في الحالات العجيبة لصبري

في الحالات العجيبة لصبري

صبري متوفر بكل الأعمار. مراهق، شاب، عشريني، ثلاثيني، أربعيني، خمسيني، متزوج أو منفصل أو عاشق. متوفر بكل الأعمار والحالات الاجتماعية، ومن المهم القول إنه متوفر بكل الأحجام أيضاً، وللأمانة قد يكون ذكراً وقد يكون أنثى، ولكن ولأسباب موضوعية هو ذكر في الغالب، وما يميزه بشكل خاص أنه من الفئات الكادحة، أو تلك التي تملك قوت يومها لأسبوع قادم، ليس أكثر من ذلك. هو ابن الكدح ويُنسب له عادة.

غالباً يسكن صبري في أحياء متواضعة، شعبية، بسيطة، ويعمل عند أحدهم، وأحدهم لا تعني في الغالب الأعم الحكومة ولا الأحزاب. ربما يعمل صبري في مصلحته الخاصة، وهي بالكاد محلّ تجاري متواضع يملؤه خمسة زبائن. في الغالب الأعم أيضاً، يكون صبري أجيراً عند صاحب حرفة أو تاجر، وكثيراً ما يكون صبري بائعاً متجولاً، وبحكم ظروف العمل فصبري ابن شارع فذّ؛ يقضي فيه جلّ وقته، ويعرك الناس والحياة على مدار الساعة.

وبما أن وقت فراغ صبري طويل عريض، فهو يبدده بالتواصل المستمر وبوتيرة عالية مع محيطه، وفي الغالب هو يعرف، بل من العار أن لا يعرف، بدءاً بعناوين أماكن وأشخاص يسأله عنها العابرون، وصولاً للأسباب الخفيّة وراء الخلاف المتصاعد بين أية دولتين في العالم، فهو دائم الحركة في محيطه، ودائم الاطلاع والمتابعة لما يقع خارج محيطه. للأمانة فصبري رجل تفاصيل يدرك وقعها على السامع وفعاليتها في تحقيق الأثر المطلوب من إيرادها في أي سجال، ويدرك أن هذه التفاصيل تصبح سلاحاً ناجعاً إن احتوت أرقاماً ونسباً. لذلك لا يتورع عن إيراد أية نسبة مئوية يؤلفها لتدعيم سجالاته العديدة والتي تكون في الغالب مع بسطاء غير مطلعين. صبري يربح دائماً، حتى لو لم يقرّ الطرف المقابل بالهزيمة، صبري يقرر من ربح في النهاية، ومن نافل القول إن صبري رجل كلام بالدرجة الأولى، ويدعّم حصيلته اللغوية كل يوم بكلمة جديدة تظل تدور في فمه حتى يلفظها في أقرب سجال، ويشعر بنشوة ما بعدها نشوة حين يفعل. لكل ذلك هو محبوب، بل ووجهة الصحفيين/ات الباحثين/ات عن صوت "الناس" ورأيهم في أية قضية. صبري جاهز دائماً للرد على الأسئلة وبأسلوب وأداء يؤكدان أنه من "الناس" بل ومن البسطاء منهم، وفي الوقت نفسه يفوق من حوله مقدرة على فهم ما يجري، والحديث بشأنه مستعيناً بحصيلته اليومية من المعلومات والأخبار. للأمانة فإن صبري يبغض المثقفين أيما بغض، بل ويرى فيهم منافسين له، ومنبع تفوقهم أدوات لم يتمكن من اكتسابها ولا سبيل لديه لاكتسابها، ولا يمل من المجاهرة بعدائه التاريخي لهم، ويدعّمه مراراً باتهام نافذ أثير مفاده أن "الناس" لا تفهم ما يقولون.

download

من أين يأتي صبري بالأخبار؟ من الناس العاديين، وهم ألوف مؤلفة يلتقيهم كل يوم خلال العمل، أو بعده أو خلال سعيه في الأنحاء الكثيرة، وهو مصغٍ بارع وجامع معلومات مثابر كأنه يذهب في المساء ليصرفها ذهباً أو نقوداً. الراديو هو أول وسائل الإعلام التي في متناوله. يمكن القول إن الراديو هو الموسيقى التصويرية التي تنبعث في خلفية حياة صبري كلّها، وإذاعاته المحببة هي تلك الفضائيات التي تبث عبر أثير الراديو، فهذه - وهي منتشرة مؤخراً - تجمع الخير كله، والعلاقة المميزة مع الراديو هي بنت ظروف الحياة والعمل. قد يطالع صبري الصحف، ولكن فقط تلك التي تصله مجاناً، وبالكاد يقرأ عناوين الصفحة الأولى وطرافات الأخيرة، ولا تتزعزع ثقته بنفسه قيد أنملة، حين يقول في أي سجال: "قرأت في الجريدة كذا وكذا"، وبحكم ظروف العمل الطويل في الشارع والأسواق، لا يتابع صبري التلفاز إلا في حالات قليلة؛ كأن يشتري واحداً صغيراً يرافقه في عمله أو يراقب الشاشات التي تملأ الأسواق، ولكن عدم متابعته التلفاز لا يعني أنه لا يعرف ما يعرض فيه. هو يعرف وإن لم يتابع. أما السياسة فهي ملح حياة صبري بعد سنين طويلة حُرم منها.

عانى صبري طويلاً من حرمان مؤلم، حرمان الرغبة في إبداء الرأي في قضية ساخنة تخصه وتخص الجميع، ودفعه الخوف من الحرمان والشهوة إلى حالين عجيبين؛ فطوال سنيّ الحرمان كان يفرّغ رغبته في الحديث بالسياسة في المجالات الأخرى التي لا يكلّفه الحديث فيها شيئاً، مثل الرياضة؛ كانت مجال تنفيس عظيم، يفتي ويهرف ويخرّف ويدافع ويعادي ويشتم ويساجل، ويحفظ حتى أسماء لاعبي الدرجة الثالثة، ومن يراقبه عن قرب يدرك أنه يفرّغ شيئاً ما معتملاً في داخله لا صلة له بالرياضة، وينسحب الأمر على اهتمامات أخرى مزيّفة، مثل الطب والفلك والفن والأساطير والزراعة. ببساطة كان صبري يغرق في كل شيء حوله حتى يشغل نفسه عن حرمانه الأهم، حرمانه من الحديث في السياسة. حتى زوجته وأصدقاؤه المقربون لم يكن يفرّغ شهوته للحديث في السياسة معهم وهو يأمن جانبهم، فقد كان مقتنعاً تماماً أن الحديث في السياسية لا يكون في الخفاء. لقد أراد الجهر به على رؤوس الأشهاد أياً كانوا، أراد أن يطلق كل المفردات والعبارات والتحليلات التي راكمها في ذهنه وعقله وظل يرددها في سره كي لا ينساها، وحين أصبح الأمر ممكناً تحوّل إلى حاله العجيبة الثانية.

عقدة نقص عمرها سنوات طويلة انحلّت اليوم، وبدأ صبري يقتصّ من حرمانه من السياسة، يلاحق الصحفيين ليدلي برأيه، يجمع كل الأعلام والرايات والملصقات، بل ويحرم نفسه من حاجيات كثيرة لقاء شراء قماشة أو قطعة كرتون يكتب عليها شعارات مناسبة للتظاهرة القادمة، يصبغ وجهه ويكتب على قميصه الوحيد النظيف، يختلط بالجموع ويفتح أي حوار ممكن، يقول كل شيء عن صنّاع القرار، ويقسم أنه وأمثاله سيغدون صنّاعه. يحتقر كل صحفي يعرض عنه أو كاميرا لا تضعه في عين عدستها، ويتابع كل ما يقال في الإعلام والصحافة، ويحاول أن يختصر كل الكلام بطريقته اللافتة البليغة. ينفق ليله كله في تأليف الشعارات والهتافات والمفاضلة بينها، ويتخذ شكلاً وهيأة أقرب إلى قادة الحشود والتظاهرات، ويقف وقفة الخبير المحنّك وهو يسمع خطاباً سياسياً ويسارع إلى تفنيده ونقده، ويحاول التعرّف على الجميع في الشوارع والميادين، ويحادث أناساً ما كان له في ما مضى أن يقترب منهم أو يتحدث معهم، ويحرص على أن يعرفوه ويدركوا حجم انهماكه في ما يجري.

