مؤشر الفساد: الدول العربية إلى الوراء در، باستثناء دولة واحدة

مؤشر الفساد: الدول العربية إلى الوراء در، باستثناء دولة واحدة

الفساد في المنطقة العربية باقٍ ويتمدد، ويبدو أن إقامته بيننا ستطول. ذلك ما كشفت عنه نتائج تقرير مؤشر مدركات الفساد لسنة 2016، الذي صدر عن منظمة الشفافية الدولية.

سجلت أغلب الدول العربية تراجعاً في المؤشر وتفاقماً في معدلات الفساد قياساً لنتائج العام 2015، فلا نجد أي دولة عربية ضمن الدول العشرين الأولى في العالم، بينما يزدحم ذيل القائمة بأكثر من 7 دول عربية تحوز معدلات متدنية جداً في الشفافية والنزاهة.

ويقوم مؤشر مدركات الفساد، الذي بدأت في إصداره منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية منذ 1995، بترتيب 176 دولة حول العالم حسب مدى ملاحظة وجود الفساد وإساءة استغلال السلطة المؤتمنة من أجل المصلحة الشخصية لدى الموظفين والسياسيين. ويتم ذلك من خلال مسح لآراء الخبراء، وباعتماد ثلاثة مصادر متوفرة على الأقل لتقييم كل دولة.

وتصدرت الدنمارك للعام الثالث على التوالي الترتيب العالمي في الدول الأقل فساداً بـ90 نقطة، تليها نيوزيلاندا وفنلندا في المركز الثالث بـ89، فيما حلت الولايات المتحدة الأمريكية في المركز 18 بـ74 نقطة والصين مع الهند في المركز 79 عالمياً بـ40 نقطة.

العرب يتقدمون إلى الوراء

Corruption

باستثناء تونس التي تقدمت مركزاً واحداً في الترتيب العالمي وثلاث نقاط في المؤشر، فإن كل الدول العربية قد تراجع ترتيبها عن مؤشر العام 2015.

قطر التي كانت تحتل المركز الأول عربياً والـ22 عالمياً بـ71 نقطة، تراجعت للمركز 31 بـ61 نقطة، لتحلّ الإمارات في المركز الأول عربياً والـ24 عالمياً بـ66 نقطة لكنها هي الأخرى تراجعت عما حققتها في العام الماضي، إذ كانت تحتل المركز 23 بـ70 نقطة.

وتراجعت السعودية 14 مركزاً في الترتيب العالمي، واحتلت المركز 62 بـ46 نقطة فيما كانت في العام الماضي تحتل المركز 48 عالمياً بـ52 نقطة. كما تراجعت مصر بـ20 مركزاً، لكن عدد نقاطها لم يتراجع سوى نقطتين.

حافظ الأردن على المركز الثالث عربياً للعام الثاني على التوالي لكنه تقهقر في الترتيب العالمي من المركز 45 بـ53 نقطة في العام 2015 إلى المركز 57 بـ48 نقطة خلال 2016. واحتلت سبع دول عربية هي: العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان والصومال مراكز ضمن الدول الـ15 الأخيرة في الترتيب العالمي، وحلت الصومال في أخر الترتيب بعشر نقاط فقط.

وهذه الدول تشهد حروباً واضطرابات رفعت من معدلات الفساد وظاهرة الإفلات من العقاب وسوء الإدارة واستخدام السلطة في أوضاع استثنائية.

لم يكن التقدم الذي حققته تونس في الترتيب كبيراً، إذ تقدمت مركزاً واحداً عن العام الماضي، لكنها حسنت من عدد نقاطها في المؤشر من 38 نقطة في 2015 إلى 41 نقطة في 2016. ويعود ذلك إلى استئناف هيئة مكافحة الفساد لنشاطها منذ بداية العام 2016، وهي هيئة مستقلة قدمت للقضاء أكثر من 120 ملف فساد خلال 2016 من بينها ملفات ثقيلة تخص مسؤولين كباراً في الدولة.

ووفقاً لمؤشر الفساد، فإن السقف العالمي يجب أن يتجاوز الـ50 نقطة كي تُعتبر الدولة من الدول ذات المعدل الجيد في مكافحة الفساد. وبحسب السقف فإن أغلب الدول العربية، باستثناء الإمارات وقطر، هي تحت المعدل العالمي، و12 دولة عربية مصنفة ضمن الدول شديدة الفساد في العالم.

أقوال جاهزة

شارك غرد6 سنوات بعد الربيع العربي، لم يتغيّر شيء... الفساد في المنطقة العربية باقٍ ويتمدد

شارك غردالدولة الوحيدة التي شهدت تقدماً في مؤشر الفساد هي تونس، وأكبر تراجع يسجّل لقطر

الفساد يأتي بالشعبويين إلى السلطة

وكشفت منظمة الشفافية الدولية عن أن 69% من الدول المصنفة ضمن الترتيب العالمي وعددها 176 دولة لم تتخطَّ سقف الــ50 نقطة على مؤشر مدركات الفساد للعام 2016.

وقالت المنظمة إن تفشي الفساد على مستوى العالم يدفع إلى المزيد من السخط الشعبي على الحكومات ويؤدي إلى نتائج عكسية ويوفر أرضية جيدة لنشاط القوى السياسية الشعبوية والدينية في صفوف الناس، ويمكن أن يساعدها على الوصول إلى السلطة كما حدث مع دونالد ترامب في الولايات المتحدة وموجات صعود اليمين الشعبوي في أوروبا الغربية أو القوى الدينية في مناطق عدة من العالم، مشيرةً إلى أن ذلك يمكن أن يؤثر على الحريات والصحافة وحقوق الإنسان في المدى المتوسط والبعيد.

ولفتت المنظمة إلى أن التواطؤ بين الشركات والسياسيين في بعض الدول يخلق نوعاً من الفساد الكبير الذي يمكن أن تكون له أثار على حقوق الإنسان، من خلال عرقلة التنمية وتعزيز التهميش الاجتماعي.

لا نزاهة بلا ديمقراطية

وتتميز البلدان التي سجلت المراتب الأولى في المؤشر العالمي بمستويات عالية من حرية الصحافة، وإمكانية الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالميزانية العامة، كما يتميز المسؤولون في السلطة فيها بمستويات عالية من النزاهة، وتتمتع سلطاتها القضائية بالاستقلالية عن السلطات الأخرى، وتنقص فيها معدلات التميز وفقاً للفوارق الطبقية.

في المقابل تعاني الدول التي جاءت في ذيل الترتيب من الحروب والصراعات السياسية والطائفية، وهي دول لا تتمتع بحكومة رشيدة، وتعاني من ضعف المؤسسات العامة كالشرطة والقضاء، وتغيب فيها حرية التعبير والصحافة الحرة ويكاد ينعدم فيها نشاط المجتمع المدني المستقل عن السلطة السياسية.

وأشارت المنظمة إلى أن العام المنصرم قد شهد تفجر العديد من الفضائح المالية التي تعلقت بسياسيين متهمين بشبهات فساد، من بينها قضية عزل الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف من منصبها، بعد أن وجهت إليها تهمة إخفاء معلومات حول الحسابات العامة، وملف وثائق بنما الذي طال رؤساء دول وشخصيات بارزة أخرى متهمة بالتهرب الضريبي وتهريب أموالها إلى ملاجئ ضريبية غير قانونية.

ودعت المنظمة إلى مزيد من الإصلاحات الجذرية والعميقة لمكافحة ظاهرة الفساد من خلال سن مزيد من القوانين والتشريعات لمكافحة الظاهرة وحماية المُبلغين عن الفساد والشهود والإثراء غير المشروع وكذلك تعزيز الشفافية من خلال فتح السجلات العامة والتجارية لمراقبة نشاط المؤسسات ومحاصرة التهرب الضريبي والجبائي وتبيض الأموال.

ولفتت إلى أن بناء النظم الديمقراطية القوية هو الكفيل بالحد من معدلات الفساد من خلال حرية التعبير والصحافة وقوة المجتمع المدني واستقلال السلطة القضائية، وكل ذلك سيشكل ضغطاً على السياسيين في السلطة ويمكن من محاسبتهم إن وقعوا في الفساد.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي