تونس والرقص في الساحات

تونس والرقص في الساحات

"شعب لا يرقص، شعب لا يثور"، تحت هذا العنوان يأتي الفيديو الجديد لمجموعة «سأرقص رغم كل شيء» التونسية. نزلت المجموعة مجدداً إلى الشارع، ترقص أمام أعين الجمهور المندهش، متابعة مشوارها الرامي إلى جعل الفن متاحاً للجميع، والشارع منبراً حراً للفنانين.

لطالما مثل الجسد محلّ نزاع في بنية العقل العربي بين محاولات لنفيه وأخرى للارتقاء به. بذلك يمكن للجسد أن يصبح وسيلة مقاومة، لا سيما عبر الرقص، بما يختزنه من مقدرة على تفجير المكبوت. في هذا السياق ولدت مبادرة "سأرقص رغم كل شيء" في تونس، متمردةً على تردّي وضع الحريات التدريجي بعد الثورة.  تقوم المبادرة على ممارسة الرقص الحر بين عامة الناس، في الشوارع والأحياء الشعبية. نرى شباباً وصبايا يرقصون في الشوارع، في الأسواق، أو في الساحات العامة، أمام أعين المارة المندهشين، ليقولوا "إن الشارع لا يزال ملكاً لنا". السبب المباشر؟ قرار وزارة الداخلية منع العروض العامة في شارع بورقيبة، بعد أن قامت مجموعة من المتشدّدين بالاعتداء على شباب يقدمون عرضاً مسرحياً في اليوم العالمي للمسرح في مارس 2012.

الفكرة تعود إلى الراقصين، بحري بن يحمد وشعيب البريكي، أصحاب جمعية Art solution (الحل بالفن)، اللذين شعرا بالحاجة للقطع مع فكرة الفن السائد في تونس، وتغيير وجهته المعتادة. لقد كان الفن وسيلة لتلميع صورة النظام في عهد الرئيس السابق، وهذه المبادرة تمثل ثورة عليها وعلى الممارسات الثقافية التي لا تتجاوب مع حاجات الشعب، ولا تمثله بالدرجة الأولى، كما أنها تمثل رفضاً للتوجه الجديد لثقافة ما بعد الثورة التي تُمارس عليها المراقبة والمعاقبة بحجة "المقدس". أراد أصحاب الجمعية إرساء مقومات ثقافة بديلة تقوم على الدفاع عن فن الشارع وحقوق الفنانين عامة في ممارسة إبداعاتهم في الأماكن العامة. بذلك تعكس هذه المبادرة إرادة لمقاومة الفكر الرجعي النابذ لثقافة الجسد، والذي يساهم في انحدار الساحة الثقافية التونسية بعد الثورة. ميزانية وزارة الثقافة، على سبيل المثال، باتت لا تمثل سوى 0.63% من الميزانية العامة للدولة، مما دعى عدداً من الفنانين إلى توظيف قدراتهم الثقافية لأجل حل أزمة الهوية الثقافية وتصحيح المسار الفني التونسي.

يعتبر بحري بن محمد أن الفكرة تعيد تركيز الفن وربطه بمنبعه الأصلي، "فالفن ينشأ من الشارع، إلى الشارع"، وما تحاول المبادرة القيام به هو مساعدة فئة مهمشة من الناس على "مواكبة فن نخبوي كان قد تجاهلهم" هو الرقص. لطالما كان الفنانون، برأيه، بعيدين عن مشاكل المواطنين الحقيقية، مفضلين الثقافة النخبوية بكل ما في ذلك من تعال. "سأرقص رغم كل شيء"، على العكس، هي مبادرة تمت دون أي تحضير، وبساطتها نابعة من الجسد، وتتوجه إلى الجسد الآخر، هادفة إلى إرساء فكرة تقبل الجسد الخاص والآخر المغاير. يرفض أصحاب المبادرة رفضاً قاطعاً الخضوع للقوانين السائدة، فإن كانت التظاهرات الثقافية اليوم في حاجة لترخيص وزاري، فإن راقصي المبادرة ثاروا ضد هذه الحواجز التقافية ورفضوا طلب ترخيص من وزارة الداخلية، نظراً لإيمانهن بأنها ليست إلا نوعاً آخر من أنواع الرقابة السياسية. شمل هذا التحدي قيامهم بعروض راقصة أمام وزارة الثقافة نفسها في شارع حبيب بورقيبة، وأمام مركز الشرطة في مقر الحكومة في القصبة.

اليوم، أصبح فن الرقص في تونس أداة لتحدي وضع متأزم، فإن كانت الثورة قد أنتجت فضاء للاختلافات، فهي مجرد اختلافات حزبية لم تؤدّ سوى إلى تشتت الساحة السياسية وانقسام الشعب التونسي بين مختلف التيارات الفكرية. هذه الفوضى السياسية تعكس فوضى فكرية أخلّت بتوازن الحريات وجعلتها مهدَدة إعلامياً وعقائدياً وفنياً. الكثير من المواهب الصاعدة والثائرة تشهد اليوم رقابة متشددة وإقصاء مخيفاً. لا بدّ أن يشكل الصراع اليومي مع القضايا المحلية مولداً للأفكار الخلاقة والفنون الشابة في ساحة ثقافية تحاول جاهداً أن تثور ضد المتحكمين بها. بذلك يساعد فن الشارع، عبر نشر الوعي بالواجب الجماعي، على النهوض بالفنون في تونس. ولكن يبقى السؤال قائماً: ما مدى نجاح هذه الفنون، والرقص نموذجاً، في تغيير مجتمع تتعمق فيه ثقافة التحريم والتجريم؟

التعليقات

المقال التالي