ما الذي يُعيق تأسيس الشركات الخاصة في العالم العربي؟

ما الذي يُعيق تأسيس الشركات الخاصة في العالم العربي؟

سنة كاملة من الركض اليومي بين الدوائر الحكومية قضاها عبد الحميد الشاب السوري الذي جاء إلى تونس لإطلاق مشروعه الخاص. ولأنه سوري تطلب الأمر وقتاً كي تطمئن السلطات المحلية إلى أنه ليس لاجئاً ولكنه مستثمر. يتكرر المشهد في أغلب المنطقة العربية.

أن تؤسسوا شركة في دولة عربية فذلك يعني الدخول في مغامرة صعبة ستواجهون فيها مخاطر السوق من جهة وعوائق البيروقراطية الحكومية من الجهة الأخرى. فمخاض ولادة مشروع اقتصادي في إحدى الدول العربية، ولو كان صغيراً، يعد من أعسر الأمور، إذ يكلّف بدء نشاط تجاري في المنطقة 26% من الدخل القومي للفرد في المتوسط مقارنةً بـ3% في أوروبا.

شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا  أكبر عدد من الإصلاحات في مجال تأسيس الشركات الصغرى والمتوسطة وتشغيلها، منذ العام 2009، مع تنفيذ 35 إصلاحاً في 15 من اقتصادات المنطقة العشرين.

ولكن مع ذلك، يشير تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017، الذي أصدره البنك الدولي، إلى أن العوائق التي تقف في طريق تأسيس ونمو الشركات الخاصة في العالم العربي ما زالت كثيرة، منها ما يتعلق بالأوضاع السياسة والأمنية السائدة في المنطقة، وأغلبها مرتبط بالسياسات العامة للحكومات في المجال الاقتصادي والحوكمة.

Challenges-for-arab-business

الوضع الأمني والسياسي

يعتبر الوضع السياسي والأمني المضطرب العائق الأكبر أمام نشاط شركات القطاع الخاص في المنطفة.

في أعقاب موجة الثورات العربية دخلت ثلاث دول عربية في حروب أهلية، وقبلها كان لاحتلال العراق الأثر الكبرى على الوضع في المنطقة. فيما ساهم انتشار الجماعات الجهادية والهجمات الإرهابية في الكثير من الدول العربية في التأثير على قطاعات اقتصادية كانت تعيش ازدهاراً كبيراً في السابق كالسياحة.

فبحسب مسح أجراه البنك الدولي شمل 6000 شركة عربية، فإن 58% منها اعتبرت عدم استقرار الوضع السياسي كأحد أهم المعوقات التي تواجهها في نشاطها، أي أعلي بكثير من المعدل العالمي المقدر بـ30%.

أقوال جاهزة

شارك غردبدء نشاط تجاري في دولة عربية يكلف 26% من الدخل القومي للفرد..

شارك غردكم يوماً تحتاج لتحصل على الكهرباء لشركتك الناشئة في العالم العربي؟

وتواجه أربعة دول عربية هي سوريا، ليبيا، العراق واليمن انهياراً كاملاً في النسيج الاقتصادي بسبب الصراعات الداخلية والإرهاب. فقد أنفقت سوريا 54% من ناتجها المحلي الخام لسنة 2016 على العنف والعراق 53%، وفقاً لتقرير مؤشر السلام العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام. وتعاني مصر وتونس من ظاهرة الإرهاب، الأمر أثر على نشاط الأعمال تأسيسا ونمواً.

الرشوة والفساد

يضطر بعض أصحاب الأعمال لدفع الرشوة من أجل الحصول على أبسط الخدمات. فالحصول على التراخيص والوثائق في الخدمات العامة يأتي في المرتبة الرابعة ضمن أكثر الخدمات التي تتأثر بالرشوة في الدول العربية بنسبة 23%.

يحتل الفساد الإداري المركز الثاني كأحد المعوقات التي تقف في طريق تأسيس ونمو الشركات الخاصة في العالم العربي بنسبة 52% مقابل 34% للمعدل العالمي وفقاً للبنك الدولي.

ولا يبدو أن الوضع يسير نحو التحسن، فقد سجلت أغلب الدول العربية تراجعاً على مؤشر الفساد الدولي لسنة 2016، الذي صدر عن منظمة الشفافية الدولية، قياساً لنتائج العام 2015. فيما احتلت سبع دول عربية مراكز متأخرة جداً في المؤشر وصنفت ضمن أكثر الدول فساداً في العالم.

الحصول على الكهرباء

أكثر من أي وقت مضى وأكثر من أي منطقة في العالم تعاني الشركات الخاصة في العالم العربي من مشاكل في علاقة بالكهرباء.

أكثر من 39% من الشركات العربية تعتبر نقص الكهرباء وانقطاعات التيار المتكررة عائقاً أمام نشاطها ونموها، في منطقة تنتج 30% من النفط وتملك 41% من احتياطي الغاز في العالم.

كما تواجه الشركات الناشئة عوائق بيروقراطية في عملية الحصول على الكهرباء وربط مشاريعها ومكاتبها بالتيار الكهرباء، إذ يتجاوز معدل فترة الانتظار في العالم العربي الـ81 يوماً ويمكن أن يصل إلى 180 يوماً في الجزائر مثلاً.

أما مؤشر مدى موثوقية التغّذية فمنعدم لدى الكثير من الدول التي تتجاوز فيها مدة انقطاع الكهرباء 16 ساعة يومياً، ما يمكن أن يصيب النشاط الاقتصادي بالشلل التام.

الحصول على التمويل

يعتبر الحصول على التمويل أحد أهم التحديات التي تواجه الشركات في القطاع الخاص، خاصة إذ كانت حديثة التأسيس أو شركات صغيرة ومتوسطة. إذ اعتبر 34% من أصحاب الأعمال في المنطقة أن الحصول على التمويل يعد عائقاً أمامهم للنمو والتوسع في نشاطهم، وهي نسبة قريبة من المعدل العالمي المقدر بـ 28%.

ويعزى ذلك إلى امتناع البنوك عن إقراض الشركات الصغرى والناشئة خوفاً من المغامرات غير المحسوبة وارتفاع نسبة المخاطر. إلى جانب عدم وجود شراكات بين القطاع العام والخاص لإيجاد محاضن ومنصات لتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة باستثناء بعض المحاولات في دول الخليج والمغرب وتونس.

الأمل لايزال قائماً

على الرغم من الصعوبات التي يواجهها قطاع الأعمال في المنطقة العربية بوضعها السياسي والأمني الحالي وبسياسات حكومتها البطيئة في سيرها على طريق الإصلاح إلا أن الوضع ليس كارثياً.

حققت المنطقة تقدماً واضحاً في تذليل هذه الصعوبات، بحسب تقرير البنك الدولي حول ممارسة أنشطة الأعمال لسنة 2017، الذي أشار إلى أن 15 من اقتصادات المنطقة العشرين قد نفذت مجموع 35 إصلاحاً لتسهيل ممارسة أنشطة الأعمال. وتُعتبر هذه زيادة بارزة مقارنة بالمتوسط السنوي الذي بلغ 19 إصلاحاً خلال السنوات الخمس الماضية.

ويشير التقرير إلى أن البحرين مثلاً قد نفّذت إصلاحات في مجالات بدء النشاط التجاري والحصول على الائتمان والتجارة عبر الحدود. فقد سهّلت من عملية تأسيس الشركات الناشئة لرواد الأعمال غبر تخفيض الحدّ الأدنى لرأس المال بشكل كبير من 190% من الدخل القومي للفرد إلى 3%.

أما المغرب فقد جعلت بدء النشاط التجاري أسهل عبر استحداث بوابة إلكترونية لحجز اسم تجاري وتخفيض رسوم التسجيل. في المقابل نفّذت الإمارات التفتيش المبني على المخاطر خلال البناء، وانضمّت بذلك إلى 13 اقتصاد آخر في العالم قد تبنّوا هذا النوع من الممارسات الفضلى وجعلت بدء النشاط التجاري أكثر سهولة عبر تبسيط حجز الاسم وتوثيق عقد التأسيس ومزج إجراءات التسجيل.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي