في ريف حلب يدفع النظام أجور الأطباء في مشافٍ يديرها "داعش"

في ريف حلب يدفع النظام أجور الأطباء في مشافٍ يديرها "داعش"

شهد الوضع الصحي في ريف حلب الشرقي تغيّرات كثيرة منذ بداية الثورة، وخصوصاً بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عليه وتوليه إدارة المشافي الوطنية. هاجر عدد كبير من الأطباء بعد أن كانت المنطقة أكثر المناطق جذباً لهم.

مع عسكرة الثورة في مدينة حلب وسيطرة مجموعات معارضة على جزء منها، وردّ النظام بقصف مناطق الريف القريبة، نزح عدد كبير من المواطنين، بينهم أطباء، إلى الريف الشرقي، فازدادت كثافة السكان في هذا الحيّز الجغرافي.

منبج، مركز حلب الطبي
في حديث إلى رصيف22، شرح الطبيب أبو أحمد وضع القطاع الصحي في مدينة منبج. قال: "بحكم بُعد المدينة عن أقرب نقطة عسكرية للنظام، لم تتحوّل ساحة حرب كغيرها من المناطق السورية، لذلك ازداد عدد المدنيين والأطباء القادمين إليها من المدن الأخرى. وبعد أن كان أبناء الريف الشرقي يتوجهون إلى مدينة حلب لتلقي العلاج، غدا الريف الشرقي وجهتهم المفضلة".

ويضيف أبو أحمد: "بعد الثورة، أصبحت منبج المركز الطبي للمنطقة. علماً أن مشافي الريف الشرقي استقطبت أطباء من جميع الاختصاصات، بينها اختصاصات نادرة كجراحة الأورام وجراحة الفكين. كذلك، زاد عدد الأطباء العاملين فيها. فعلى سبيل المثال كان لدينا طبيبان مختّصان بجراحة الأعصاب وبات عددهم خمسة بعد الثورة".

داعش يهجّر الأطباء
في المرحلة الأولى من سيطرة تنظيم داعش على المنطقة، لم يختلف الأمر عمّا كان عليه. ولكن بعد أشهر، بدأت تتضح طريقة حكم التنظيم المتشدّدة، فدفع ذلك كثيراً من الأطباء إلى الهجرة.

يقدَّر عدد الأطباء المهاجرين من ريف حلب الشرقي بحوالى 80 طبيباً. هؤلاء يرفضون الحديث عن هجرتهم ويفضّلون التطرق إلى المسألة تحت عنوان البحث عن فرص عمل جديدة. يقول الطبيب محمد م. من مدينة منبج: "معظم الأطباء لا يعلنون هجرتهم خوفاً على ممتلكاتهم، وخشيةً من معاقبتهم لدى عودتهم بغية زيارة الأقارب".

تنوعّت دوافع هجرة الأطباء. منهم مَن هاجر لأسباب سياسية. هؤلاء عُرفوا بقيامهم بأنشطة ثورية وبعد سيطرة داعش خافوا أن يحسبهم التنظيم على الجيش الحر ويعاقبهم. ومنهم مَن هاجر لأسباب فكرية ودينية إذ لم يستطع التأقلم مع المنظومة الفكرية الدينية للتنظيم. غير أنّ الغالبية هاجرت لأسباب اجتماعية معيشية بعد أن بدأ التنظيم يتدخل في أدق تفاصيل حياة الناس. وكانت خطوة إغلاق المدارس سبباً بارزاً لدفع بعض المقيمين إلى البحث عن مكان آخر.

معاناة صحية بسبب الخوف
وكان اعتقال بعض الأطباء قد أثار مخاوف زملائهم. فبعد اعتقال داعش للطبيب آزاد والي من مدينة منبج، وهو كان قد شارك في الثورة منذ بدايتها وفتح عيادته ومشفاه الخاص للمصابين، وبعد قتل الدكتور حسين سليمان أبو ريان في مسكنة في عملية كانت شرارة لمعارك ضد التنظيم في بداية هذا العام، تنامت المخاوف بشكل غير مسبوق. يقول الطبيب محمد م.: "لم يعد بإمكاني العمل في هذا الجو المشحون. صار القلق والخوف مرافقين لنا وبتّ أخشى من انعكاسهما على طريقة عملي لدى تشخيص الأمراض".

غالبية الأطباء الذين قرروا الهجرة، اختاروا وجهة تركيا. لكن بعضهم فضّل الذهاب إلى مناطق سورية خارجة عن سيطرة التنظيم. أما الأطباء الشباب فمعظمهم فضل الرحيل إلى أوروبا مثلما فعل الطبيب الشاب أحمد المحمد الذي قال لرصيف22: "إكمالي التخصص في جامعات النظام أصبح مستحيلاً لأسباب عدة، أولها وضع اسمي على لوائح المطلوبين أمنياً بسبب عملي في المشافي الميدانية، وبسبب تخلّفي عن خدمة العلم".

وقد انعكست هذه الهجرة سلباً على وضع القطاع الصحي. حالياً، لا يوجد أيّ طبيب في بعض البلدات والقرى. فمدينة الخفسة، على سبيل المثال، تفتقر إلى طبيب مختصّ بالأطفال. وفي ريف حلب الشرقي كله ليس هنالك طبيب واحد مختص بجراحة الأوعية الدموية، وهذا الاختصاص هو أهم الاختصاصات المطلوبة في زمن الحروب.

العودة إلى حلب
عاد الريف الشرقي إلى معاناته السابقة كمنطقة يجب على أهلها التوجه إلى مدينة حلب لنيل العناية الصحية مع فرق صعوبة التوجه إلى المدينة لأسباب أمنية، وأسباب مالية، فضلاً عن طول المسافة ووعورة الطريق بعد إغلاق كل الطرق المؤدية إليها باستثناء طريق خناصر الذي يستغرق عبوره في الظروف الحالية ستّ ساعات.

يروي الشاب محمد، وهو ابن أحد المرضى، وقائع عن هذه المعاناة: "تعرض والدي لإصابة في رأسه أدّت إلى شلله، ولم نستطع عرضه على الأطباء في حلب لطول الطريق الذي يرهق السليم فكيف بوالدي المريض العجوز. كما أننا نخشى احتمال أن يكون اسمه على قائمة المطلوبين من النظام".

مشافي ريف حلب
المشافي الوطنية القائمة في ريف حلب الشرقي إثنان: مشفى منبج (غيّر داعش اسمه إلى "مشفى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها") ومشفى الباب ("مشفى الفاروق أمير المؤمنين رضي الله عنه" حالياً). هذا بالإضافة إلى عدد من المشافي الخاصة التي تقدّم خدمات طبية متدنية، وتتفوق المشافي الوطنية عليها لاحتوائها على تجهيزات طبية متطورة وأجهزة تخدير.

يقول الطبيب أ. م. لرصيف22: "المشفى الوطني في مدينة منبج هو المشفى الأكبر في ريف حلب. فيه 150 سريراً ويحتوي على قسم خاص لغسيل الكلى، وهو القسم الوحيد في المناطق المحررة، مزوّد بـ10 أجهزة لغسيل الكلى 5 منها لا تزال صالحة وتقدّم الخدمات لـ10 – 12 مريضاً يومياً". ويضيف: "يقدم المشفى خدمات مجانية ولا سيما الخدمات الإسعافية إذ يستقبل قسم الإسعاف من 100 إلى 150 مريضاً يومياً".

وماذا عن حال المشفى بعد سيطرة داعش؟ يجيب الطبيب نفسه: "لم يتدخل التنظيم بالعمل الطبي إلا بعد تشكيل هيئة طبية استشارية برئاسة أحد عناصره، أبو محمد الشافعي، وهو خريج معهد طبي. نظمت هذه الهيئة دوام الأطباء والموظفين. ولم تتعرّض للموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من النظام، فعلاقة النظام بالمشفى لا تتعدّى صرفه الرواتب لموظفيه الرسميين. إن تدخل داعش كان لمصلحة العمل الطبي".

ويلفت إلى أن تدخلات التنظيم  تنحصر بقضايا الضوابط الشرعية كمنع الاختلاط بين الجنسين وفرض اللباس الشرعي وشكله ولونه على الموظفات. ويختم: "استاثر التنظيم بجزء كبير من المشفى الرسمي المجاني لمعالجة عناصره، ولا سيما بعد معركة عين العرب (كوباني) التي أدت إلى زيادة أعداد جرحاه".

فوضى شرعية
يحتوي مشفى منبج على مركز لمعالجة مرضى التلاسيميا. في السابق كان الناشطون الثوريون ينظمون حملات تبرّع بالدم لمصلحة المرضى. بعد سيطرة داعش، بقي بنك الدم في المشفى يعمل بشكل جيد، ويقوم التنظيم بإلزام بعض المخالفين بالتبرع بالدم لملئه. ولكن مما يؤخذ على التنظيم عدم تسجيله أسماء المتبرعين، وهذا لا يتيح التعرف إلى المتبرع في حال اكتشاف مرض في دمه.

وكانت مناطق الريف الشرقي قد شهدت بعد الثورة نشاطاً ملحوظاً للمنظمات الطبية الأجنبية مثل منظمة وورلد فيجن World Vision التي كانت تقدم خدماتها وتوفّر الأدوية مجاناً لحوالى 300 مريض يومياً عبر مراكزها الأربعة الموزّعة في الريف.

وقد دعم داعش في بدء سيطرته هذه المنظمات وأمّن الحماية لها. لكن هذه العلاقة تغيّرت وشنّ التنظيم حملة اعتقالات شملت عدداً من العاملين فيها. روى الطبيب أبو الهادي لرصيف22: "في رمضان الماضي، وبعد معلومة أمنية كاذبة مفادها أن بضع منظمات توظف أشخاصاً بهدف التجسس عليه، اعتقل التنظيم أكثرية العاملين فيها ووضع يده على مقارّها وصادر محتوياتها. وانعكست هذه الحملة سلباً على النشاط والدعم الطبي الخارجيين".

ويتابع أبو الهادي: "بعد هذه الحملة لم تمتلك أية منظمة الجرأة للعمل الميداني، وهرب قسم من الأطباء. وهذا ما أدى إلى حرمان المواطنين من الخدمات الطبية، علماً أنَّ التنظيم لم يثبت أياً من التهم على المعتقلين".

التعليقات

المقال التالي