مما لا شك فيه أن اليومَ الأهم في حياة صبري يومُ التظاهرة الكبرى التي كانت تخترق الفضاء كله، فيما القبضات تهدد كل شيء والحناجر تتقطّع من غيظها. كان صبري يومها قد وصل ليله بنهاره متأهباً مستيقظاً يعدّ شعاراته. كانت يداه ترتجفان، وفمه أنشف من لوح الصبار في الصحراء، واستحال بياض عينيه حمرة ناقمة، ويتفصّد العرق اللاهب من كل مسام جسده. يومها، حين كان في منتصف الحشد يصرخ بشعاراته التي حفظها عن ظهر قلب وحرص على جرسها الموسيقي؛ شعر بشيء ما مباغت يدخل بين رجليه من الخلف. ارتعش وخاف ولم يتمكن من النظر لأسفل ليدرك ما جرى؛ وبدأ ذلك الشيء بدفعه للأعلى فارتفعت قدماه عن الأرض وبات معلقاً، وما هي إلا ثانية أو أقل فإذا بصبري يرتفع فوق الحشد وتصبح الآلاف المؤلفة دونه، وهو ينظر من أعلى ليرى حوله غابات من الرؤوس والأجساد الحارة.

download (1)

احتاج لدقائق حتى أدرك حقيقة ما جرى. رفعه أحد المتظاهرين على كتفيه، بات على الأكتاف ليهتف ويصل صوته إلى أبعد مدى، امتلك كل شيء حينها، كل شيء، انتصر على حرمانه الطويل ونظر خلفه ليرى كل المثقفين في المؤخرة ويحقق نصره الثمين. تمعّن في الشمس البعيدة وأخذ يهتف ويصيح ويصيح كأنه في طقس النجاة الأخير. كان يصرخ بما يفوق طاقة حنجرته العطشى دون أن يعبأ، كان كل تكرار من الحشود لهتافه يرفعه إلى أعلى، إلى دنيا لم يعرفها ورغبات لم يمسّها قبل. كان يضحك ويصيح، لم يكن يشعر بالوقت ولا يدري كم قضى على تلك الحال، كل ما يذكره أنه انطلق يضحك ويضحك ويصرخ بكل ما في داخله بعيداً عن الشعارات التي كتبها وحفظها. كان يصرخ وحده فرحاً تكسوه الغبطة، كان يخاطب صارخاً شيئاً ما فوق الحشود، ينظر إلى الأعلى ويصرخ ويهذي، ولا يدرك بعدها كيف نزل عن الأكتاف ولا كيف أمضى بقية يومه، ولا إلى أين وصلت الحشود والتظاهرات، ولا عدد القتلى الذين سقطوا في مساء ذاك اليوم.

قيل إن صبري منح زوجته أفضل مضاجعة في حياتها تلك الليلة، واشترى لبناته وأولاده هدايا بكل ما يملك من مال، وقيل إنه ذهب لمقابلة أهل حبيبته بعد التظاهرة، وقيل إنه لطم رب عمله وخرج ضاحكاً، وقيل إنه قدم خدمات محله الصغير مجاناً لكل الزبائن، وقيل إنه ثمل أو تصدّق بكل ما يملك شكراً لله، وقيل الكثير، إلا أن المؤكد هو أن صبري عاد بعد أيام إلى الميدان منتشياً، وشارك في كل التظاهرات المتوفرة، يهتف مع هؤلاء اليوم ويصرخ لصالح خصومهم غداً، يحمل المصابين ويُلطَّخ بدمهم، ويقبّل رأس رجال الأمن بعد يومين وينحاز لمظاهرة داعميهم، يطالب بالإصلاح تارة ويطالب بالإسقاط أخرى، يطالب بالانتخابات حيناً ويصرّ أحياناً أنها لن تغيّر شيئاً. يهتف للإسلام والعلمانية على السواء، ويرى الاشتراكية حلاً ويحلم بالسوق المفتوح. من المؤكد أيضاً أن الكثيرين ممن عرفوا صبري، قالوا إنه حاول مراراً أن يصعد على الأكتاف في التظاهرات، لكن دون جدوى. كان يبحث عند كل التيارات عن كتفين يحملانه ولم يجدهما، كان يريد استعادة لحظته الأثيرة ولم يفلح.

الثابت أن كلّ من عرفه يصرّ على حقيقة واحدة: إذا لم تعرف أيّ صبري في حياتك، فلن تفلح في فهم المرحلة.

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 12.10.2013

التعليقات

المقال التالي