رحلة صعود وهبوط مصر للطيران

رحلة صعود وهبوط مصر للطيران

كانت مصر للطيران تحقق مكاسب وافرة عشية اندلاع الثورة المصرية عام 2011، لكن صناعة رحلات الطيران والسياحة، وجهان لعملة واحدة.

فإذا حصل قصور في الطيران، تأثرت السياحة، واذا حدث خلل في السياحة، تأثرت صناعة رحلات الطيران.

اعلان


هذا بالضبط هو الفخ الذي وقعت فيه مصر للطيران، وهي حتى الآن، تحاول الخروج منه. كيف كانت بداية هذه الشركة، وما هو موقعها الحالي على خريطة صناعة رحلات الطيران؟ وما الذي أدّى إلى دخولها مطبات هوائية يصعب عليها الخروج منها؟

إليكم مسحاً بالأرقام لمصر للطيران، مع التركيز على أوجه القصور التي تصعّب الأمر على الشركة المصرية، للخروج من كبوتها.

حين كانت الأولى في الشرق الأوسط

أنشئت شركة "مصر ايروايز"، التي أصبحت في ما بعد شركة مصر للطيران، بمرسوم ملكي سنة 1932.

وكانت سباقة حينها، إذ كانت العضو السابع في الهيئة الدولية للملاحة الجوية (IATA)، وأول شركة طيران تنضم إليها من الشرق الأوسط وأفريقيا.

أنشأ أول خط ملاحي دولي للشركة سنة 1934 بين القاهرة وفلسطين، وكانت طائرات مصر ايروايز تهبط في القدس.

وبدأت وجهات الشركة الدولية تزداد لتشمل اليوم رحلات مباشرة إلى 70 مدينة حول العالم، منها 24 دولة أوروبية، و18 أفريقية، و24 آسيوية واثنتان في أمريكا الشمالية، بالإضافة إلى عدة جهات محلية.

وقد تغيرت أسعار البطاقات كثيراً خلال عمر الشركة، الذي تخطى الثمانين عاماً. فوفقاً للرحالة المصري علي بدوي، صاحب سلسلة كتب مشاهداتي حول العالم، كان ثمن تذكرة الذهاب من القاهرة إلى بيروت سنة 1958 نحو 9 جنيهات فقط، أي ما يعادل الدولار الواحد. أما الآن، فتبلغ قيمة التذكرة نحو 1200 جنيه، أي 135 دولاراً.

تحولت الشركة في شهر يوليو سنة 2002 إلى شركة قابضة، تخضع لإدارتها تسع شركات هي الخطوط الجوية، ومصر للطيران اكسبريس، والسياحة والسوق الحرة، والصيانة والأعمال الفنية، والخدمات الأرضية، والخدمات الجوية، والخدمات الطبية، والصناعات المكملة، وطيران الشحن.

نجاحات صغيرة وإخفاقات كبيرة

لعل أحد أهم إنجازات مصر للطيران، أنها استطاعت في 17 يوليو 2008 الانضمام إلى تحالف ستار، الذي يضم نحو 450 وجهة حول العالم، ما يوسع محور المدن لعملائها. لكن هذا الأمر لم يغير حقيقة أن خطوط مصر للطيران، تفتقر إلى رحلات مباشرة في القارة التي تنتمي إليها، أفريقيا. فهي تغطي نحو 8% فقط من عواصم القارة. في الوقت الذي تصل شركة الطيران الفرنسية، "اير فرانس" إلى نحو 70  وجهة افريقية، وشركة الطيران الأثيوبية إلى 58 مطاراً في القارة.

تمتلك "مصر للطيران" اليوم، أسطولاً قوامه 54 طائرة، ما يجعلها واحدة من كبرى الشركات في الشرق الأوسط. فقوام أسطول شركة الخطوط الجوية الأثيوبية، التي تعتبر من الخطوط الرائدة على مستوى أفريقيا 82 طائرة.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة صعود مصر للطيران، ثم سقوطها المدوّي...

شارك غردعدد الموظفين في مصر للطيران يبلغ نحو 34000 موظف، ما يعني أن نصيب كل طائرة نحو 630 موظفاً!

لكن ضخامة الشركة، وعظم عدد طائراتها لا يعنيان بالضرورة نجاحها، فمصر للطيران تعاني من ديون داخلية لوزارة البترول، تقدر بمليارات الجنيهات المصرية، بالإضافة إلى ديونها لشركات الطيران العالمية بمئات الملايين من الدولارات الأمريكية. أضف إلى تلك الديون، مرتبات الموظفين التي تثقل كاهل الشركة.

ووفقاً للدكتور أحمد عبد الغني، أستاذ إدارة الأعمال في جامة أمبري-ريدل ومؤلف كتاب Modeling Applications in the Airline Industry، فإن صناعة الطيران تنافسية تخضع لقواعد السوق. ومصر للطيران، وفقاً للخبير في اقتصاديات الطيران، تعاني من تخمة في عدد الموظفين تصعب تنافسها أكثر وأكثر.

وطبقاً لموقع Flightglobal الأكاديمي، فإن إجمالي عدد الموظفين في مصر للطيران يبلغ نحو 34000 موظف، ما يعني أن نصيب كل طائرة نحو 630 موظفاً، وهو رقم كبير جداً بأي حال من الأحوال.

فإذا قارنا هذه الحال مع حال شركة "ساوث ويست إيرلاينز"، وهي إحدى الشركات الرائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، سنجد أن عدد موظفيها 50000، وعدد طائراتها 707، أي أن نصيب كل طائرة نحو 71 موظفاً فقط.

يأتي هذا بالتوازي مع تدني مستوى امتلاء رحلات مصر للطيران، فمتوسط امتلاء الطائرات لديها 66%. ويكفي أن نعرف أن متوسط امتلاء الطائرات لطيران الاتحاد المنافس لها في بعض الخطوط هو 79.4%.

كيف ولى زمن الأرباح الكبيرة بعد ثورة 2011

كانت مصر للطيران تحقق أرباحاً سنوية وصلت إلى 38 مليون دولار قبل الثورة في 2009.

لكن الآثار الضخمة الكارثية لعدم الاستقرار، الذي تلى الثورة، جعل الخسائر تتوالى على مصر للطيران، وبلغت عام 2011، 378 مليون دولار، وعام 2012، 312 مليون دولار، لتتفاقم عام 2013، وتبلغ خسارتها 419 مليون دولار.

بدأت الشركة في استعادة توازنها سنة 2015، لينخفض حجم الخسائر إلى 132 مليون دولار فقط.

بالطبع ليست إدارة مصر للطيران فقط هي المتسببة بهذا القدر الهائل من الخسائر، إذ تعتبر الحالة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، المؤثر الأقوى في هذا الانحدار.

علماً أن السنوات التي تلت 2011، أثرت على السياحة بشكل كبير.  وزاد الموقف تعقيداً حادث انفجار الطائرة الروسية بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ، وطائرة مصر للطيران التي سقطت في مياه البحر المتوسط، أثناء رحلتها الآتية من فرنسا. فضلاً عن عزوف الكثير من المصريين العاملين في الخارج عن قضاء عطلاتهم السنوية في مصر، بسبب سوء الأوضاع وعدم الاستقرار.

هل من حل؟

لا شك أن لأزمة مصر للطيران الحالية شقين من المسببات، داخلية متعلقة بإدارة الشركة، وخارجية نابعة من الحالة الاقتصادية والأمنية المتدنية، التي تخضع لها البلاد، وتالياً القطاعات الاقتصادية كلها.

الحلول التي في يد إدارة مصر للطيران، وفقاً للدكتور عبد الغني، تكمن في ثلاثة أمور: الأول هو التخلص من العمالة الزائدة، ومقارنة أرقام الشركة بالمعدلات العالمية. الأمر الثاني هو التركيز على الوجهات التي تحقق ربحاً، وقطع الوجهات التي تحقق عجزاً أو خسارة، ولو في الفترة الحالية. الأمر الثالث هو الاهتمام بتطوير قطاع خدمة العملاء، إذ تقدم جميع شركات الطيران اليوم خدمات متماثلة، وإذا تساوت الأسعار والخدمات المقدمة، فغالباً الابتسامة هي التي تحسم الاختيار.

كلمات مفتاحية
الطيران مصر

التعليقات

المقال التالي