الفرح في زمن الثورة

الفرح في زمن الثورة

عبارات جميلة اعتدنا أن تزين بطاقات دعوات الأفراح في سوريا. مرت أحداث كثيرة منذ ابتداء الحراك أو الثورة أو المؤامرة أو الحرب الاهلية، سمّها ما شئت، وانعكست على كل شيء في سوريا، حتى طالت "ليلة العمر" للشباب السوريين.

اختلفت مظاهر الإحتفال بالزفاف في سوريا بشكل كبير منذ مارس 2011، ولكن يبدو وكأن الشباب السوري، لاسيما الشامي، يرفض أن يسمح لأي حدث بأن ينغص عليه ليلة عمره، ويبقى مصراً على الاحتفال بعرسه متناسياً (بخجل) ما يحدث في سوريا.

تفاصيل عدة تغيرت، فبعد أن كانت حفلات الأعراس تبدأ في الساعة 9.30 ليلاً وتمتد للساعات الأولى من الصباح، أصبحت اليوم تنتهي كأقصى تقدير في الساعة 9 مساءاً لتصبح "عصر العمر" مقتصرة على التقاليد الأساسية من تبديل للمحابس ورقصة العروسين، وخالية من أي مظهر من مظاهر الفرح، مثل علامات البهجة، الرقص والزغاريد التي يشتهر بها العرس السوري، وذلك مراعاة لمشاعر الآخرين.

لكل أسرة سورية نصيب من الأحداث المؤسفة، وبعد أن كان يصعب إيجاد حي في الشوارع الدمشقية يخلو من صالة للأفراح، أصبحت الأعراس تقام في البيوت تفادياً لوقوع قذيفة هنا أو انفجار مفاجئ هناك، وصار المدعوون يهمون بالمغادرة باكراً خوفاً من قدوم الليل وهم خارج منازلهم.

انقسم "العرسان" كذلك إلى طبقات، وأصبحت حفلات الزفاف تحتوي على كثير من الصور التي ستحملها الأيام للتاريخ. أذهلني ما حدث معي بتاريخ يوليو 2013، حيث تمت دعوتي إلى حفلي زفاف لشباب سوريين. عرس لعائلة سورية أقيم في أحد فنادق بيروت الفاخرة، وعرس آخر لأسرة "متوسطة الحال" أقيم في منزل أهل العريس في حي المزة الدمشقي، الذي يعدّ "الأكثر أمناً"، والذي تحول فيما بعد الى منزل الزوجية لاستحالة إقامة العريسين في عش الزوجية المفترض في منطقة حرستا التي أصبحت على خط النار. لجأ جزء كبير من الشباب السوري في الأعوام الماضية لشراء منازل فيها لاعتدال أسعار العقارات هناك، وقضوا أعمارهم بتسديد أقساط هذه المنازل، ومازالوا يدفعونها، إن لم تكن أصبحت ركاماً.

جاء يوم الخميس الذي بات الخيار الأنسب بعد أن أصابت المجتمع السوري فوبيا يوم الجمعة، واقتصر المدعوون على عائلة العريسين وبعض الأصدقاء المقربين الذين لم يحضر منهم سوى 20 فرداً اضطروا الى اصطحاب هويّاتهم الشخصية لإبرازها عند الحواجز التي قطعت شوارع دمشق. العروس التي لم ولن تسمح لأي شيء في أن يؤثر على حلمها الذي انتظرته لسنوات، سارعت لشراء فستان الزفاف بكلفة 250 ألف ليرة سورية على الأقل ($1000)، أي ما يعادل معاش سنتين كاملتين للموظفة، من أحد المتاجر النادرة التي مازالت تبيع الأزياء، وذهبت إلى مركز للتجميل حيث دفعت 50 ألف ليرة سورية ($ 200) لتبدو بأجمل صورة أمام عريسها في حفل لن يتعدى الساعة.

وبعد أن كانت الشموع غالباً ما تزين طاولات الأعراس في فنادق الخمس نجوم، لتضيف جواً من الرومانسية والحب على هذه الليلة، أصبح وجودها ضرورياً لتجنب انقطاع الكهرباء المفاجئ خلال الحفل. وفيما كان العرسان غالباً ما يتنافسون بالهدايا التذكارية التي يوزعونها في ليلة العمر، من قطع الكريستال أو الفضة من أشهر الماركات العالمية، وجدنا بأيدينا مراوح يدوية صينية الصنع للتخفيف من حرارة ليلة عرس تموزية في دمشق، داهمها قطع الكهرباء.

انفض العرس وبقي العروسان لقضاء شهر عسلهما في منزل والدي العريس، بعد أن تم إخلاء المنزل لهما، وذلك لاستحالة خروجهما من دمشق، الأمر الذي قد يعرّضهما لرصاص القنص أو لمواجهة مع أي جماعة من الجماعات على الحواجز. كما أن الحصول على تأشيرة سفر للخارج بات صعباً، لا سيما مع القرار الذي يحرّم على أي سوري إخراج أكثر من 250 أخضر (دولار) خارج "القطر" حيث يفضل عدم إخراج العملة "الصعبة"، وهي كلمة كنّا قد بدأنا ننساها فعادت تذكرنا بالعقود الماضية. يضطر العروسان كذلك للعودة إلى وظائفهما بسرعة حتى يبدأوا بتسديد ديون ليلة العمر التي وصلت الى 5000 دولار أمريكي أنفقت على ثمن المحابس، هدية العريس لعروسه، وغرفة النوم الجديدة كما جرت العادة، التي لربما تستطيع أن تشعر العروس أنها مقبلة على حياة جديدة ملؤها السعادة.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 28.08.2013

التعليقات

المقال التالي