غزّة والحصار الإعلامي

غزّة والحصار الإعلامي

في بدء الحرب، لم تتوانَ إسرائيل عن التأكيد على وضوح أهدافها من هذا العدوان ضد غزة:  المزيد من الدماء من أجل تثبيت شرعية بنيامين نتنياهو في وجه الناخبين الإسرائيلين، فإن كان نتنياهو قد أحس بفقدان دعم الكتل له في الكنيست الإسرائيلي، فقد اتجهت شهيّته صوب غزة التي تعدّ مسرح العمليات الخلفية لإسرائيل.

في اليوم الثاني للعملية الإسرائيلية، جاء اتصال هاتفي من الجيش الإسرائيلي لإخلاء منزل عائلة كوارع في خانيونس. لم تستسلم العائلة للأمر، فصعد الجيران فوق سطح البيت من أجل منع قصفه من الطائرات، وما هي إلّا لحظات حتى غطّى دخان كثيف المنطقة وبدأ الناس يهربون. قصفت إسرائيل البيت بمن كانوا على السطح، 8 شهداء والعديد من الجرحى. لم تكن الصور كافية لتصديق ما حصل. ظهر فيديو صوّرته قناة "روسيا اليوم" أثناء لحظات القصف وبعدها، فكانت المشاهد ملفوفة برائحة الدم. العبارة الوحيدة التي تناقلت في "تويتر" بعدها كانت “لقد جنت إسرائيل تماماً”.

ما زالت الحرب على غزة مستمرة حتى هذه اللحظة، حاصدة معها أرواح المئات وآلاف الجرحى في كل دقيقة. تناقلت وسائل الإعلام على اختلافها جميع الجوانب المحيطة، لكن ما يدور على الجهة الإعلامية الغربية قد يبدو معركة شرسة للوقوف في صفّ إسرائيل وتبرير ما تفعله. الموضوع القديم الجديد يعود للظهور بقوة في كل مرة ولكن يبدو وكأنه يغيب عن عيون الجمهور العربي الذي قلما يشاهده.

في إحدى النشرات الإخبارية لقناة ABC الأمريكية ذكرت المذيعة دايان سوير Diane Sawyer ما يحصل في غزة بشكل عابر ومصطنع. يظهر في خلفية الصورة بيت مدمر في غزة، وتقول المذيعة إن هذا ما يحصل في إسرائيل. بعد الضجة الكبيرة التي حصلت جرّاء هذه المغالطة، اعتذرت المذيعة في اليوم التالي عن الخطأ وأكّدت مجدداً أن إسرائيل تحت مرمى صواريخ المقاومة الفلسطينية.

نشرات الأخبار الأمريكية لا يختلف كثيراً بعضها عن بعض. التنقل بين القنوات لا يأتي بشيء جديد. اشتركت جميعها في عنوان وحيد “مقتل العديد من الفلسطينيين لكن إسرائيل تحت صواريخ غزة”. هذه النقطة التي تحول مجرى الخبر بشكل دراماتيكي كانت مشتركة بين قنوات فوكس نيوز Fox News واي بي سي ABC وسي ان ان CNN، ليصبح الفلسطينيون معها أرقاماً أو أشباحاً بلا قيمة، على الهامش.

لم يتوقف الأمر عند التضليل المباشر، بل تجاوز الإعلام الخطاب السائد الذي يلقيه البيت الأبيض عن “حقّ إسرائيل في الدفاع نفسها”. انحياز قد يبدو مزحة مقارنة مع ما تقدمه تقارير هذه القنوات من استخفاف واضح بعقول المشاهدين وحصر العدوان في مصطلح دائرة العنف Cycle of Violence الذي يسقط من حساباته مواجهة إسرائيل لمدنيين عُزلٍ بترسانتها الضخمة والمدمرة. ينطبق الأمر كذلك على الوسائل الإعلامية المكتوبة، إذ أتت عناوين النيورك تايمز New York Times متحيّزة في غالبها لمتابعة ما يجري في إسرائيل. وقد أثار العنوان الأولي الذي اعتمدته بعد مقتل أربعة أطفال على شاطئ غزة ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، دفعت تلك الأخيرة إلى تغييره.

"روسيا اليوم" قدمت تغطية خاصة لما يجري في غزة، كسرت به حدّة البروباغندا الأمريكية والتسويق الإعلامي للحرب الإسرائيلية. امتدّت التغطية لتشمل الوقوف على رأس الحدث والتفاصيل أولاً بأول. “أبي مارتن” Abby Martin مقدمة برنامج The Set، أظهرت صدقية مختلفة عن السائد، عبر مساءلة الإعلام الأمريكي والغربي بشكل عام عن صدقيته التي يحتفي بها. تستنكر أبي على كبار القنوات الأمريكية هذا الجهل والإسقاط المتعمّد لأرقام الشهداء الفلسطينيين من حساباتهم وتمضي في تفصيل الصورة الكاملة لحياة الفلسطينيين في غزة وما تقوم به إسرائيل من عقاب جماعي بحقهم.

جون ستيوارت Jon Stewart، مقدّم البرامج الساخر الأول في أمريكا طرح تساؤلاته عما يحصل في غزة باستنكار، وكان مروره على تقارير الإعلام الامريكي كفيلاً بتلخيص الاستهزاء والتجاهل الصريح لمعاناة الفلسطينيين. عقّب ستيوارت على المساواة بين الجلاد والضحية في نقده لعناوين الأخبار الأمريكية. عنوان “قصف متبادل بين إسرائيل وغزة” انتشر بشكل كبير في المدة الأخيرة، غير أن ستيروات يسخر منه معتبراً أن أحد الطرفين أفضل في القصف من الآخر. في تعليق آخر على رسائل التحذير التي ترسلها إسرائيل قبل القصف على المدنيين، لتفسح لهم مجال الهرب، يعلّق ستيوارت: إسرائيل تغلق الحدود من جهة، ومصر من الجهة الأخرى، إلى أين يذهب سكان غزة، إلى البحر؟ يذكر أن جون ستيوات تناول القضية الفلسطينية سابقاً في ظلّ الجهل الإعلامي الذي يسيطر على عناوين القنوات الأمريكية.

لم تتوقف قناة بي بي سي BBC البريطانية عن انحيازها المعلن لإسرائيل، برغم توجيه انتقادات كثيرة لها من صحف غربية على هذا الدور غير المهني. تستمرّ القناة في تجاهل هذه الدعوات وتغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة إسرائيل. آلاف العناوين والنشرات الإخبارية تجاهلت أعداد الشهداء الفلسطينيين وركّزت على لحظات اختباء المستوطنين الإسرائيليين في الملاجئ المجهّزة لحمايتهم من صورايخ غزة. تصرّ القناة على سياسة التجاهل الكامل للإجرام الإسرائيلي في غزة، وما يظهر على حساباتها على فيسبوك وتويتر لا يختلف بشكل كبير عما يظهر على شاشاتها. قام برنامج Trending في الأيام الأولى في الحرب بمناقشة مدى صحة الصور الآتية من غزة على هاشتاغ #GazaUnderAttack عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكون بعضها، كما العادة، أعاد استحضار صور قديمة من سوريا أو من عدوان سابق. لا يوجد خطأ في مناقشة هذه الأمور، لكن حصر ما يجري على الأرض دون عرض آلاف الصور الصحيحة التي تنقل بشاعة الآلة العسكرية الإسرائيلية هو ما يطرح تساؤلات حول صدقية القناة. في ضوء ذلك، تظاهر بضعة آلاف شخص أمام مقر القناة الرئيسي في لندن، في رسالة احتجاجية ضد سياستها التحريرية، فيما قامت حركة التضامن العالمية مع القضية الفلسطينية بجمع 45,000 توقيع على رأسهم شخصيات عالمية ضد الرأي الواحد والمنحاز إلى الجرائم.

الإعلام الاجتماعي والرقمي

من ناحية أخرى، تتقن إسرائيل فن الدعاية جيداً وتسخّر قنوات كثيرة للتحدث باسمها، سواء بشكل مباشر أو باستعمال القوة السياسية الناعمة المتمثلة في اللوبي الصهيوني. بعد سنوات من ازدهار الإعلام الاجتماعي، توسّعت رقعة المعركة الإعلامية لتشمل فيسبوك وتويتر ويوتيوب. استثمرت إسرائيل صفحاتها الناطقة بالعربية والإنجليزية لتسويغ مبرراتها. فقد أحدثت صفحة المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي Avichay Adraee جلبة كبيرة على مواقع التواصل وعززت أيضاً من تعريب جميع صفحاتها الرسمية للتواصل مع الجمهور العربي. لا تكتفي إسرائيل بذلك، إذ تقوم برامجها الخفية عن الإعلام بتجنيد المئات من طلاب جامعاتها لإعلاء صوت البروباغندا الإسرائيلية أو ما يعرف بالهاسبرا. شكلت هذه المجموعات ما يعرف بغرف الحرب داخل الجامعات الإسرائيلية من أجل تبرير العدوان الإسرائيلي، وهي تعمل وفق سياسة الكذب المنظم والهجمات المركزة من أجل التضليل الإعلامي وتهميش الحقيقة بوصفها حدثاً جانبياً لا أهمية له.

التعليقات

المقال التالي