ذكريات المونديال

ذكريات المونديال

كنا صغاراً في حيّنا صلاح الدين بحلب عندما سمعنا باِسمَي البرازيليين بيليه Pelé وجورزينيو Jairzinho نجمَي كأس العالم عام 1970. فقد كان هناك شقيقان أفكحان في حارتنا تمّت تسميتهما بهذين الإسمين من باب التندر. أمّا كأس العالم 1974 فلا أتذكر منها سوى حفل الافتتاح الذي شاهدته على تلفزيوننا الأول الأبيض والأسود، وكانت وفود الفرق المشاركة تَخرجُ من كرات ضخمة موجودة في الملعب وهي تنفتح بالترتيب كرة كرة ليظهر الوفد المشارك داخلها ويحيي الجمهور.

أمّا كأس العالم 1978 فقد شاهدتُ مبارياته أثناء زيارتي الصيفية المعتادة إلى الدرباسية وعلى قناة التلفزيون التركي، التي تصل بوضوح إلى كل مدن الجزيرة السورية. وعندما عدتُ إلى حلب سمعتُ الناس تردد مقولة عدنان بوظو الشهيرة عن تونس: "تونس صرخة العرب في الأرجنتين". لكن البداية الحقيقية في التفاعل مع كأس العالم مباشرة كانت عام 1982 في بيتنا بسيف الدولة بعد انتقالنا إلى هناك، وكانت البلاد ما زالت تعيش حرباً يشنّها النظام على الشعب باسم مكافحة الإرهاب والإخوان المسلمين، كما كانت إسرائيل وقتذاك تشنّ حربها على الفلسطينيين في لبنان فيما سمّي بحصار بيروت.

كان زيكو هو النجم البرازيلي الذي تتداول اسمه ألسنة الناس في الشوارع والبيوت، وكان فريق البرازيل نجماً من نجوم الكرة الخالدة في ضمير كرة القدم العالمية. فهذا الفريق الذي خسر مباراة واحدة مع إيطاليا كلفته الخروج المبكر من الدور الثاني وكلفت الملايين من البشر دموعاً سخية كان تحفة من تحف كرة القدم، اجتمعت فيه كل الفنون الممكنة، من الرسم إلى المسرح مروراً بالرقص والموسيقى. كان فريقاً راقصاً يرسم الهجمات بخيال لا نظير له الآن سوى ما قدمه فريق برشلونة مع مدربه اللاعب الهولندي الشهير يوهان كرويف Johan Cruijff بداية التسعينات من القرن الماضي، ومع مدربه غوارديولا Guardiola الكتلاني قبل سنوات قليلة.

اجتمع السحر في فريق السامبا كما يسمونه، وكان مدربهم تيلي سانتانا Telê Santana يشرح فلسفته بأنها ترك اللاعبين على حريتهم وهم يستمتعون بلعب كرة القدم. كذلك أعطى اللعب الهجومي الأولوية، قال: ليس مهماً كم هدفاً يدخل مرمانا ما دمنا سنحرز أكثر منها. وفاز البرازيليون في الدور الأول على منتخب الاتحاد السوفياتي الذي لم يعد موجوداً شأنه شأن منتخبات يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية. كانت مباراة عصيبة أحرز السوفييات فيها هدفهم اليتيم لينطلق البرازيليون إلى محاصرتهم وشنّ الهجمات على مرماهم وسط دفاع مستميت من جميع لاعبيهم واستبسال يندر تكراره لحارس مرماهم الشهير داساييف Dasaev.

بدأ الشوط الثاني والبرازيليون لم يحرزوا هدف التعادل بعد. سمعنا رنين الجرس بشكل متكرر ولجوج، ففتحت أمّي الباب ليقتحم أبناء عمّتي بقيادة ابن عمّتي الدكتور بديع غرفة الجلوس لاهثين وهم يسألون عن النتيجة. انقطع التيّار الكهربائي في حيّهم ذي الغالبيّة الكردية (الأشرفية)، ولم يتموا السؤال والتساؤل. فقد كان هدف كابتن البرازيل سقراط قد سبق كل التساؤلات، هدف للبرازيل، ويصرخ المعلق البرازيلي الساحر (كَووووول كَووووول، برازيييييل برازيييييييل، سوكراتيس).

