كيف أنقذ تعويم الجنيه صناعة فوانيس رمضان المصرية؟

كيف أنقذ تعويم الجنيه صناعة فوانيس رمضان المصرية؟

في مثل هذا الوقت من كل عام يبدأ الباعة المصريون في عرض بضاعتهم من فوانيس رمضان في أغلب المحافظات استعداداً للشهر الكريم.

تغير الأمر قليلاً هذا العام، حيث حلت الفوانيس التي صنعتها أياد مصرية محل الفوانيس التي كانت تستوردها المحروسة من الصين.

فحتى العام 2015 كانت مصر تستورد فوانيس رمضان من بعض الدول وخاصة من الصين بحوالي 10 ملايين دولار، مثلما يؤكد أحمد أبو جبل، رئيس شعبة الأدوات الكتابية ولعب الأطفال باتحاد الغرف التجارية المصرية، في حديثه لرصيف 22.

لكن أبو جبل يقول إن الأمر اختلف تماماً في السنتين الأخيرتين، بسبب بعض القيود التي وضعتها مصر على استيراد سلع استهلاكية عدة في نهاية العام 2015، وصولاً إلى قرار تعويم الجنيه في نوفمبر من العام الماضي والذي أدى إلى غياب الفوانيس المستوردة تقريباً من شوارع القاهرة، ما عدا تلك التي تبقت لدى الباعة من الأعوام الماضية.

وأصدرت وزارة التجارة والصناعة قراراً حمل رقم 232 لسنة 2015 يمنع استيراد المنتجات ذات الطابع التراثي والفلكلوري ومنها الفوانيس في محاولة للتخفيف عن عبء توفير الدولار من جانب، وتشجيع الصناعة المحلية من جانب آخر.

أقوال جاهزة

شارك غردأزمة الجنيه المصري تعصف بفانوس رمضان المصنوع في الصين

شارك غردالاجتياح الصيني لسوق الفوانيس في السنوات الماضية دفع "الصنايعية" المصريين إلى الظل

ويؤكد أبو جبل أن مصر استوردت فوانيس في رمضان الماضي بما يعادل 3 ملايين دولار، لكن قرار تعويم الجنيه إضافة إلى بعض التضييقيات التي وضعتها الحكومة على السلع المستوردة جعلا الباعة يلجأون إلى الفوانيس التي صنعتها بعض الورش المصرية.

الحنين إلى الصيني

في شارع الفالوجة بمنطقة العجوزة يجلس علي على مقعد خشبي قديم أمام عدد كبير من الفوانيس قام بعرضها في الشارع، وبملامح غاضبة يقول "الحكومة منعت استيراد الفوانيس وهي تعلم جيداً أنه لا توجد مصانع مصرية تنتج الفوانيس".

يشرح علي "ما نعرضه الآن هي فوانيس مصنوعة يدوياً ومستواها رديء مقارنة بالفوانيس المستوردة التي كنا نبيعها في الأعوام الماضية، والنتيجة هي أنه لا أحد يشتري منا هذا العام بسبب غياب الجودة".

فالإشكالية هي أن الصين كانت تنتج أنواعاً متعددة بألوان وأشكال مختلفة، الأمر الذي يجعل الناس تجد ما يناسب ذوقها، لكن الفوانيس المصرية أشكالها قليلة، بعضها مصنوع من قماش الخيامية والآخر من الحديد والزجاج.

INSIDE_EgyptiansLanterns

ويقول علي: "إن الصين كانت تجري دراسات لفهم السوق المصري. ففي العام الذي ترشح فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئاسة استوردنا فوانيس على هيئته وحققت مبيعات كبيرة، وكانت هناك فوانيس بها سماعات صغيرة تشدو بأغان رمضانية وكان الأطفال يفرحون بها، لكن هذه النوع لم يعد متاحاً اليوم."

مصر لا تدعم المنتج الوطني

من جانبه يرى هيثم الغيتاوي، الصحفي المتخصص في الاقتصاد، بأن الفوائد التي تعود على اقتصادات الدول جراء وقف استيراد سلع بعينها مرهون بحجم الإنفاق على استيراد هذه السلع بالعملة الصعبة.

مشيراً إلى أنه في حالة "الفوانيس الصينية" فإن القرار يأتي في إطار توجه الدولة للتقليل من إنفاق أو إهدار الدولار في استيراد سلع غير مهمة من وجهة نظر الحكومة وتستنزف الاحتياطي العام من العملة الصعبة.

لكن الغيتاوي يرى بأن هذا الإجراء لم يأت في إطار سياسة عامة لدعم المنتج الوطني، وإنما كان مجرد إجراء اضطراري مؤقت تحت ضغط نقص الدولار، "ما يعني أن الحكومة لم تشغل بالها في الأصل بدعم المنتج الوطني".

ووفقاً للغيتاوي فإن من أهم العوامل التي لا تشجع الجهات المعنية على دعم صناعة شعبية مثل الفوانيس، هي أنها سلعة موسمية، ما يعني أن فترة ترويجها قصيرة جداً، فضلاً عن كون سوقها محدودة نسبياً، لكن ذلك لا يعني أن هذه الصناعة غير مجدية اقتصادياً، وإلا ما كانت الشركات الصينية ضمّتها إلى قائمة منتجاتها المستهدفة والعابرة للقارات والثقافات.

فسنوات "الاجتياح الصيني" لهذه السوق الصغيرة، دفعت "الصنايعية" المصريين إلى الظل، وفي أحسن الأحوال اضطرتهم إلى تغيير النشاط، وهو ما حرم مصر من توريث المهنة والصنعة لأجيال جديدة.

كما أن صناع الفوانيس المصرية أنفسهم يدركون حقيقة أن الدولة لم تُقدم على خطوتها تلك، إلا اضطراراً لنقص الدولار، لا بغرض دعمهم.

ويطالب الغيتاوي مصر بأن تنتبه لتجارب دول كثيرة من حولها أقل ثراءً في الجانب التراثي، ورغم ذلك تنشط بشكل لافت في سبيل نشر هذا التراث والتعريف به من خلال دعم المشروعات الشبابية التي تركز على "الصناعات الحرفية" إعلامياً ومادياً.

INSIDE_EgyptiansLanterns2

التضييق على الصيني مطلوب

من جهته يؤكد الكاتب والباحث الاقتصادي، أحمد حامد دياب، على أن التضييق على استيراد السلع غير الهامة، كلعب الأطفال وغيرها من السلع غير الضرورية، التي تستهلك العملة الصعبة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعاني منها مصر، سببه أن الحكومة تحاول توفير العملة الصعبة لاستخدامها في شراء السلع الضرورية كالقمح والأغذية والأدوية وغيرها من المتطلبات الأساسية.

ويرى دياب بأن التضييق على استيراد الفوانيس الصيني سيؤدي إلى انتشار صناعة الفوانيس المصرية مرة أخرى لأن "الحاجة أم الاختراع".

كما أن الفانوس الصيني تفوق على نظيره المصري بسبب سعره الرخيص نسبياً "لكن بدون شك فالفانوس المصري القديم المصنوع يدوياً أفضل من ناحية التصميم، نظراً لأنه متمسك بالشكل التاريخي للفانوس عكس الفانوس الصيني".

أسعار متباينة

ويختلف سعر الفانوس المصري من مكان إلى آخر، لكن متوسط الأسعار بحسب جولة لـ "رصيف 22" عند بعض باعة القاهرة، لا يتجاوز الخمسين جنيهاً للفانوس المصنوع من الخشب، والذي لا يزيد طوله عن 35 سم، فيما يناهز سعر الفانوس الخشبي من فئة 50 سم 75 جنيهاً.

أما الفوانيس المصنوعة من قماش الخيامية فتتراوح أسعارها ما بين 35 جنيهاً إلى 120 جنيهاً حسب حجمها.

في المقابل فإن الفوانيس المصنوعة من النحاس والزجاج، يبدأ سعرها من 75 جنيهاً للفئة الصغيرة، والأكبر قليلاً يصل إلى حوالي 100 جنيه، فيما يبلغ سعر الفوانيس كبيرة الحجم، والتي تُعلق في البيوت والشوارع، حوالي 350 جنيهاً.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
الصين رمضان مصر

التعليقات

المقال التالي