سوريا: تجنيد الأطفال في حرب الكبار

سوريا: تجنيد الأطفال في حرب الكبار

ما زالت هيئات الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان تحذّر من خطورة تجنيد الأطفال في سوريا ومن خطورة ذلك على مستقبل هؤلاء الأطفال وعلى مستقبل سوريا على السواء. لكن رغم هذه التحذيرات، لم تطرح هذه المنظمات حلولاً واقعية يمكن عبرها تفادي خطر وقوع الأطفال ضحية لمثل هذه الأعمال، التي تعدّ جرائم حرب في نظر القانون الدولي.

يعرف القانون الدولي الطفل الجندي بأي شخص دون سن الثامنة عشرة من العمر ولا يزال أو كان مجنّداً أو مُستخدَماً بواسطة قوة عسكرية أو جماعة عسكرية في أي صفة بما في ذلك على سبيل المثال وليس الحصر الأطفال والغلمان والفتيات الذين يتم استخدامهم محاربين أو طهاة أو حمّالين أو جواسيس أو لأغراض جنسية.

نقلت القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي على مدار الأعوام الثلاثة صوراً كثيرة تظهر أطفالاً يلعبون ألعاباً مرتبطة بالحرب مثل “جيش حر وجيش نظامي”، إذ يهاجمون بعضهم بعضاً وييقاتلون تمثيلياً، في مشهد يعكس ربما مأسوية الوضع واستحالة إبعاد الطفل عن مظاهر السلاح المنتشرة في كل حي وشارع في معظم أنحاء سوريا.

ولكن بعيداً عن التأثير غير المباشر للحرب الدائرة في سوريا، جرى تجنيد أطفال (ممن لم يبلغوا بعد الـ17 من العمر) في صفوف الجماعات المتقاتلة، ومن ضمنها جيش النظام الذي يدرب ويجند دفعات من الأطفال/ الشباب للالتحاق بما يسمى جيش الدفاع الوطني.

تختلف ظروف انضمام الأطفال إلى القتال، وكثيراً ما تكون ردة فعل على حدث معين يكون مأسوياً أو نتيجة وفاة الأهل أو المعيل. هنالك آباء يفرحون كذلك بحمل أبنائهم للسلاح ويشجعونهم على ذلك من باب "خليه يصير رجال". ينتج هذا غالباً عن ضعف في الوعي، أو عن سوء تقدير للأوضاع القائمة. لكن أبعد من ذلك، يواجه الأطفال في سوريا حملات ممنهجة لجذبهم إلى القتال، فهم يشكلون بديلاً فعالاً وأقل تكلفة عن المقاتلين الكبار، ويسهل تلقينهم العقائد والتلاعب بعقولهم.

في جيش النظام، تعدّى الأمر كونه حالات فردية عشوائية ليصبح ظاهرة عامة، ففي بعض المدارس الثانوية، يخضع طلاب الصفين العاشر والحادي عشر إلى معسكرات تدريب خاصة لتعلم كيفية التعامل مع السلاح. يروي محمد، وهو من سكان حمص، أن معسكراً للتدريب موجود بالقرب من مصفاة حمص، يدرّب النظام فيه الشبان (من الطائفة العلوية تحديداً) على حمل السلاح، وأن من بين المتدربين أطفالاً كثراً يقومون بإحضارهم أسبوعياً من مدارسهم. انتسب بعض هؤلاء الأطفال إلى صفوف جيش الدفاع الوطني وبدأوا بالمناوبة على الحواجز، خصوصاً الحواجز المخصصة لحماية الأحياء العلوية في المدينة. يضيف محمد أن هنالك بضعة معسكرات أخرى للتدريب، منها المنشأة الرياضية في حي وادي الدهب بحمص.

في المقابل، يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كبير على الأطفال، وقد أعلن في مارس من هذا العام إنهاء خمسين طفلاً في مدينة الطبقة غرب الرقة، دورات تدريبية على السلاح  في معسكر يحمل اسم "أشبال العز"، تحضيراً لاستخدامهم في تنفيذ عمليات انتحارية.

لا مانع شرعياً في الدين الإسلامي، الذي يدين به معظم الشعب السوري، من حمل السلاح لكل فرد بالغ، وسن البلوغ في المنطقة تكون عند بلوغ الطفل الثالثة عشرة من عمره. شهد التاريخ العربي والإسلامي الكثير من القادة والمقاتلين ممن لم يتجاوز عمرهم السابعة عشرة، مما يشكل محفزاً ومحركاً للبيئات المتدينة، التي لا تعي أن الظروف اختلفت اليوم عما كانت عليه قبل قرون. بالإضافة إلى كل الحلول الأخرى الممكنة، بات من الضروري إصدار فتاوى خاصة تراعي ظروف العصر، والتغيرات الاجتماعية التي أثرت في مدى إدراك الأطفال، الذين لا يكونون على بيّنة من أمور الحياة حتى بعد بلوغهم السابعة عشرة من عمرهم.

تعرّضُ الأطفال للعنف يؤثّر على مستقبلهم حتى بعد توقفه. ذاكرة الأطفال أقدر على الاحتفاظ بالمشاهد من الكبار، وهذا ما يؤدي لزرع العنف في رؤوسهم. تصبح مسألة القتل والاقتتال أمراً عادياً بالنسبة لهم، فيساهم ذلك في ازدياد معدل الجريمة. تنصح منظمات حماية الأطفال بإبعادهم عن الظروف المحيطة بهم قدر الإمكان، حتى يكونوا قادرين على النهوض بمجتمعهم فور توقف الحرب. رغم كارثية الوضع، يذكر أن 38 دولة سجل فيها تجنيد الأطفال بطريقة غير مشروعة خلال السنوات العشر الماضية، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

التعليقات