الحكومات العربية مُخيّرة بين تمكين الشباب والفوضى

الحكومات العربية مُخيّرة بين تمكين الشباب والفوضى

لن يكتفي الشباب العربي بلعب دور الغالبية الصامتة، بعد اليوم. فهذه الشريحة المُهيمنة ديمغرافياً في المجتمعات العربية، تطالب بالمزيد من التمكين في إدارة الشأن العام، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وأي تباطؤ في فتح المجال أمام هذه القوة الاجتماعية الصاعدة، سيحولها من طاقة هائلة للبناء إلى قوة كاسحة للهدم. ذلك ما حذرت منه النتائج التي خلُص إليها تقرير التنمية الإنسانية العربية 2016، الذي صدر أخيراً في بيروت، عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحت عنوان "الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في الواقع متغير".

هذا التقرير هو السادس في سلسة تقارير التنمية الإنسانية العربية، التي بدأت تصدر منذ عام 2002، ويأتي بعد مرور 5 سنوات من انطلاق موجة الثورات العربية عام 2011، التي شهدت خلالها المنطقة تغيرات سياسية واجتماعية جذرية وصراعات أهلية دامية، لم تنته بعد، وكان الشباب وقودها وضحيتها في آنٍ واحد. لكن التقرير الأممي يؤكد أن الشباب سيكون بيدهم مفتاح الحل مستقبلاً.

اعلان


Arabs-time-to-lead2_Adopt-A-Negotiator_flickr

خزان اجتماعي هائل

يراهن التقرير على الشباب في المنطقة العربية كقوة تغير إيجابية للأوضاع الراهنة، منطلقاً من ظروف موضوعية شرحتها مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هيلين كلارك، في مقدمة التقرير: "يقدم التقرير حجتين رئيسيتين للاستثمار في الشبابِ في المنطقة: الأولى، أن ما يقارب ثلث سكان المنطقة هم من الشباب في أعمار 15 -29 سنة، وهناك ثلث آخر يقل عمرهم عن 15 عاماً، ما يضمن استمرار هذا الزخم السكاني إلى العقدَين المقبلين على أقل تقدير، ويُوفِّر فرصةً تاريخية يتحتّم على البلدان العربية اغتنامُها. والحجة الثانية: يُؤكِّد التقريرُ على أن موجةَ الاحتجاجات التي اجتاحت عدداً من البلدان العربية منذ العام 2011، وكان الشباب في طليعتها، أفضت إلى تحولاتٍ كبيرة عبر المنطقة كلها (...) وتمكين الشباب وإشراكهم في هذا المنعطف المهم من تاريخ المنطقة أمران حيويان لوضع أسسٍ جديدة وأكثر استدامةً للاستقرار".

تشير أحدث الإحصائيات إلى أن أعمار ثلثي سكان المنطقة العربية اليوم تقل عن 30 عاماً، نصفُهم في الشريحة العُمرية 15 -29 سنة. وهؤلاءِ هم الذين يعتبرهم التقرير شباباً، ويقدر عددهم بأكثر من مئة مليون. هذه الكتلة السكانية غير المسبوقة في تاريخ المنطقة من شبابٍ في أهم سنوات القدرة على العمل والعطاء تكون طاقة هائلة قادرة على دفع عجلة التقدم الاقتصادي والاجتماعي إذا أتيحت لها الفرصة.

Arabs-time-to-lead1_Adopt-A-Negotiator_flickr

التحديات

يكشف التقرير عن ستة تحديات تقف حجر عثرة في طريق تمكين الشباب في المنطقة العربية هي: ندرة فرص العمل اللائق، ضعف المشاركة السياسية، انخفاض جودة الخدمات العامة في مجالَي التعليم والصحة، سوء إدارة التَنوّع في المجتمع، انتشار مفاهيمَ وممارساتٍ موروثة تعيق المساواة بين الجنسين، والصراعات الدامية التي تقوض مكتسَبات التنمية في المنطقة.

ندرة فرص العمل اللائق

وتبرز البطالة وقلة فرص العمل كأبرز الحواجز التي تقف أمام الشباب العربي، ليتحول إلى قوة بناء في مجتمعه. يحلل التقرير النتائج الرئيسية لسوق العمل في ما يخص الشباب في المنطقة العربيّة، إذ يُسجّل معدلاتٍ منخفضة جداً لمشاركتهم في القوى العاملة، تصل إلى ما يقارب 24%، وتنخفض إلى ما دون 18% بين الشابات، وهو أدنى معدل مقارنة ببقية مناطق العالم. ونسبة البطالة بين الشباب هي الأعلى لهذه الفئة العمرية في العالم، إذ تقترب من 30%. ترتفع هذه النسبة لدى الشباب ذي التأهيل العالي، وهذا ما يدفع قطاعات واسعة منهم إلى الانتماء للجماعات الإرهابية. كما لا يبدو أن هناك تحسناً في الأفق في قدرة الحكومات على خلْق فرص عملٍ كافيةٍ ولائقة، خصوصاً في ظل هبوط أسعار النفط والآثار السلبية لذلك في النمو الاقتصادي في المنطقة.

ضعف المشاركة السياسية

ويؤكد التقرير أن ضعف المشاركة السياسية للشباب العرب من التحديات التي تعيق تمكين هذه الشريحة. فتكفي نظرة عاجلة على أعمار الرؤساء العرب والزعامات السياسية في المنطقة لنكتشف حجم المشاركة السياسية للشباب في المنطقة. ويعود ذلك، وفقاً للتقرير، إلى طبيعة الحياة السياسية في البلدان العربية التي توجد فيها قوانين وممارسات ذات طابعٍ إقصائي عموماً، لكنه يكشف في الوقت نفسه تطوراً إيجابياً في هذا المجال. فيشير إلى أن اهتمام الشباب بالمشاركة السياسية يتزايد. ففي البلدان التي تشهد انتقالاً سياسياً، يتفوق الشباب في اهتمامهم بالسياسة على من يكبرهم سناً، لكن نادراً ما يترجم هذا الاهتمام إلى مشاركة رسمية، إلا بين الشباب الأفضلِ تعليماً، وحتى هؤلاء، غالباً يقتصر نشاطهم على المشاركات في التظاهرات.

أقوال جاهزة

شارك غردأي تباطؤ في فتح المجال أمام الشباب اليوم، سيحولهم من طاقة هائلة للبناء إلى قوة كاسحة للهدم

سوء إدارة التَنوّع في المجتمع

كما يمثل الفشل في إدارة التنوع المجتمعي في المنطقة، وفقاً للتقرير، تحدياً آخر للشباب، فالاستقطاب حول قضايا الهوِية في المنطقة العربية يحول الانتباه عن التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تواجهها مع أن المشكلة لا تتمثل في تنوع الهويات، دينيةً كانت أو عرقية أو ثقافية، في حد ذاته، ولكن في كيفية إدارة هذا التنوع على المستوى الاجتماعيِ-السياسي، وبواسطة القوانين والمؤسسات على مستويي النص والتطبيق. فالإخفاق في ضمان المساواة بين جميع المواطنين يجعل جماعاتٍ عديدةً من مواطني البلدان العربية وقاطنيها عرضةً للتمييز، وأكثرَ ميلاً إلى التكتّل على أساس مصالحَ فئويةٍ قد تصطدم بالمصالح المشتركة العابرِة للفئات كافة.

إلى جانب العقبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العديدة، التي يعيشها الشباب في المنطقة العربية، فإن الحروب الطاحنة التي تدور رحاها في أكثر من بلد في المنطقة، تقضي على ما تبقى من أمل لدى الشباب في تحقيق نجاحات في بيئاتهم المحلية.

الشابات والتمّيز المُضاعف

يلفت التقرير إلى أن الشابات يعانين انعدامَ المساواة بين الجنسين في غالبية البلدان العربية. ويدفعن ثمن عدم تمكين الشباب مضاعفاً من جراء المفاهيم والممارسات الموروثة. ففي مرحلة ما قبل الزواج، مثلاً، تحدّد التوقعاتُ الاجتماعية إلى حد كبير الخيارات المتاحةَ لهن، خصوصاً تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي والموارد التي يمكنهن النفاذ إليها. كما لا يزال تمييز أرباب العمل ضد النساء أمراً شائعاً، وحقوق الرجال والنساء في الزواج والطلاق غير متساوية. بينما تبقى النساء أكثر عرضة للعنف المنزلي والمؤسساتي بأشواطٍ، وبشكلٍ متواصل. ويظل تقصيرُ الحكومات في توفير حمايةٍ حقيقية للمرأة ضد العنف والاغتصاب والقتل، في سياق ما يسمى بجرائم الشرف، عبئاً إضافياً كبيراً على الشابات الساعيات إلى تأسيس حياتهنّ كبالغاتٍ مستقلاّت.

ويشير التقرير إلى أن تنامي تأثير القوى الاجتماعية والسياسية المتزمتة ذات الإيديولوجيات التمييزية بين النوعين الاجتماعيين، واتجاهِها إلى بناء تحالفاتٍ في ما بينها، سيعمق قطعاً الفجوةَ في تمكين الشابات، وقد تتمكن تلك القوى من تعطيل أو حتى عكس المكاسب الصغيرة، التي تحقّقت على مدى العقود الماضية في مجال العلاقة بين النوعين الاجتماعيين.

تمكين الشباب أو الفوضى!

أخطر ما وصل إليه التقرير هو دق ناقوس الخطر للحكومات العربية، حول إمكانية تحول هذه القوة الديمغرافية الهائلة، إلى طاقة تدمير، إن لم تجد لها موقعاً في مجتمعها، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ويفصل التقرير ذلك: "الاستمرار في تجاهُل أصوات الشباب وإمكاناتهم، والاكتفاءِ بمبادراتٍ صُوَريّة أو مجتزأة لا تُغيّر واقعَهم، يُذكي اغترابَهم عن مجتمعاتهم أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، ويدفعهم إلى التحوّل من قوةٍ بنّاءة في خدمة التنمية إلى قوةٍ هدّامة تُسهم في إطالة حالة عدم الاستقرار، وتُهدِّد أمنَ الإنسان بمختلف أبعاده، التي أثارها تقريرُ التنمية الإنسانية العربية للعام 2009، بشكلٍ خطير قد يُجهض عمليةَ التنمية برمّتها".

ويُنبّه التقريرُ إلى أن سياسات وممارسات الإقصاء في مختلف المجالات، وعدم كفاية الحماية الموفّرة للحريات العامة، وحقوق الإنسان، وضعف التنافسية الاقتصادية، والتقصير في إرساء دعائم الحكم الرشيد، ولا سيما في جوانبه المتعلقة بالشفافية والمساءلة، تُهدد مستقبل الشباب وآفاقهم بشكلٍ متزايد. وتستقطب هذه العواملُ بعض الشباب إلى مواقع معرقلةٍ للتنمية، بما في ذلك إيديولوجياتُ التطرف العنيف. خصوصاً في ظل ما تشهده بلدانٌ عدّة من تعاظمٍ في وتيرة النزاعات، وهشاشةِ مؤسسات الدولة، واختلالِ العلاقة بين السلطة السّياسية والقوى المجتمعية.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي