ماذا جنى فقراء مصر من الثورات؟

ماذا جنى فقراء مصر من الثورات؟

كان مطلب العدالة الاجتماعية المحرك الرئيس للثورات المصرية، خصوصاً ثورتا 23 يوليو 1952 و25 يناير 2011. لكنه لم يخرج عن كونه شعاراً براقاً تغازل به القوى الثورية، الطبقات الكادحة، لضمّها إلى الحراك الثوري، قبل أن تتبخر آمالها الضئيلة أمام السياسات العامة التي تتبناها الحكومات، وتدعمها القوى المناهضة للثورة من أصحاب المصالح.

ثمة عدالة اجتماعية لمستها الجماهير المصرية، بعد ثورة 23 يوليو، لكنها سرعان ما انتهت بفعل سياسات الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لتزول الطبقة الوسطى، وينقسم البناء الاجتماعي إلى طبقتين: عليا يمثلها رجال المال والأعمال، وطبقة دنيا تشمل عامة الشعب. إلى أن جاء نظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك ليرسخ تلك السياسات، التي أدت إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد لتقوم ثورة 25 يناير من أجل البقاء. 

اعلان


وقد أفاد إحصاء صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بارتفاع نسبة الفقراء من 21.6% عام 2008 - 2009 إلى 26.3% عام 2012 - 2013. وحدد التقرير أن الفقر يتركز في صعيد مصر وتحديداً "المنيا، سوهاج، أسيوط"، وأن 49% من سكان هذه المحافظات لا يستطيعون استيفاء احتياجاتهم الأساسية. وهذا ما يشير إلى ارتفاع نسبة الفقر في مصر كل عام عن سابقه بنسبة 1.1%. بينما أفادت دراسة حديثة صدرت عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بارتفاع نسبة الفقر إلى 32.6% عام 2014.

ورغم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، صرح في إحدى خطبه بأنه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان في بلدٍ فيه 30 مليون تحت خط الفقر، فإن الخبراء الاجتماعيين والاقتصاديين يؤكدون أن السياسات العامة التي تتبناها الدولة تصر على الانحياز لمصالح رأس المال.

القوى المضادة للثورة أوقفت المسيرة

ورأى المحلل السياسي ورئيس تحرير مجلة السياسة الدولية الدكتور وحيد عبدالمجيد، أن "الفقراء لم يجنوا شيئاً من ثورتي 25 يناير و30 يونيو، لأن القوى المضادة للثورة تمكنت من وقف مسيرتها وإعادة إنتاج شبكات المصالح الفاسدة التي كانت قائمة قبلها، وبالتالي سيزداد الفقراء فقراً إلى أن يحدث مد ثوري جديد ينتصر على القوى المضادة التي سعت إلى خنق الثورة". وأكد أن "الاتجاه العام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية ما زال نفسه، الذي كان موجوداً قبل الثورة، وسيؤدي إلى النتائج القديمة نفسها، وهي إثراء الأغنياء وإفقار الفقراء". 

الإبقاء على مبارك النظام

وقال رئيس الحزب الاشتراكي المصري (قيد التأسيس)، ومنسق الجمعية الوطنية للتغيير المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، إن "كل إجراءات الحكم بعد ثورة 30 يونيو تصب في مصلحة الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ورجال المال والأعمال، الذين استولوا على ثورة البلاد أيام مبارك". وأضاف: "كان هناك توافق بين قوى خارجية متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وقوى داخلية بقيادة المجلس العسكري على أنه إذا كان لا مفر من التضحية بمبارك الشخص، فلابد من الحفاظ على مبارك النظام، أي العلاقات الاجتماعية وميكانيزمات الاستغلال الاقتصادي، وبالتالي لم تتغير السياسات العامة للحكومات حتى الآن". ورأى شعبان أن "اختفاء الطبقة المتوسطة أدى إلى ارتباك الدولة، وهذا ما جعلها غير قادرة على صياغة مسار حقيقي يؤدي إلى تقدم فعلي، مقارنة بحقبة الأربعينيات التي شهدت فيها مصر تقدماً حقيقياً بسبب تماسك هذه الطبقة".

أقوال جاهزة

شارك غردالفقراء في مصر لم يجنوا شيئاً من ثورتي 25 يناير و30 يونيو

شارك غردنسبة الفقر ترتفع في مصر كل عام عن سابقه بنسبة 1.1%

وذكر أن "سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها الرئيس الراحل أنور السادات، كانت الضربة التي قضت على الطبقة المتوسطة"، وأوضح أن "الانفتاح الاقتصادي كان موجهاً للطبقة العليا كي تزداد ثراءً بسيطرتها على ثروات البلاد، على أن تظل الطبقة الدنيا في خدمتها، أما الطبقة المتوسطة فقد تم إقصاؤها من البناء الاجتماعي".

قوانين تكرس للمنظومة الاحتكارية

وأرجع الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المصري للشفافية ومحاربة الفساد عاصم عبد المعطي، سوء الأحوال الاقتصادية إلى "عدم الفصل بين السلطات الثلاث، وعدم وجود قوى متوازنة بين هذه السلطات". وأوضح أن "السلطة التنفيذية توغلت على حساب كل من التشريعية التي ليس لها وجود، والقضائية التي ليس لها أهمية حالياً". 

وأضاف أن "هناك نحو 30 قانوناً تم سنها قبل 30 عاماً بهدف تقنين أعمال الفساد، ما زالت مستمرة حتى الآن، وهذا ما أدى إلى تضخم نسبة الفقر". مشيراً إلى أن "الدولة قامت بسن قوانين أخرى تكرس استمرار منظومة السياسات الاحتكارية، ومنها قانون عدم الطعن على العقود المبرمة بين الدولة والمستثمر، الذي أدى إلى عدم وجود رقابة حقيقية".

النظام ينتصر لرجال الأعمال 

وقال خبير الاقتصاد السياسي أشرف العطار إن "السياسات الحكومية لم تقدم شيئاً لمحدودي الدخل سواء بقصد أو من دون قصد"، لافتاً إلى أنها "اتجهت لمحاباة رجال الأعمال على حساب الفقراء". 

وذكر أن "البطالة ساهمت بشكل أساسي في تضخم نسبة الفقر نتيجة إغلاق 4 آلاف و200 مصنع وتراجع السياحة بنسبة 70%، وتآكل الاحتياطي النقدي من 36 ونصف مليار جنيه إلى الصفر تقريباً، فضلًا عن أن الدولة في طريقها إلى إلغاء الدعم بشكل كامل بسبب اتباع وصايا صندوق النقد الدولي، الأمر الذي أدى إلى تخفيض قيمة الجنيه وازدياد معدلات الفقر".

"الثورة الشعبية" لا تحقق العدالة الاجتماعية

وقالت أستاذة الاجتماع السياسي في جامعة القاهرة الدكتورة هدى زكريا، إن "الفقراء لا يجنون من الثورات مباشرة، لأن تحقيق العدالة الاجتماعية يستلزم تغييراً جذرياً في بنية المجتمع". وأكدت أن "هذا التغيير  يصعب تحقيقه على المدى القريب، خصوصاً في حالة الثورات الشعبية كثورة 25 يناير". واستشهدت زكريا بالثورة الفرنسية قائلة: "لم تتحقق أهداف الثورة الفرنسية إلا بعد 14 عاماً من اندلاعها، وخلال تلك السنوات شهدت فرنسا العديد من الحروب الأهلية، والمجازر التي راح ضحيتها قائد الثورة نفسه روبسبير".

واعتبرت أن "ثورة يوليو نجحت في تحقيق العدالة الاجتماعية، لأنها كانت ثورة منظمة قادها الضباط الأحرار، ثم استطاعت أن تتخطى الموانع التي وقفت عائقاً أمامها". ورأت أن "النظام المصري الحالي يحاول لملمة البنية الاجتماعية الموشكة على الانهيار والتفكك، لكن القوى المناهضة للثورات تحاول إيقاف مسيرة التغيير".

كلمات مفتاحية
اقتصاد الفقر مصر

التعليقات

المقال التالي