةً عمياء، إما قائمة على مبدأ التبجيل، أو على الخوف، وهذان العنصران لا يتوافقان إطلاقاً مع روح الفكاهة.

تناولت كتب وبرامج عدة مسألة الفكاهة في ظل أنظمة صارمة أو دكتاتورية. ألمانيا الهتلرية، والاتحاد السوفياتي خلال حكم ستالين، حظيا بالاهتمام الأكبر. حاول الاتحاد السوفياتي، قدر الإمكان، السيطرة على الضحك، وقد سخّره في خدمة مآربه السياسية بأساليب عدة، أبرزها إطلاقه المجلة الساخرة Krokodil التي كانت أهدافها تقتصر على فضح مَن كانوا يعتبرون أعداء الدولة من جهة، وعلى السخرية الدائمة من الثقافة "البورجوازية" الغربية "المهترئة" من جهة أخرى. في دراسة حول الفكاهة في عهد ستالين، يرى Iain Lachlan أنّ النكات السوفياتية كانت، بشكل أساسي، نتاج ضحايا الستالينية، الذين "تعلقوا بعالم الفكاهة وكأنه المؤسسة الوحيدة التي يستطيعون اعتبارها ملكهم". هكذا، تحوّل أسلوب الفكاهة إلى ظاهرة جماعية، نمت في الإطار الخاص، وصارت النكات والتعليقات الساخرة تتناقل من شخص الى آخر في طوابير الانتظار، في الحانات والمقاهي، وبين الأصدقاء في مقرات العمل. شكلت النكات الملجأ الأخير للمتمردين لأنها كانت عصية على إجراءات الشرطة، نظراً لأنه يصعب معرفة صاحبها الأساسي واعتقاله. فهي تنتقل من شخصٍ لآخر بسرعة، وتحفظ في الأذهان بسهولة.

هتلر، من جهته، عرف تماماً خطر السخرية على الرايخ الثالث، فأسس محاكم خاصة لمعاقبة مطلقي النكات. أشخاصٌ كثيرون أعدموا لإطلاقهم نكاتاً اعتبرت "انهزامية"، أو لسخريتهم من النظام. لكن هتلر، في الوقت نفسه، استخدم الضحك والسخرية كأدوات لتحقيق الانتصار على "الأعداء"، كما فعل مع اليهود في مخيمات الاعتقال.

في العالم العربي، ليس باسم يوسف المثال الأوحد على صنّاع الضحك السياسي الذين تخشاهم السلطة. لطالما وقفت الرقابة بالمرصاد للأعمال الفنية الساخرة. شوشو، المسرحي اللبناني المشهور، لم يسلم من الرقابة في السبعينيات، وقد سيق أكثر من مرة إلى التحقيق بسبب تعليقاته الهزلية وانتقاده الأوضاع السياسية والمعيشية في لبنان. ما تزال جملته "بدي صباط يكون صائب (في إشارة الى رئيس الوزراء، حينها، صائب سلام) على إجري، وكعبو فرنجية (يقصد رئيس الجمهورية سليمان فرنجية)، وشريطو كامل (رئيس مجلس النواب كامل الأسعد)" عالقة في الأذهان.

الكوميدي الشعبي اليمني، فهد القرني، اعتقل عدة مرات، وسُجن لمدة سنة ونصف (2008) في زمن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بسبب مسرحياته الناقدة لفساد السلطة. هادي المهدي، وهو مذيع عراقي فكاهي وفنان مسرحي، اغتيل في العام 2011 بعد تلقيه تهديدات من مجهولين. المهدي، الذي كان سبق له أن اعتقل من قبل السلطات العراقية، كان من أبرز المشاركين في الدعوى للتظاهر لمطالبة الحكومة بإصلاحات سياسية.

عادل إمام، الفنان المصري الغني عن التعريف، وجد من يحاكمه بعذ الثورة بتهمة ازدراء الأديان، في أفلام صالت وجالت في الدول العربية طويلاً. عندما صعد "الإخوان المسلمون" إلى السلطة، كان من البديهي أن يحاولوا وضع حدٍّ لمن ينتقدهم بسلاح يخيفهم، هو الضحك. الأمر الذي لم يتردّد من تسلموا السلطة من بعدهم، في ممارسته.

لطفي عبدلي، أيضاً، وهو كوميدي تونسي، كان قد استدعي للاستجواب في مطلع العام 2013 بتهمة "القدح والذم"، لانتقاده أداء الحكومة خلال حلقة تلفزيونية، بكلمات اعتبرت "شوارعية": "احنا عطيناكم إصبعنا (البصمة في الانتخابات) وانتو عطيتونا إصبع آخر".

كل هذه الحالات، وغيرها، تحمل وجهاً واحداً: خوف السلطة من الضحك. هي تدرك تأثير الضحك على الجمهور الذي ترغب بضبطه. تدركه أكثر، لضعفها هي في مواجهته، ولكونه يفضحها ويعرّيها. لطالما كانت السياسة، ورجالها، مادة الكوميديين المفضلة. إنها الحال في كل الديمقراطيات في العالم اليوم. والأمثلة على ذلك لا تحصى، بدأً بـJohn Stewart، وصولاً إلى Andy Borowitz. يتفنّن هؤلاء في انتقاد سلطاتهم، متمتعين بحصانة حريّة التعبير. حصانة، لا يمكن لمَن هو في وضع حرج، وضعيف، أن يعطيها. إن ردود فعل أي سلطة اليوم في العالم العربي على الكوميديا، ليست سوى اعتراف بالخوف، وإقرار بأن كل ما يقال بحقها حقيقي. إقرار بأن المبادئ الديمقراطية، التي يتغنّى بعضهم بها، لا تزال بعيدة المنال.

كلمات مفتاحية
السخرية

التعليقات

المقال التالي