الكشك ما بين خزينة النميمة وشاهد على الثورات

الكشك ما بين خزينة النميمة وشاهد على الثورات

تنمو الأكشاك في معظم المدن حول العالم، لكنها تبدو كتفصيل جانبي في مشهد المدينة على زاوية الشارع أو داخل محطات السفر. هامشية الكشك تنبع من كونه مكاناً عابراً، مدة الوقوف أمامه لا تتجاوز في معظم المدن العالمية الدقيقة أو الدقيقتين، لكن ليس هذا هو الحال في مصر. فالكشك بمثابة نقطة تجمع في الشوارع والأحياء المصرية، ولا يقتصر وجوده على المدن الكبيرة أو المتوسطة، بل يمتد ليشمل الطرق السريعة والقرى وحتى المناطق الجبلية في سيناء،  إذ يمكن لك أن تصادف كشكاً وسط طريق يخترق الصحراء.

ظهرت الأكشاك في مصر في الثلاثينيات، لكن منذ عهد عبد الناصر توسعت الدولة في منح تراخيص الأكشاك كوسيلة لتوفير شبكة من الضمان الاجتماعي والوظائف، حيث سهلت من إجراءات منح التراخيص للعائلات الفقيرة، أو التي فقدت عائلها، فغزت الأكشاش شوارع المدن المصرية وعلى رأسها القاهرة. الأكشاك في مصر، بالإضافة إلى كثافتها العددية، تمتلك خصوصية أخرى، فهي ليست مكاناً عابراً فقط تمر عليه لالتقاط بضائع خفيفة من تلك التي تباع فيها عادةً (سجائر، علكة، حلويات، مشروبات غازية.. إلخ) بل نقطة تجمع  لقطاعات اجتماعية متباينة تقضي وقتاً بجوار الكشك كمكان لتناول المشروبات والجلوس على الرصيف فيما يشبه مقهىً صغيراً منصوباً في فضاء الشارع.

download

في كل منطقة أو على ناصية شارع، هناك كشك يلتقي بجواره شباب المنطقة، أثناء تلك الوقفة يتم تناول الحلويات الخفيفة، وشرب المشروبات الغازية وتدخين السجائر. بينما يمكّنك شراء علبة سجائر كاملة من السوبر ماركت، يمكنك الكشك أن تشتري سيجارة واحدة، فيتيح لك الاستمتاع بملذات صغيرة، حتى لو كان ما تمتلكه قروشاً قليلة. أثناء الوقوف يشارك عابرون على الكشك في الأحاديث التي تبدأ في التفرع من السياسية لكرة القدم لأنواع السيارات. عدم وجود مساحة شخصية في وقفة الكشك يعطي الصلاحية للجميع للتعليق والمداخلة والملاحظة، ويخلق فضاء اجتماعياً ذا خصوصية في الشارع. صاحب الكشك أو العامل فيه شاهدٌ أيضاً على الحركة في الشارع والمنطقة، وما يراه في الصباح يخبر به زبائن المساء، وما يراه في المساء يخبر به زبائن الصباح، مما يجعل الكشك بؤرة للشائعات والنميمة عن ما يحدث في المنطقة. ربما لهذا اعتادت الشرطة تجنيد أصحاب الأكشاك للعمل معهم كمرشدين ومتعاونين، في مقابل حمايتهم من تعنت السلطة وتفتيش إدارة البلدية.

download (1)

الكشك بمساحته الضيقة والمغطى بألوان علب البضائع المختلفة، يبدو دائماً كبقعة لونية في فضاء الأسفلت الرمادي المميز للقاهرة. كل هذه القيم الجمالية والاجتماعية التي يحملها الكشك، كانت عوامل جذبت "جاسمين سليمان" إلى الكشك كفضاء خاص، حيث أطلقت "مشروع الكشك" كجهد بحثي تشاركي لتسجيل وتوثيق تاريخ الأكشاك. يسير مشروع التوثيق حتى الآن عبر صفحة على الفيسبوك لحين إطلاق الموقع الإلكتروني (قيد الانشاء). الجزء الأول، تقوم فيه جاسمين بتصوير الأكشاك الرئيسية في بعض المناطق الحيوية، والحديث مع أصحاب الكشك عن تاريخه، وملاحظة الزبائن الزائرين. أما الجزء الثاني للمشروع، فيتم من خلاله طرح أسئلة على الشبكات الاجتماعية حول تجارب الزبائن مع الأكشاك وأنواع البضائع التي يعتمدون أحياناً على الكشك في الحصول عليها.

download (2)

تنشأ مع الوقت شبكة علاقات بين صاحب الكشك وزبائنه، "أم محمد" صاحبة كشك في حي الزمالك بجوار نقطة الشرطة، تمتلك الكشك منذ حوالي 15 عاماً. بعدما توفي زوجها عرض الكثيرون عليها المساعدة، لكنها رفضت وطلبت كشكاً يمكنها من خلال دخله الإنفاق على أولادها. زبائن أم محمد يتنوعون بين جنود للأمن المركزي لا يمتلكون ثمن علبة السجائر فيشترونها بالواحدة، إلى زبائن من أغنياء الحي الراقي. الجميع يقدمون المساعدة لأم محمد بدءاً من عسكري الأمن المركزي الذي يقف في الكشك مكانها حينما تغيب، وصولاً إلى أهالي المنطقة الذين يتبرعون إليها أحياناً. لكن بينما يقع كشك أم محمد في منطقة هادئة، فأدهم القادم من سوهاج، يعمل في "كشك" في ميدان الفلكي، الذي يقع على بعد أمتار من مقر وزارة الداخلية ومن ميدان التحرير، وبالتالي فقد كان ولا يزال شاهداً على عشرات الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين. في مقابلة مع جاسمين يقول أدهم: "تعرض الكشك للتدمير أكثر من مرة، حينما يشتعل الموقف نأخذ المال ونترك كل شيء كما هو، وفي اليوم الثاني تختفي كل البضائع ولا نجد سوى آثار طلقات الرصاص". ربما بسبب شهادات أمثال أدهم، يحمل "مشروع توثيق الكشك" فرصة لتقديم رواية جديدة عن فضاء المدينة.

download (3)

أحمد ناجي

كاتب وصحفي مصري، يعمل في مجال الصحافة الثقافية منذ 2004. صدر له روايتان، روجرز (2007) واستخدام الحياة (2014).

التعليقات

المقال التالي