تجريد السلاطين من السلطة

تجريد السلاطين من السلطة

أول ما قد تلاحظه هو الفراء الزائفة والجواهر البلاستيكية؛ أو ميني ماوس المستلقية على حافة الإطار، نائمة؛ أو الصواريخ المنهمرة أمام سماء وردية، الغبار البراق، المصاصات، والريش. بالتأكيد، لن يكون موضوع المعرض نفسه - السلاطين - أول ما ستلتقطه عيناك. المعرض للفنان التونسي مراد سالم (المقيم في باريس) تحت عنوان “السلاطين ليسوا سلاطين”، ويأتي ضمن فعاليات مهرجان النور الذي يقام في لندن ويستمر حتى نهاية شهر نوفمبر.

التفاصيل الرخيصة والتافهة -"الكيتش"- التي يرتديها السلاطين هي ما نراه قبل أي شيء آخر. تفاصيل تبعد انتباهنا عن الشخصيات الجليلة التي أمامنا، محوّلة إياها إلى ما قد يعنيه التبجيل، ما يعنيه الحكم، والسلطة. في الواقع، تحاول هذه اللوحات تجريد السلاطين، من السلطة. كان رسم سلاطين الماضي يأتي غالباً لصالحهم. اللوحات التي تعود إلى مرحلة الحكم العثماني، الذي استمر على امتداد ست قرون، وتمكن من أجزاء كبيرة من أوروبا والشرق الأدنى، تصوّر السلاطين عموماً بأجسام ممتلئة وأيدٍ ناعمة، بشخصيات جادة، مستلقين على وسائد تحيط بهم أقمشة فاخرة وفراء مبهرة. أحياناً، قد نجدهم يتنشقون الزهور. تصور هذه اللوحات الترف أكثر مما تصور البراعة العسكرية. ولكن تزامنت ذروة فن رسم الأشخاص في الحقبة العثمانية مع ذروة  نفوذ السيطرة العثمانية، لذا قد تكون رغبة عرض الجمال وإبرازه قد غلبت رغبة إبراز السلطة.

ولكن الزمن تغير. كان للربيع العربي والاضطرابات السياسية في السنوات الأخيرة تأثير كبير على حرية التعبير، وعلى ما يمكن قوله أو لا عن دكتاتوريات العصر. ما كان في وقت ما مستتراً أصبح علنياً اليوم، والنقد صار جزءاً لا يتجزأ من اللعبة. يعكس عرض الفنان مراد سالم - بجذوره العثمانية، التونسية والتركية - عبر انتقاده الدكتاتورية مستخدماً أسلوباً شرقياً في التصوير، تزيّفه تفاصيل عديدة تبدو في غير محلها، مثل ديزني، العنف، الكيتش، والصناعات اليدوية، ثقافة بصريّة جديدة متمرّدة، مستوحاة من عالمٍ يتجه نحو العولمة. يبدو الزعماء في هذا المعرض مشوّهين، عاجزين، وطفوليّين. رصيف 22 سأل الفنان مراد سلام حول معرضه هذا.

رصيف 22: لوحاتك مؤخراً تقوم بتقليد وتحريف أسلوب تصوير كان شعبياً خلال حكم السلطنة العثمانية في القرنين الخامس والسادس عشر. ماذا تحاول أن تقول؟

مراد سالم: في الامبراطورية العثمانية، كان البورتريه ترجمة للثروة، الأخلاق، والإسراف في سلطة السلطان، التي كانت في كثير من الأحيان استبدادية. من جهة، يستطيع ذلك أن يدفعنا للحلم. استخدمتُ هذه الكليشيهات البصرية لكي أترجم بطريقة ساخرة المعضلة ما بين صورة جميلة وجذابة، وبين ثقل السلطة. اخترت هذا الأسلوب في التصوير عن قصد. ليس خياراً ساذجاً إطلاقاً. أردت أن ألقي الضوء على صراع السلطة، الثروة والبذخ، في مقابل رفض بعض الحالات الاجتماعية التي ولدت الثورات العربية اليوم وثورات أخرى في الماضي، مثل الثورتين الفرنسية والروسية. استخدمت المعاني المزدوجة لأسلط الضوء على إخفاقات بعض القوى. لحسن الحظ، لقد فهمت بعض البلدان كيفية حماية كرامة وسعادة الشعب.

رصيف 22: اللوحات في هذه السلسلة مرحة. شكل السلاطين ثابت جداً، ولا يبدو أن أحدهم ممثل بشكل خاص في اللوحات، لكنك استخدمت الريش، التزيين، الأحجار الكريمة وشخصيات ديزني. ما الذي تضيفه هذه الأشياء؟ لماذا ديزني؟

مراد سالم: الأشياء التي أضيفها إلى لوحاتي تهدف إلى إدخال بعض عناصر الكيتش إلى مشهد تغلب عليه لياقة مثقلة نوعاً ما. هي موجودة لتضيء على العناصر المبالغ فيها، على ذلك “الترف” الزائد عن حده. عناصر الـ "بلينغ بلينغ" هذه هنا لجعل المشاهد يشعر بعدم الارتياح. كولاج المجوهرات، والماسات الزائفة، والغبار البراق، والريش والفراء هي اعتذار عن عالم مبالغٍ فيه وسطحي. يأتي هذا العالم متناقضاً مع صورة السلطان الذي يعتبر رمز السلطة والاحترام. في بعض اللوحات، تأتي شخصيات ديزني بمثابة تذكير بالطفولة. هذه الأوقات المباركة تضع مسافة بيننا وبين الواقع الذي نواجهه.

معرض الفنان مراد سلام .. تجريد السلاطين من السلطة - صورة 2

رصيف 22: كفنان تونسي يعيش في باريس، ما هو تأثير موقع المعرض على عملك؟ هل سيتلقّى الجمهور معرضك هذا بشكل مختلف في باريس أو تونس؟

مراد سالم: أنا فنان تونسي وفنان عربي. يتأثر أسلوبي بأصولي، ولكن أرجو أن يميل أسلوبي إلى العالمية ويتحدث بلغة يفهمها الجميع. فنّي عربي، ولكن رسائلي عالميّة. أما في ما يتعلق بباريس، فهي مدينة جيدة قررت أن أسكن فيها لبضع سنوات. ليست سوى محطة في رحلتي، وأظن أن لديها تأثيراً بالكاد يذكر على عملي.

معرض الفنان مراد سلام .. تجريد السلاطين من السلطة - صورة 3

رصيف 22: كيف ترى مستقبل تونس؟

مراد سالم: عايشت تونس أزمات عدة في تاريخها الطويل والغني، وبعد كل أزمة كانت تأتي فترات إيجابية جداً ومرضية. لذلك يمضي التاريخ قدماً، وكذلك حياتنا. مهمتي كفنان هي أن أكون شاهداً على تطور تونس والعالم العربي، كما جميع البلدان الشقيقة. في الوقت نفسه، لا بد أن أبقى عيني منفتحتين على العالم بأسره.

من الواضح جداً أن ذلك ما يفعله مراد سالم، وبنجاح. زيف السلطة وفسادها من إحدى المواضيع التي سيظل المشاهد يتماهى فيها، أكان ينظر إلى صورة رجل من القرن السادس عشر يجلس على وسادة، أو إلى رئيس دولة يرتدى تاجاً. قد تختلف المجوهرات ربما، ولكن تبقى السلطة سلطة. المشاهد غالباً ما يحترم كل ما يلمع.

التعليقات

المقال التالي