هجم ابن عمّتي على أقرب طفل من أقربائنا وعانقه رامياً إياه في الهواء تعبيراً عن الفرح الغامر، بينما الطفل يبكي من الخوف، وعمّتي شيرين ما زالت تتابع دخولها البطيء إلى البيت، فلقد استغلت الفرصة وجاءت مع المشجعين من أبنائها. أمّي تفرح لفرح الدكتور بديع الذي يمتلك المكانة الكبرى في بيتنا، لذلك وزّعت شراب البرتقال احتفالاً بالهدف، وجلسنا نتابع وقائع المباراة المنقولة بشكل حضاري على القمر الهندي الصناعي كما يقول عدنان بوظو عادة عن المباريات التي يسرقها التلفزيون السوري سرقة مبينة دائماً، لكن من سيهتم بدولة صغيرة لا يعرفها أحد، ونحن الذين كنا نظنّها من الدول الكبرى في اللعبة السياسية العالمية كما تقول نشرات الأخبار المحلية المملة البطيئة، تلك النشرات التي تبدأ بخبر بطيء عن حافظ الأسد يستغرق نصف ساعة وهو يستقبل شخصاً ما.

كم من المرّات تأخّر نقل المباريات بسبب نشرة الأخبار تلك، بل كم من المرّات كانت المباراة تتوقّف عندنا فقط في عزّ لهيبها كي يقدم التلفزيون نشرة الأخبار المملة البطيئة المقدسة، ويحرز إيدر Eder الهدف الثاني للبرازيل والذي لم يشاهده الحارس داساييف، كرة كالقذيفة بسرعة 175 كم في الساعة كما قال المحللون فيما بعد، وكما رددها المعلق الرياضي الأشهر في تاريخ سوريا وجيه شويكي الذي كان يخطئ في كل جملة يتفوّه بها كبصمة من بصماته الفردية المميزة.

فازت البرازيل، وعمّت الأفراح في بيتنا، وتابعت البرازيل الفوز في مبارياتها المتبقية على اسكتلندا بأربعة أهداف مقابل هدف، وعلى نيوزيلندا بأربعة أهداف مقابل لا شيء، وفي الدور الثاني فازت على الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدف في مباراة طُردَ فيها مارادونا بسبب اعتدائه على البرازيلي باتيستا بطريقة الرفس في البطن، إلى أن جاءت المباراة القاتلة مع الطليان، وكان فريقهم قد تأهل بشق الأنفس دونما أي فوز، بل بسبب ثلاثة تعادلات في الدور الأول، ولم ينقل التلفزيون السوري المباراة لأن الحكم إسرائيلي يا رعاك الله.

هرعتُ إلى بيت جيراننا أبو عمر لأن تلفزيونهم يلتقط القنوات التركية، وشاهدت المباراة أنا وابنهم زكور مجايلي ونحن نأكل ما تبرعت لنا به الحاجة أم عمر من محاشٍ لا تُنسى. المهم مالكم بالطويلة فلقد خسرت البرازيل بينما كان التعادل يكفيها، وانقلب المحشي في معدتي يا شباب إلى سمّ زعاف، وركضتُ مهرولاً إلى البيت قبل أن تنفجر عيناي لشدة ما جعلتُهما تغالبان البكاء أمام الجيران، ولكن دموعي تساقطت كنهر وأنا أهبط الدرج بالجملة، كل ثلاث درجات بقفزة، وقرعتُ جرس البيت، فتحت أختي الباب فدفعتها ودخلتُ إلى غرفتي مغلقاً خلفي الباب لأغرق في نهر من الدموع لم تشهد له حياتي مثيلاً في أي يوم من الأيام.

التعليقات

المقال التالي