الهوية في ثورة المثقفين المصريين

الهوية في ثورة المثقفين المصريين

بعيداً عن اللقطات التذكارية للفنانين المصريين في ميدان التحرير أثناء الاحتفالات، أو "المظاهرات السلمية"، إنتاج وتسجيل الأغنيات الثورية، الحديث في البرامج التلفزيونية والصحف عن ذكرياتهم في الثورة، تبقى حادثة اقتحام فنانين لوزارة الثقافة في الخامس من يونيو الحدث الأبرز في الحياة الثقافية / السياسية المصرية، منذ انطلاق الثورة حتى اليوم. حادثة أعادت إبراز دور الفنانين المصريين خلال الثورة، لكن الأهم أنها طرحت موقفاً مستجداً تجاه مؤسسة وزارة الثقافة، وتجاه مصطلح عاد ليظهر في الحياة الثقافية: "الهوية المصرية".

في الخامس من يونيو شهدنا حدثاً سياسياً قد يمثل ويلخص الالتباس والمفارقة المرتبطين باللحظة الراهنة في الواقع السياسي المصري. الحدث هو اعتصام / اقتحام وزارة الثقافة من قبل مثقفين وفنانين وكتاب مصريين. أما السبب فكان ترؤس الوزارة من قبل علاء عبد العزيز، وزيراً من الإخوان المسلمين، والقرارات التي اتخذها، مما شكل بالنسبة للمعتصمين خطراً على "الهوية المصرية" الثقافية. نجح هذا الاعتصام على المستوى الشعبي في تحطيم الصورة الكلاسيكية للمثقف والفنان المتداولة في وسائل الإعلام. كما أن تقديم العديد من العروض الفنية في الشارع، أمام مقر وزارة الثقافة، أعاد تكريس علاقة الفن بالمجتمع والمساحة العامة، خاصة وأن عروض مماثلة كانت محدودة سابقاً بسبب صعوبة الحصول على تصريحات من المؤسسة الأمنية.

إلا أن المثير للاهتمام كان انضمام عدد من المثقفين، ممن كانوا دائماً ضد تلك المؤسسة الثقافية الحكومية وما يشوبها من فساد على مدى عقود طويلة، الى التحرك. ومنهم من رسم مواصفات وملامح "المثقف المستقل" في مخيلة العديد من الفنانين والمثقفين الشباب عبر مواقفهم المعادية باستمرار لتلك الوزارة، مثل الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم الذي كان قد رفض مثلاً جائزة الرواية العربية عام 2003 وأعلن عن ذلك خلال حفل توزيع الجائزة بحضور فاروق حسني (وزير الثقافة في عهد حسني مبارك).

أضفى انضمام هذا النوع من المثقفين للاعتصام، مثل صنع الله إبراهيم، وبهاء الطاهر، ومحمد هاشم، وسيد حجاب وغيرهم، الذين ارتبطت أسماؤهم بالاستقلالية ومعارضة المؤسسات الحكومية والأنظمة العربية الفاسدة، كثيراً من المصداقية على الموقف السياسي لهذه الحركة. غير أنه بلا شك أثار تساؤلات لدى آخرين، حتى ضمن المعارضين لسياسة الأخوان المسلمين. هذا الواقع دفع هؤلاء لإعادة التفكير ملياً في علاقة المثقف بالمؤسسات الحكومية، وخلخلة فكرة "المثقف المستقل" التي أرساها جيل الستينيات. إذ فجأة تحالف المثقفون مع من كان يهدد استقلاليتهم بالأمس. أظهر لنا هذا الاعتصام أيضاً بعداً جديداً لبعض المثقفين الفاسدين وهو البعد "الثوري"، إذ يكفي أن ينزل أي كان إلى ميادين الثورة ليتبخر تاريخه الأسود من الذاكرة الجماعية. بل أصبح من الجائز اليوم إنشاء تحالفات مع أعداء الأمس، بهدف الانتصار على عدو قد يكون وببساطة مفتعلاً ومصطنعاً، كعودة البعض في الاعتصام إلى استخدام شعار "الحفاظ على الهوية المصرية". ظهر استخدام  مصطلح "الهوية المصرية" في الحياة الثقافية مع بداية التسعينيات كفزاعة لإحباط محاولات التجريب في الفنون والثقافة، ثم خفتت حدة استخدامه خلال العقد الماضي نظراً للمنافسة وللصراع الدائرين بين المؤسسة الثقافية الرسمية والمؤسسات المستقلة. لكن في ظل الانهيار المؤسساتي الشامل في الحياة الثقافية، الرسمية والمستقلة، منذ ثلاث سنوات حتى اليوم، ومع وصول الإخوان المسلمين إلى وزارة الثقافة ثم رحيلهم، عاد ذاك المصطلح للظهور بقوة. خاصة مؤخراً في ظل إجماع جميع المثقفين على أن الإخوان المسلمين هم الخطر الأكبر الذي يهدد الممارسات الثقافية في مصر، وبذلك يهدد ما يطلق عليه "الهوية المصرية".

محمد سعد، صحافي في بوابة الأهرام ومشارك رئيسي في الاعتصام، يقول: عودة مصطلح "الحفاظ على الهوية المصرية" يذكرنا باستخدام النظام لفكرة العنف والإرهاب لتجهيز الحشود لقبول فكرة عودة أو استمرار الدولة الأمنية / البوليسية، وما يأتي معها من قوانين طوارئ تعسفية وقمعية. قد ينطبق هذا على وضع ومستقبل الممارسات الثقافية في مصر في ظل هذا الصراع.

ويظل السؤال المعلق، عن أية هوية مصرية نتحدث، وهناك ثورة عارمة تعصف بالدولة والمجتمع المصري. ثورة تحاول جاهدة إعادة تشكيل تلك الدولة وتجديد تلك الهوية، فهل فهم المثقفون المعنى الحقيقي لتلك الثورة المصرية؟

حالياً تقيم وزارة الثقافة مؤتمرات صحافية "عالمية" لإيضاح "حقيقة" ما يحدث في الواقع السياسي للمراسلين والسفراء الأجانب في مصر. مؤتمرات لا تضيف أكثر مما يمكن أن يصدر عن الجهاز الإعلامى لوزارة الداخلية المصرية، أو "الشؤون المعنوية للقوات المسلحة". وإذا اعترض أو عبر أحد المثقفين، عبر صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي، عن انزعاجه من التوجهات الأمنية أو العسكرية للدولة في الفترة الأخيرة، سرعان ما ينقض عليه من كانوا يعتصمون معه بالأمس دفاعاً عن الحرية، بل وقد يصل الحد إلى أن تمنعه وزارة الثقافة رسمياً من نيل منحة أو جائزة ما من جوائزها، إذا كان من المرشحين رسمياً لإحداها.

ما بين الموقف المستجد لبعض الفنانين "المستقلين"، وعودة مصطلح "الحفاظ على الهوية المصرية"، انتهى الاعتصام ورحل الوزير الإخواني عن وزارة الثقافة، وبقيت الوزارة بما فيها من فساد تراوح مكانها. فهل فعلاً رحل الخطر المهدد للحياة الثقافية في مصر، وما عدنا بحاجة إلى إعادة هيكلة الوزارة؟ ما يبقى المؤكد الوحيد أن مفهومَي الهوية والاستقلالية عند المثقف المصري أصبحا اليوم أكثر تحدياً وتعقيداً مما كانا عليه في الستينيات.

التعليقات

المقال التالي