متى تدخل الدول العربية النادي النووي؟

متى تدخل الدول العربية النادي النووي؟

فجر السادس من أب 1945 ألقت طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي قنبلة نوويةً على مدينة هيروشيما اليابانية وغابت وسط الدخان، مخلفةً أكثر من 70 ألف قتيل. هذا ما تبقى في ذاكرة الإنسانية حول كل مشروع نووي، طاقةً وسلاحاً.

وبدا للعرب، منذ منتصف القرن العشرين، أن هذا السلاح السحري، الذي أخضع الإمبراطورية اليابانية وأعادها إلى ما قبل التاريخ في أربع وعشرين ساعة، قادر على دحر غريمهم الإسرائيلي في المنطقة، وأقله، إحداث نوع من توزان القوة معه.

لكنهم لم يفكروا في المغانم السلمية من الطاقة النووي، في منطقة تسبح فوق بحر من الغاز والنفط ولا تعير كبير اهتمام بتنويع مصادرها الطاقية أو لسدّ احتياجاتها المستقبلية.

وفي ظل الحاجة لمزيد من الطاقة، أعلنت دول عربية عديدة خلال السنوات الأخيرة نيتها إنشاء مشاريع نووية لأغراض سلمية. لكن هذه النيات بقية حبراً على ورق. فباستثناء الإمارات العربية المتحدة، لم يرَ أي مشروع عربي النور حتى اليوم.

Intext_nuclear-economy-table-1

مصر

عقب الحرب العالمية الثانية، تشكلت حركة عدم الانحياز، التي كانت ثمرة تعاون بين الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الهندي، جواهر لال نهرو. امتد هذا التحالف ليشمل مجالات التصنيع الطاقة.

بدأت مصر والهند مشاريعهما النووية بتنسيق وتعاون في الفترة نفسها. في العام 1975 أنشأت مصر مؤسسةً للطاقة الذرية ثم افتتحت في العام 1961 مفاعلاً نووياً للبحث والتدريب بمنطقة أنشاص، تم توريده من الاتحاد السوفياتي.

بدت المحاولات المصرية الأولى المعلنة في المجال النووي، تهدف إلى إنتاج طاقة نوية ذات أغراض سلمية، لكنها كانت غطاءً للمساعي الناصرية لامتلاك سلاح يضاهي أو يفوق ما تملكه إسرائيل. فالمشروع النووي المصري بنسخته الناصرية لم يكن إلا جزءاً من استراتيجية المواجهة الشاملة مع إسرائيل، والدليل أنه توقف في إثر هزيمة حزيران 1967.

بعد حرب أكتوبر 1973، عاود السادات التفكير في استئناف المشروع النووي، وحاولت مصر تركيز محطة نووية في منطقة سيدي كرير الساحل الشمالي الغربي في العام 1974. لكن أحلام السادات اصطدمت بشروط أمريكية تعجيزية منها إخضاع مصر للتفتيش، ليتوقف المشروع نهائياً.

أقوال جاهزة

شارك غردبين أحلام التسلح والحاجة إلى الطاقة، المشاريع النووية العربية تراوح مكانها...

شارك غردباستثناء الإمارات العربية المتحدة، لم يرَ أي مشروع نووي عربي النور حتى اليوم، رغم المحاولات الكثيرة

بعد رحيل السادات، قررت مصر في عهد مبارك استئناف برنامجها النووي، لكن لسد احتياجاتها من الكهرباء هذه المرة، ووضعت خططاً لإنشاء ثماني محطات نووية، لكن المشروع توقف مرةً أخرى عقب الانفجار الذي هز مفاعل تشيرنوبيل الأوكراني في عام 1986.

لاحقاً، أعلنت مصر استئناف دراسة المشروع في 2007. وفي تشرين الثاني 2015 وقعت مع روسيا اتفاقية لبناء محطة للطاقة النووية في الضبعة شمال غرب البلاد، تضم أربعة مفاعلات، على مدى 12 عاماً، تبلغ طاقة كل منها 1200 ميغاواط.

الإمارات

في العام 2009 أطلقت الإمارات برنامجها للطاقة النووية، وفي السنة نفسها تأسست مؤسسة الإمارات للطاقة النووية التي ستشرف على أربعة مفاعلات نووية في منطقة براكة، موجهة حصراً لإنتاج الطاقة.

ووفقاً للمؤسسة، فإن "تزايد الطلب على الطاقة في الدولة بمعدل سنوي قدره 9%، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي يجعل توفير مصدر موثوق به للطاقة الكهربائية أمراً في غاية الأهمية للنمو المستقبلي في الدولة، كما سيوفر المشروع طاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 5.6 جيغاواط، وستبدأ الوحدة الأولى بتوليد الكهرباء في العام 2017.

السعودية

واجهت السعودية سابقاً شكوكاً حول حيازتها أسلحة نووية في مواجهة غريمها الإيراني في المنطقة، لكن ذلك بقي في دائرة الشك فقط.

ورغم الثراء الطاقي التي تتميز به المملكة فإنها تسعى لإنشاء مشروع نووي لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة.

في عام 2010 دشنت السعودية مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة لتعمل على "اقتراح سياسة وطنية للطاقة الذرية والمتجددة وتنفيذ الخطة الاستراتيجية اللازمة لها". وأعلنت في 2011 عزمها إنشاء 16 مفاعلاً نووياً بتكلفة إجمالية قدرها 300 مليار دولار بحلول العام 2030.

Intext_nuclear-economy-table-2

الأردن

في عام 1986 أطلق الأردن خطة عمل تهدف إلى إدخال وتعميم استخدامات الطاقة النووية. ويستورد الأردن قرابة 98% من طاقته الناتجة عن منتجات النفط ويكافح للوفاء بالطلب على الكهرباء الذي يتزايد بنسبة أكثر من 7% سنوياً بسبب زيادة عدد السكان والتوسع الصناعي، كما يحتاج الطاقة النووية في تحلية مياه البحر، إذ تُعتبر الأردن واحدة من أفقر خمس دول مائياً في العالم.

وفي أذار 2015، وقعت السلطات اتفاقية مع شركة روساتوم للطاقة النووية المملوكة للحكومة الروسية تشتمل على إنشاء محطة تتألف من وحدتي طاقة في عمّرة في شمال البلاد بحلول 2022 بطاقة إنتاج 2000 ميغاواط.

الجزائر

نهاية ثمانينات القرن الماضي بدأت الجزائر في إنشاء مفاعلَين بحثيَّين نوويين بدعم من الصين في مدينتَي الدرارية وعين وسارة. لكن البلد صاحب الثروات النفطية والغازية لم يكترث إلا مؤخراً لضرورة تنويع مصادر الطاقة لمواجهة الطلب المتنامي على الكهرباء، ففي أيار 2013 أعلن وزير الطاقة والمناجم الجزائري، يوسف يوسفي، أن بلاده تعتزم إنشاء أول محطة نووية لها عام 2025، في بلد تزايد استهلاك الكهرباء فيه خلال السنوات الأخيرة بنسبة تراوح بين 15 و20%.

تونس المغرب

أما تونس فقد وقعت في العام 2006 اتفاقاً مع فرنسا لإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء النووية وستكون جاهزة عام 2020.

وفي سبتمبر 2016، وقعت على اتفاقية تعاون مع روسيا في مجال استعمال العلوم والتكنولوجيات النووية، تهدف إلى تحديد الأطر القانونيّة للتعاون، ووضع البرامج وخطط العمل التي من شأنها تمكين تونس من الانتفاع بمساعدة تقنية ثنائية في مجال التنمية، ومن تبادل الخبرات وتدعيم القدرات لاستغلال التطبيقات النووية الجديدة في شتى القطاعات.

في المقابل يملك المغرب مفاعلاً نووياً لاستخدامات طبية وصناعية، هو مفاعل المعمورة بطاقة إنتاج ضعيفة نسبياً لا تتعدى 2 ميغاواط.

العراق

على خطى مصر، كان العراق الدولة العربية الثانية التي فكرت في إنشاء مشروع نووي. في عام 1968 افتتح العراقيون مفاعلاً بحثياً مورداً من الاتحاد السوفياتي. وبعد وصول صدام حسين إلى السلطة، أسس في عام 1975 محطة نووية خارج سيطرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتعاون مع فرنسا.

في عام 1976، أسس مفاعلاً ثانياً. لكن إسرائيل شكّت في الأغراض العراقية من وراء المشروع النووي ودمرت بطائراتها في حزيران 1981 مفاعل تموز جنوب شرق بغداد. وقبل ذلك كانت يد الموساد، قد امتدت لتغتال عالم الذرة المصري، يحي المشّد، أحد المشرفيين على البرنامج النووي العراقي، في فندق بباريس.

ليبيا

لم تكن التجربة الليبية أكثر حظاً من نظيراتها في مصر والعراق، لكن نهايتها كانت غريبةً إلى أبعد الحدود.

منذ بداية السبعينات سعى معمر القذافي إلى إقامة برنامج نووي، لكنه لم يجد تجاوباً من الصين وروسيا، اللتين طرق أبوابهما من أجل ذلك، ووجد التجاوب لدى الباكستان.

وإلى العام 1984 كان التعاون الليبي الباكستاني ضئيلاً، لكنه توسع بعد أن اكتسبت الباكستان قدرات نووية تسليحية كاملة. وقد ساهم أبو القنبلة النووية الباكستانية، عبد القدير خان، في دعم المشروع الليبي علمياً.

ولكن فجأةً توقف كل شيء. أشهر قليلة بعد سقوط بغداد بيد الاحتلال الأمريكي، شحنت ليبيا أجزاءً من برنامجها لتطوير أسلحة نووية إلى معمل أوك ريدج في ولاية تنيسي الأمريكية أواخر كانون الثاني 2004، وقالت إنها تخلت عن جهودها لتطوير أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية، وسمحت لمفتشين أمريكيين بتفتيش مواقع أسلحتها وإزالة المعدات الحساسة.

أبرز التحديات

وتواجه المشاريع العربية النووية القائمة العديد من التحديات، أهمها الكلفة المالية العالية لإنشاء هذه المشاريع. وكذلك التحدي البيئي، خاصة أن الذاكرة العالمية حافلة بكوارث خلفها التسرب الإشعاعي، آخرها ما وقع في اليابان في عام 2011 في محطة فوكوشيما داييتشي النووية بعد هزة أرضية. هذه الكارثة دفعت الكويت مثلاً إلى إلغاء مشروعها لإنشاء محطة طاقة نووية.

كما تطرح مسألة الاضطرابات السياسية والحروب في المنطقة تحدياً آخر أمام قيام مشاريع نووية منتجة ومفيدة. فهذه المشاريع تحتاج إلى تأمين عال، خاصة من التهديدات الإرهابية، فإن وقعت يوماً تحت طائلة الاستهداف من الجماعات المسلحة، فستكون عواقبه كارثية.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي