الموت يهدد 22000 طفل عامل سنوياً

الموت يهدد 22000 طفل عامل سنوياً

طفل كولومبي يقضي نهاراً بأكمله تحت الأرض بـ 100 متر، في بيئة يصعب فيها التنفس لقاء 15$ بالأسبوع؛ 11 ساعة معدل عمل الأطفال في الزراعات في تنزيانيا؛ أولاد تايلانديون يقضون 15 ساعة متواصلة متربعين على الأرض يقشرون حبات القريدس؛ ولد ماليزي مرغم على العمل 17 ساعة يومياً في زراعة الكاوتشوك وهو معرّض للسعات الثعابين؛ طفل هندي يعمل يومياً في مصنع زجاج، معدم التهوية، محاطاً بأفران تذكّر بالجحيم؛ يتيم سوري يعمل في مجال الكلاشينكوف ويطلق النار على المارة؛ طفل فلسطيني يعمل بعيداً عن عائلته المحاصرة؛ طفل صومالي يعمل 12 ساعة في النهار مقابل 3$ أو يكون خياره الثاني التجنيد المسلّح…

في المادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل نقرأ “تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيرا أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضارا بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي”. مع ذلك، وفق آخر دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية، يعمل 168 مليون طفل في كافة أنحاء العالم، ما يشكل حوالي 11% من عدد الأطفال في كوكبنا. 85 مليون طفل، أي نصف عدد الأولاد العاملين، يمارسون أعمالاً خطرة تعرّض مباشرةً صحة أجسادهم الرقيقة وسلامة نموهم وحالتهم المعنوية إلى الأذية، في ظروف تخالف اتفاقية حقوق الأطفال. خلال الأعوام الـ 13 الأخيرة، أي منذ بدء الألفية الثانية، أظهرت الدراسات انخفاضاً كبيراً في عمالة الأطفال، إذ انخفض عددهم بنسبة 1/3 منذ العام 2000. تحسنٌ كان ملحوظاً لدى الفتيات، مع نسبة انخفاض وصلت إلى 40%، بينما حقق الفتيان انخفاضاً بنسبة 25% فقط. هذا التحسن حققته البلدان الأكثر تطوراً، بينما الأكثر فقراً بالكاد مسّها التفاؤل. لا بد من التطرق هنا إلى استغلال الأطفال في النزاعات، وبالأخص في بلادنا العربية، إذ يقدر عدد الأطفال المشاركين في نزاعات حول العالم بـ 250000 طفل، يُستخدمون إما كمقاتلين أو كسعاة وجواسيس وحمالين وطباخين، في حين تجبر الفتيات بصفة خاصة على تقديم خدمات جنسية. حوالي 400000 طفل يجري تهريبهم عبر الحدود الدولية سنوياً. لنلقي نظرة قريبة على الحدود العربية، لنفهم أكثر واقع استغلال الأطفال الاقتصادي المرير فيها.

حوالي 12 مليون طفل عربي منخرطون في سوق العمل اليوم. عدد مخيف ومخجل، يتعلق أساساً بتحديد العمر القانوني للعمل في الدول العربية، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة الأخرى، منها الأزمات الراهنة والأوضاع الاقتصادية الصعبة وتكاثر البطالة وغياب نظام الضمان والتأمين الاجتماعي، والعوامل السياسية، والعوامل الديموغرافية المتعلقة بالكثافة السكانية المتزايدة، لا سيما في الأسر الفقيرة، مما يؤثر على علاقة الوالدين بأبنائهم.

صدر منذ أيام معدودة تقرير عن مؤسسة Maplecroft المتخصصة بتقدير المخاطر المصاحبة للأعمال حول العالم، يفضح 3 دول عربية ضمن الدول العشر الأكثر سوءاً لجهة عمالة الأطفال في مهن خطيرة وصعبة. وهذه الدول هي الصومال والسودان واليمن. 10.33% من الأطفال يعملون في العراق، 5.12% في سوريا، 23.30% في اليمن. بينما أرقام أخرى تسلط الضوء على فضائح تقوم بها شعوبنا بحق أطفال بالكاد عمرهم 5 أعوام، من الإرغام على العمل إلى استغلالهم جنسياً وبيعهم عبر الحدود العربية. لنتصفّح الوقائع في بعض أخطر بلدان العالم على عمالة الأطفال.

اليمن

900  طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عاماً تم تهريبهم بطرق غير قانونية نحو الأراضي السعودية العام الماضي. أطفال يُتاجر بهم برضى  ذويهم، وذلك لكون الكثير من الأسر اليمنية تؤمن بأن على الأطفال العمل، لا سيما في مهنة التسوّل. وفق منظمة العمل الدولية، فإن اليمن يواجه تحديات في تنامي ظاهرة عمالة الأطفال وخاصة في المناطق الحدودية، حيث وصل إجمالي عدد الأطفال العاملين إلى 1.6 مليون طفل تتراوح أعمارهم ما بين 5 و17 عاماً. عمالة الأطفال الحادة في اليمن يغذيها بشكل أساسيالزواج المبكر، إذ يجد الأطفال أنفسهم مسؤولين عن أسرة بكاملها، بما فيها الآباء، فيلجؤون للعمل لتأمين لقمة العيش، ذلك بالإضافة إلى العادات الاجتماعية التي تدفع بفتيات صغيرات جداً إلى العمل في الحقول الزراعية الخاصة بالأسرة. 80.5% من العمال الأطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عام، 96.5% منهم  ذكور، في سوق عمل يضيق مقارنة بحجم السكان، ولكنه واسع في عمالة الأطفال. 50% من الأولاد الذين لا يقصدون المدارس يقومون بحمل مواد غذائية ثقيلة للمستهلك المتجول داخل الأسواق، في حين أن 10% منهم يقومون بأعمال نجارة، 15% يعملون في مهنٍ خطرة مثل ورش الحديد وأعمال البناء، في حين أن  25% من عمالة الأطفال الأصغر سناً في السوق تنتشر في مجال حمل الأثقال، مهن خطرة قد تصيب الطفل بكسور ورضوض نتيجة لحملهم أثقالاً تفوق طاقتهم، مثل أكياس الإسمنت والدقيق والحبوب، بينما 45% منهم إناث يلحقن أسرهن بالعمل الزراعي في سن مبكرة. 15000 طفل موزعون في الشوارع لبيع الصحف وتوزيع الماء وبيع الخضراوات وتنظيف السيارات. الأمر الأخطر، والذي يدفع بالأطفال إلى الهلاك، هو كون 40% من الأطفال العاملين في اليمن يعملون بمعدل يتراوح بين 11 و17  ساعة يومياً، بينما يمنع قانون العمل اليمني تشغيل الأطفال لأكثر من 4 ساعات متواصلة وفي مهن محددة، ولكن من يحاسب؟

السودان

أطفال يهجرون قاعات الدراسة بحثاً عن الذهب، في ظروف عمل قاسية وخطيرة صحياً، في مناطق تعدين الذهب في السودان، بالأخص في نهر النيل، الولاية التي ترأست قائمة "عمالة الأطفال". هناك، يتعرضون لمخاطر الزئبق أثناء عملية فصل الذهب، المعروف بأنه يضر بصحة الإنسان. في بلاد استعمرتها دول أجنبية بهدف وضع اليد على ثرواتها الذهبية، تكون مسألة عمالة الأطفال المتزايدة، كالعادة في حالات مشابهة، ثانوية بكل بساطة. أما في الشوارع فيتوافد الأولاد لمسح الأحذية، ويمرون بين السيارات عند التقاطعات محملين بالبضائع الثقيلة، معرضين حياتهم للخطر. بعضهم يمشطون الأسواق حاملين قوارير الماء والعصير الثقيلة تحت أشعة الشمس. أشارت الدراسات الأخيرة الصادرة عن المجلس القومي لرعاية الطفولة إلى أن نسبة الأطفال الذين أكملوا الدراسة الابتدائية في ولاية الخرطوم بلغت 72% فقط، 34% من الذين تركوها عجزوا عن تسديد مصاريفها، فلجأوا إلى الشوارع للعمل رغماً عنهم.

الصومال

وفق تقريرٍ قدّم إلى مجلس الأمن منذ بضعة أشهر، شهد العام 2012 حالات انتهاكات كثيرة ضد الأطفال في الصومال، وصلت إلى 4660 حالة، 2051 منها تتمحور حول تجنيد الأطفال. 2008 صبياً و43 فتاة، تم انتشالهم من عائلاتهم ومدارسهم وطفولتهم. حركة الشباب هي المستخدم الرئيسي لهؤلاء الأطفال، وسجّلت 1789 حالة تجنيد لأطفال، تليها القوات المسلحة الوطنية الصومالية مع 179 حالة، 51 منها انتقتها حركة أهل السنة والجماعة، ميليشيا متحالفة مع الحكومة.  إحدى الفتيات المجندات قامت بشهر أبريل من العام 2012 بتنفيذ هجوم انتحاري استهدف المسرح الوطني الصومالي. أمرٌ قاسٍ يؤكد على تجريد هذه المنظمات والميليشيات هؤلاء الأطفال من براءتهم.

أما فيما يتعلق بعمالة الأولاد في الشوارع، فمعظمهم يعملون أكثر من 12 ساعة متواصلة لكسب 3 دولارات آخر النهار. عمالة قاسية قد ازدادت مؤخراً مع ارتفاع عدد النازحين ومشكلة الجفاف التي تمر بها المنطقة. يركز القانون في الصومال على معاقبة الأطفال الذين يخرقون القانون، ولا يعطي اهتماماً إلى الجرائم التي ترتكب بحقهم. جهل جماعي يسيء مرة أخرى إلى الطفولة. برامج عدة وضعت من قبل منظمات عالمية لتوليد الدخل لصالح عدد من العائلات الفقيرة، وهي مبادرة تتيح بعض التفاؤل، غير أنها بالكاد ستغيّر من نسبة انتشار الاستغلال الأطفال في الأراضي الصومالية.

سوريا

جماعات مسلحة عدة في سوريا تستخدم أطفالاً في القتال، وفي أغراض عسكرية أخرى. بالكاد يبلغون 14 عاماً، ينقلون الأسلحة والإمدادات، يقومون بأعمال مراقبة، ومنهم من يحمل السلاح! تضع منظمة Human Rights Watch المسؤولية مباشرة على قادة البلاد والمنظمات العسكرية الذين يقبلون باستخدام أطفال للقتال، حتى لو على أساس تطوعي. أطفال لا يعرف معظمهم لا الكتابة ولا القراءة، يتلقّون التدريب العسكري ويشاركون بمهمات قتالية هجومية، ويموتون أو يصابون إصابات بليغة خلال المعارك. عمليات إطلاق نار على نقاط التفتيش، التقاط الرهائن، تجريد المسلحين من أسلحتهم، كلها على يد فتيان مرغمين على أن يتشبهوا بمدربيهم. بموجب نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن استخدام القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة لمجندين تحت سن 15 عاماً أو استخدام الأطفال في صفوفهم "للمشاركة الصريحة في أعمال القتال" تعد جريمة حرب. أيتام الوالدين وأيتام الهوية وأيتام الطفولة، كحالة تلك الطفلة البالغة من العمر 13 سنة، التي فقدت عائلتها وبيتها في المواجهات بريف دمشق، ورفضت مغادرة حيّها، مصرة بعزيمة على مساعدة المسلحين في المنطقة. ماذا عندما تكبر يوماً؟

فلسطين

48.2%  من السكان الفلسطيين هم من الأطفال، معظمهم يربون في عائلات فقيرة جداً هلكها الحصار والنزاعات اليومية، ما أدّى إلى التحاق نسبة 4.1% تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة بسوق العمل، 5.8% في الضفة الغربية و1.5% في قطاع غزة. 6%  من إجمالي الأطفال، بين 5- 14 سنة، لا يملك أحدهم خيار اللجوء إلى التعليم المدرسي، من مجموع يصل إلى 102 ألف طفل فلسطيني مصيرهم العمل. ظاهرة تشغيل الأطفال تتوسع باستمرار في المجتمع الفلسطيني، في أعمال لا تناسب الأطفال جسدياً ونفسياً، 99.1%من هؤلاء لا يحصلون على عقد مكتوب من صاحب العمل. حوالي 19.4% من الأطفال مصابون بفقر الدم، بسبب عوامل عدة تضرّ بصحة المرأة والطفل في فلسطين. رغم القانون الذي يمنع تشغيل الأطفال أكثر من 6 ساعات عمل يومياً، أبرزت النتائج أن 57.2% يتخطون هذه المدة، بدون أن يحصلوا حتى على أجر مناسب للطاقة التي يبذلونها. المخيمات الفلسطينية الموزّعة في بلدان الجوار تعكس كذلك الواقع الفلسطيني، فعلى سبيل المثال، 40% من الأطفال الفلسطينيين الموزعين في المخيمات على الأراضي اللبنانية هم عمّال صغار.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي