كيف تدمر "كتب الرصيف" سوق النشر في مصر؟

كيف تدمر "كتب الرصيف" سوق النشر في مصر؟

حين تسيرون في شوارع مصر ستلاحظون انتشاراً واضحاً لباعة الكتب يعرضون بضاعتهم على الرصيف، لكن هذه البضاعة تختلف تماماً عن تلك التي تباع في المكتبات المصرية المعروفة. ليس الفرق الوحيد أنها ملقاة على الأرض بينما الأخرى تم رصها بعناية على أرفف خشبية، فهي نسخ مزورة تم طباعتها في مطابع غير رسمية، وتباع بأسعار رخيصة مقارنة بالنسخ الأصلية.

shutterstock_602339027

أمام البوابة الرئيسية لنادي الزمالك في شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين، وقف "محمد" الشاب العشريني ينظف التراب عن الكتب التي فرشها على الرصيف، يتوقف عن التنظيف حين يقترب منه أي شخص ينظر للكتب، محاولاً أن يسوق له عناوين عدة.

"عندي كل الكتب الأكثر مبيعاً في المكتبات المصرية بسعر أقل من النصف" هكذا قال محمد بحماس لحريف وقف ينظر للكتب باهتمام. يعرض محمد نسخة من كتاب "القتلة الأوائل" للصحافي المصري إبراهيم عيسى بسعر 40 جنيها مصرياً (حوالي دولارين) بينما سعرها الرسمي في المكتبات يقترب من الـ 100 جنيهاً (أكثر من 5 دولارات بقليل).

أقوال جاهزة

شارك غردكتب الرصيف أصبحت تمثل خطراً وجودياً على سوق النشر المصرية

شارك غردالدولة المصرية لا تحرك ساكناً تجاه المطابع المجهولة تاركةً دور النشر لمصيرها

يقول البائع: "الكتب التي أبيعها كلها نسخ جيدة تم طباعتها في مطابع غير رسمية، لذلك هي أرخص بكثير من تلك التي تباع في المكتبات، وهدفي هو أن أجد قوت يومي، وإفادة القارئ المصري الذي يعاني في ظل ظروف اقتصادية صعبة يمر بها الجميع منذ ثورة يناير".

لا يملك محمد أوراقاً قانونيةً كبائع ولا يقوم بدفع الضرائب، وأحياناً ما تقوم قوات من الشرطة أو ما يطلق عليهم في مصر "البلدية" بسحب بضاعته، في الغالب يدفع لرجال البلدية رشوة حتى يدعوه "يسترزق" وفق تعبيره.

لا يوجد إحصاء رسمي لعدد باعة كتب الرصيف في مصر، لكن العدد يفوق كثيراً عدد المكتبات التي تبيع الكتب بطريقة رسمية.

فرق السعر بين الأصلي والمضروب

على عكس الكتب التي تباع في المكتبات الرسمية والمحدد سعرها مسبقاً يمكنكم التفاوض مع باعة كتب الرصيف لتحصلوا منهم على ما تريدون بسعر أقل مما يطلبوه منكم. فإذا كان سعر الكتاب 30 جنيهاً مثلاً فيمكنكم أن تحصلوا عليه بـ 25 أو 20 حسب قدرتك على المناورة.

تنقل "رصيف22" بين خمسة من أشهر باعة كتب الرصيف في مناطق المهندسين، والدقي ومنطقة الإسعاف ورمسيس ووسط البلد، في العاصمة القاهرة لمعرفة الفرق بين سعر الكتب المعروضة في المكتبات والنسخ المزورة من نفس الكتاب.

لنجد مثلاً أن كتاب "اللاهوت العربي وأصول العنف الديني" ليوسف زيدان والصادر عن دار الشروق سعره الرسمي في المكتبات 70 جنيهاً بينما لدى باعة الرصيف 25 جنيهاً، أما رواية "قواعد العشق الأربعون" لأليف شافاك والصادرة عن دار الأداب للمترجم محمد درويش يتخطى سعرها في المكتبات الـ 200 جنيهاً بينما عند باعة الرصيف تترواح ما بين 40 و50 جنيهاً فقط.

shutterstock_602339030

أما رواية "أنت: فليبدأ العبث" للكاتب محمد صادق والتي تحقق مبيعات عالية في مصر فسعرها الرسمي 55 جنيهاً بينما تباع على الرصيف بـ 15 جنيهاً فقط. ويبلع سعر رواية " 1984" الشهيرة للكاتب جورج أورويل رسمياً 80 جنيهاً في مكتبات الشروق المصرية فيما تباع على الرصيف بـ 25 جنيهاً. أما رواية "قمر على سمرقند" للكاتب محمد المنسى قنديل فسعرها في المكتبات 85 جنيهاً بينما لا يتخطى سعرها لدى باعة الرصيف الـ 25 جنيهاً.

"تصنف الكتب والمطابع مجهولة الهوية والغير مسجلة بشكل رسمي وفقاً لمتطلبات الدولة، ضمن "الاقتصاد الأسود" أو الاقتصاد الغير رسمي" هكذا يقول الحسيني حسن الصحافي المصري المتخصص في الاقتصاد، والذي يضيف لرصيف 22:"هذا الأمر منتشر في مصر، وبالتأكيد له تأثيرات سلبية على صناعة الكتب وأيضاً على الإقتصاد المصري".

ويرى حسن أن الأزمة الحقيقية هي أن باعة الرصيف والمطابع مجهولة الهوية لا تقوم بدفع ضرائب أو التأمينات، وهذا يدمر الاقتصاد المتعلق بصناعة النشر بشكل عام، فمن الممكن أن يعرض بعض دور النشر لخسائر فادحة وليس من مصلحة الدولة أن تغلق دار نشر تسدد الضرائب وتدفع المصاريف الادارية للدولة".

 القوانين الفاعلة والمؤثرة

يقول الكاتب المصري سامح فايز لرصيف 22: "لدي ثلاثة كتب من مؤلفاتي فى المكتبات ومع ذلك لا تحقق لي أي دخل رغم أنها تحقق مبيعات. فكتابي الأول "جنة الإخوان" باع فى سوق كتب الرصيف آلاف النسخ ذهب ربحها لأشخاص لا أعرفهم، والأمر يتكرر مع أغلب الكتاب في مصر".

Ramy-Raoof_Flickr

ويرى فايز أن "تجار الكتب غير الأصلية قدر يدمرون أجيال قادمة"، فمن وجهة نظره فإن هؤلاء التجار يركزون على طبع الكتب الأكثر مبيعاً فقط، ومعظم هذه الأعمال ضعيفة فنياً ونجاحها يعتمد على ثقافة القطيع، في حين تتراجع الكتب التي تضم إبداعاً في الكتابة، وهذا سيخلق جيل يقرأ كتب معينة، على حد قوله.

مشيراً إلى أنه من "الظلم الحديث عن دور للقارئ فى مجتمع معدل دخل الفرد فيه لا يكفي لحياة آدمية، فلا نستطيع مطالبته بشراء كتاب يتجاوز سعره 10 دولارات في حين أن متوسط دخله اليومي دولاراً واحد أو أقل.

وكان اتحاد ناشرين مصر قد أعلن رسمياً عن ترك العشرات من دور النشر لمجال صناعة الكتاب بسبب الخسائر التي تكبدوها نتيجة الكتاب غير الأصلي المباع على الرصيف. ويعلق فايز على الأمر: "تخيل أنك تدفع كل مالك فى تجارة ما وحين تبيع المنتج تكتشف أن الربح وضع بالخطأ فى حساب بنكي لشخص لا تعرفه".

الحل بحسب فايز هو تطبيق قوانين فاعلة ومؤثرة، تتناسب مع حجم الأزمة، ومن المهم مجاراة دور النشر لما يحدث بتطوير أدوات الطباعة والنشر لإخراج كتاب أفضل بسعر أقل. وأيضا وضع آليات جديدة للبيع والتسويق كأن تباع الطبعة الأولى بسعر وتباع الطبعات التالية بسعر أقل يناسب الطبقات الأقل دخلاً.

لسنا مجرد مطبعة!

ويرى الناشر المصري أحمد عبد الجواد أن دار النشر ليست مجرد مطبعة، تقوم بطباعة الكتاب، "بل هي عدة مراحل ثقافية تحول المنتج الفكري إلى منتج متاح بالأسواق، بداية من التصميمات والإخراج الداخلي واختيار نوع الورق وطرق تسويقه، وتنتظر أرباحها بعد إتمام عملية البيع".

لكن ظهور الكتب "المضروبة"، على حد تعبير عبد الجواد، أثرت بالسلب على دور النشر، لأنها تختصر عمليات كثيرة، وتقوم كذلك بطباعة قليلة التكلفة، حتى تحقق أرباحاً عالية وسريعة، مما يؤثر بالسلب على الدار والكاتب على السواء.

والحل من وجهة نظر عبد الجواد هو أن تتكاتف دور النشر المختلفة لتقف بوجه صناع السوق الموازي، ويضيف: "هناك عبء كبير يقع على اتحاد الناشرين، الذي أجده مقصراً في هذا الأمر، كذلك في الهيئة العامة للرقابة على المصنفات، وهناك دور لوزارة الثقافة، فلو اجتمع كل ما سبق على خطة واضحة لمجابهة الأمر سيتغير الوضع".

لا حل في الأفق

الكاتب المصري بهاء حجازي يرى أن كل أماكن بيع الكتب المزورة خصوصاً منطقة سور الأزبكية في القاهرة وشارع النبي دانيال، بمحافظة الإسكندرية، تدمر سوق النشر في مصر، فرغم أنها لا تحرم المؤلف من حقه الأدبي حيث لا يتم حذف اسمه من على الكتاب، إلا أنها تحرمه من حقه المادي، وتهدد وجود دور النشر من الأساس.

ويطالب حجازي الدولة بأن تتعامل مع الأمر بجدية وتقوم بحملات تفتيش، حتى لا تضر الصناعة ككل، فمن الغريب أن كل الكتب تقريباً تكتب على صفحتها الأولى "أي نسخ أو اقتباس أو إعادة نشر للمواد المنشورة في هذا الكتاب دون إذن الناشر يعرض صاحبه للمساءلة القانونية".

ويضيف حجازي: "ككاتب تعرضت روايتي "أموات يرزقون" للتزوير وبلغت طبعاتها الطبعة الخامسة بينما الرواية الأصلية في المكتبات الرسمية لم تتخط الطبعة الرابعة، وهذا يضر بالعائد المادي لي وللناشر على حد سواء".

المشكلة الحقيقية من وجهة نظر حجازي هي أن "الدولة المصرية لا تولى اهتماماً لصناعة الكتب لذا سيطول الامر كثيراً إلى أن تأتي دولة غير الدولة ويأتي إتحاد كتاب غير إتحاد الكتاب ويأتي إتحاد ناشرين غير الحالي وهذا أمر قد لا يتحقق على المدى القريب".

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي