الجنان الضريبية: مغارة كنوز أثرياء العالم

الجنان الضريبية: مغارة كنوز أثرياء العالم

تهدف نسب الضرائب على الدخل أو الأرباح في التشريعات الضريبية عادةً، إلى جعل الشركات الأكثر استفادة من النشاط الاقتصادي، تحمل العبء الضريبي الأكبر الذي يتناسب مع دخلها، مقابل حصص أصغر للشركات التي تملك دخلاً محدوداً أو المشاريع الصغيرة. ولكن حول العالم جنات ضريبية يسمح فيها للشركات ورجال الأعمال والسياسيين باستسمار أموالهم في بيئة غير ضريبية (تاكس فري). فلا يضطرون لدفع ضرائب على أرباحهم، أو للإفصاح عن أنشطتهم أصلاً، والتقديرات تتحدث عن أكثر من 21 تريليون دولار مخبأة في دول ذات ضرائب معدومة أو منخفضة حول العالم. كيف تصل هذه الأموال إلى جنانها الضريبية؟ ومن هم أهم زبائن وأسواق هذه العمليات؟

كيف تتهرب من الضرائب؟

فلنقل إنك قمتَ بشراء طن من الحديد من موريتانيا بمبلغ 200 دولار، وبعته لشركة مقاولات في مصر بمبلغ 500 دولار، ولكنك لا تريد أن تدفع ضرائب على 300 دولار من الأرباح، سواء كانت مستحقة للحكومة المصرية أو الموريتانية. العملية تجري كالتالي: تنشئ ثلاث شركات، الأولى في موريتانيا، الثانية في جنة ضريبية، والثالثة في مصر. تشتري شركتك في موريتانيا الحديد ثم تبيعه للشركة الوهمية في الجنة الضريبية، التي بدورها تبيعها للشركة الوهمية في مصر، التي تبيعها بدورها لشركة المقاولات في مصر. في هذه الحالة، الشركة الموريتانية تبيع الحديد بمبلغ 200 دولار لشركة الجنة الضريبية، وبالتالي لا يوجد أرباح تدفع ضرائب عنها. والشركة المصرية تشتريه وتبيعه بمبلغ 500 دولار، لا أرباح ولا ضرائب من جديد. وشركة الجنة الضريبية التي ربحت نظرياً 300 دولار، لا تدفع أي ضرائب، أو ضرائب منخفضة، كونها خاضعة لقوانين "الجنة" الضريبية.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف يتهرب الأغنياء من الضرائب؟

شارك غردلبنان في المرتبة السابعة عالمياً في مؤشر السرية المالية، والبحرين في المرتبة التاسعة... جنان ضريبية مثالية!


بالطبع لا تجري العملية بهذه البساطة، لكن القوانين التي تصدر باستمرار لمنع هذا النوع من الالتفاف ما زالت عاجزة عن التفوق على أساطيل المحامين والمحاسبين، الذين يتولون القيام بهذه الإجراءات. والحرص على تحديثها وعدم مخالفتها للقانون أو التسبب للعملاء بمواجهة أي قضاء. لا يعني اللجوء للجنان الضريبية التهرب من الضرائب بالضرورة، إنما أيضاً من قوانين الشفافية المالية، أو الجني غير المشروع، وغيرها من المصاعب، التي قد تعيق جمع الثروة أو الحفاظ عليها. كلجوء الكثيرين للجنان الضريبية لتفادي حجز أو حتى مصادرة الجزء الأكبر من ثرواتهم، في حال تعرضهم للمحاسبة لاحقاً، أو ببساطة لرغبتهم ببعض الخصوصية.

اعلان


"خصوصية" غوغل وفيسبوك المالية

اسم الجنان الضريبية مرتبط لدى الكثيرين، خصوصاً العرب بعد التسريبات المعروفة بـ"وثائق بنما"، بالمال الناشئ عن الفساد السياسي فقط. ولكن في المقابل، الزبائن الكبار لخدمة التهرب الضريبي المشروع، والعاملين على استمرار وجودها، هم الشركات التي نتعامل مع أسمائها كل يوم، مثل Apple التي نقلت أكثر من 74 مليار دولار بين 2009 و2012 إلى شركات فرعية في أيرلندا، لتدفع عليها 2% من الضرائب فقط. وGoogle التي نقلت عام 2011، 80% من أرباحها إلى شركة فرعية في برمودا.

في نوفمبر 2014، سرّب الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (المسؤول عن تسريبات وثائق بنما لاحقاً)، وثائق تكشف حسابات أكثر من 300 شركة متعددة الجنسيات في لوكسمبورغ، من بينها Facebook وPepsi وMicrosoft وStarbucks وWalt Disney وVodafone. وقائمة طويلة لن يصعب على أي كان التعرف على عشرين شركة فيها على الأقل. أدت هذه التسريبات إلى محاكمة ثلاثة أشخاص فقط، بتهمة "انتهاك السرية التجارية"، من بينهم الفرنسيان، الصحافي Edouard Perrin، وAntoine Deltour، المصدر الأساسي للتسريبات. ما يدل على متانة الجانب القانوني في عمليات التهرب القائمة على الجنان الضريبية، التي لم تعد توصف في أوساط الشركات بالتهرب. إنما بـ"تجنب" أو "وضع خطة" الضرائب، وتقدم بخصوصها الاستراتيجيات الأفضل لدفع أقل قدر ممكن من الضرائب بشكل قانوني، وبالتالي خفض التكاليف.

لبنان يتفوق على ألمانيا!

تسعى معظم الدول التي تتيح ما يكفي من السرية المالية والضرائب المنخفضة، لجذب المزيد من الاستثمارات، وإن كانت وهمية، إليها، أو حتى توفير الفرصة لشركاتها الوطنية للتهرب من ضرائب الأسواق الخارجية. كما قد يكون الأمر مرتبطاً بالدعم المالي الذي تقدمه كبرى الشركات للحكومات، أو الأحزاب السياسية، مقابل عدم تغيير الأمور.

يمكن لتحديد هذه الدول الاعتماد على مؤشر السرية المالية (FSI)، الذي تصدره شبكة Tax Justice Network، والذي يعتمد على عدة متغيرات، من بينها حجم الضرائب ومستوى السرية المصرفية في قوانينها. بما في ذلك إمكانية الاستجابة لطلبات حكومات أجنبية الإفصاح عن حسابات أحد مواطنيها، وبالطبع حجم الأموال الأجنبية المودعة في مصارف هذه الدول.

عادةً الدول التي نفكر بها عند الحديث عن الجنان الضريبية هي الدول/الجزر الصغيرة التي تتبع معظمها التاج البريطاني اسمياً، مثل غيرنسي وبيرمودا وكايمان. لكن في الواقع فإن المراتب الأولى في تصنيف FSI، تشمل دولاً وأقاليم إدارة ذاتية أكثر شهرةً، كاليابان وماليزيا وهونغ كونغ في آسيا، وألمانيا ولوكسمبورغ وسويسرا في أوروبا، وحتى الولايات المتحدة، تعتبر من الدول العاجزة قانونياً عن منع شركاتها من تهريب أرباحها إلى الجنان الضريبية. كما أن قوانين كل من ولاية نيفادا ووايومنغ وديلاوير تسمح للشركات بالتهرب من الضرائب بسهولة فائقة.

بالطبع عالمنا العربي ليس استثناءً، على مستوى الدول النفطية، تعتبر البحرين جنة ضريبية ممتازة، وتحتل المرتبة التاسعة في التصنيف لسنة 2015. تليها مباشرة إمارة دبي في الإمارات. أما بالنسبة للدول غير النفطية، يحتل لبنان المرتبة السابعة (الأولى عربياً) في الترتيب نفسه برصيد 760.2 نقطة، متفوقاً بـ58.4 نقطة على ألمانيا التالية في الترتيب.

هل من فوائد للجنان الضريبية؟

يرى البعض أن الجنان الضريبية أمر جيد، أو ضروري على الأقل لمنع الحكومات من فرض أرقام ضريبية مرتفعة على الأنشطة التجارية. واستمرار وجودها يعني وجود "منافس" يمكن اللجوء إليه حين تسوء الحالة الضريبية في بلد ما. مثل جيمي وايت القائد السابق لحزب ACT النيوزلندي، الداعي للسوق الحرة، الذي يصف نفسه أنه "معجب بالجنان الضريبية"، والذي فشل حزبه بقيادته في الحصول على أي مقعد في الانتخابات البرلمانية سنة 2014.

في المقابل، الأموال المنهوبة من الواردات الحكومية بسبب الالتفاف على الضرائب، هي برأي كثيرين، أموال منهوبة من الشعوب، خصوصاً في الدول النامية، التي يمكنها الاستفادة من هذه المبالغ في تطوير بناها التحتية في شتى القطاعات، خصوصاً المتعلقة مباشرةً بمعيشة السكان، كالصحة والتعليم ومياه الشرب.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
اقتصاد العالم

التعليقات

المقال التالي