لماذا تخشى النساء دخول مجال العلوم؟

لماذا تخشى النساء دخول مجال العلوم؟

طالما اعتدنا الصورة النمطية التالية: الفتيات يلعبن بالدمى وكل ما يتعلّق بالمطبخ، والفتيان يلعبون بالسيارات وألعاب الفيديو. كأننا نرسم منذ الصغر الطريق الذي سيختاره كل منهم. ولكن ماذا لو أراد ابنكم أن يكون طبّاخاً أو مصمم أزياء، وحلُمت ابنتكم أن تكون عالمة فضاء أو مهندسة كيميائية؟ 

لم تبقَ هذه الأسئلة مجرد افتراضات في القرن الحادي والعشرين، لأن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تُعرف بـSTEM، لم تعد نادياً خاصاً بالرجال. وعلى الرغم من الفروقات الكبيرة في الراتب بين الرجل والمرأة في هذه المجالات، أو عدد النساء القليل اللواتي خضن هذه القطاعات، فإن العديد من النساء، حتى في العالم العربي، أصبحن مهتمّات بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

اعلان


تقول ميسون رمضان، الحائزة بكالوريوس العلوم ومديرة اتصالات الشرق الأوسط في شركة "روش" Roche، على هامش المنتدى الاقتصادي للقيادت الاقتصادية: "إذا نظرنا إلى الجامعات في العالم العربي، نجد أن أكثر من 50% من الطلاب هم من النساء، وغالبيتهنّ يدرسن العلوم أو التكنولوجيا أو الهندسة أو الرياضيات، إلا أن القليل منهن يدخلن معترك العمل". 

أفكار مسبقة

كثيرة هي الأسباب التي قد لا تكون حكراً على المنطقة العربية، والتي قد تدفع النساء إلى الخوف أو التردد من العمل في هذه المجالات، معظمها تُعزى لأفكار مسبقة وأساطير تُحيط بهذه المجالات. تقول رانيا حبيبي أندرسون، مؤسسة مبادرةHow Women work  إن "الأمر يبدأ منذ الصغر، حين يُقال للفتيات إن الرياضيات صعبة ومن الأفضل أن تخترن اللغة الانغليزية مثلاً". مضيفة: "تهتمّ النساء بحلّ المشاكل لا بالمحرّكات. لذلك، لا بد أن نطرح الأمر بشكل مختلف، أي ما الذي ستقدّمه المحركات للمجتمع، وكيف تستطيع المساهمة في ذلك؟".

وتتّفق معها رمضان: "تريد النساء العمل إلا أن كثيرين يعتبرون أن الأشخاص الذين يعملون في هذه المجالات سيمضون وقتهم في المشاغل أو المختبرات أو مع الأجهزة وبرفقة الرجال فقط، في حين أن المرأة تستطيع العمل في شركة كبيرة توفّر لها استراتيجية وتمنحها فرصة الابتكار، والتفكير بالتكنولوجيا التي يجب تطويرها. في مختبراتنا، نجد 41% من النساء وهنّ مهندسات في حقلي الكيمياء والإلكترونيات". 

وترى مونيك جان مورو، الرئيسة التنفيذية في شركة "سيسكو" Cisco، التي اعتبرت من بين أكثر 10 نساء نافذات في مجال تكنولوجيا المعلومات في أوروبا عام 2014، أن السبب الآخر الذي يدفع النساء للابتعاد عن هذه المجالات هو عجزهّن عن القيام بذلك من دون أن يخسرن هويتهن، وأنهن إن خضن معترك التكنولوجيا، يخسرن أنوثتهنّ. وتشير إلى الضجة التي أثارتها قبل أشهُر حملة #Ilooklikeanengineer التي تحوّلت إلى حملة عالمية لمحاربة الانحيازات، والصور النمطية في مجال العمل. وفحواها أن المرأة "لا تبدو كأنها مهندسة". وتضيف: "لا أحد يهتم بجنسك متى تقدّم الاختراعات". لافتة إلى أنها ابتكرت نحو 9 نماذج تكنولوجيا، والنساء ابتكرن الكثير خلال العقود المنصرمة. 

ما هو الحل؟

وأكدت رهيلة ظفار، الكاتبة الشريكة لـ"نهضة النساء العربيات" Arab Women Rising على أهمية وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية للتثقيف في مجالات STEM، إذ "حتى في الولايات المتحدة ما زالت المرأة تتقاضى أجراً أقل من أجر الرجل". وقالت إن "نسبة النساء في  مجال أمن الشبكة العنكبوتية مثلاً ما زالت 11% فقط".

ورأت رمضان أن "الأهم هو ثقة المرأة بنفسها وشجاعتها وقدرتها على إنجاز المهمة من دون التشكيك بنفسها، وأن تحظى بالدعم ليس المالي أو المعنوي من محيطها، سواء من رب عملها أو والدها أو زوجها، وأن يؤمنوا بها". كما شدّدت مورو على "ضرورة أن تكون المرأة شجاعة، لأن العالم يحتاج الى مهندسي علوم الكمبيوتر وإلى النساء تحديداً، خصوصاً أن هناك ثغرة بين المهارات والوظائف تستطيع النساء أن تسدّها". وأضافت: "علينا أن نقبل التحدي وأن نتحمّل مسؤولياتنا في المجتمع".

واعتبرت رمضان أنه "من الصعب تغيير الثقافة بل يجب التحايل عليها لدعم النساء في هذه المجالات". وأشارت إلى ما قامت به روش في السعودية التي عوضاً عن تغيير الوضع، استحدثت مكاتب مستقلة  للنساء. وخلال عام واحد، ازداد عدد العاملات من 0 إلى 5 في مجال STEM في السعودية.

أقوال جاهزة

شارك غردمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لم تعد حكراً على الرجال

شارك غردماذا لو أراد ابنكم أن يكون طبّاخاً أو مصمم أزياء، وحلُمت ابنتكم أن تكون عالمة فضاء أو مهندسة كيميائية؟

كما لفتت إلى أن "الشركة تمنح كل موظفة إجازة أمومة 6 أشهر، ومنحتنا الفرص نفسها كالرجال، كما تدرك حاجاتنا البيولوجية، وحاجتنا إلى تمضية الوقت مع أطفالنا". وقالت: "إذا كان لديك الدعم، فلا شك أنك ستكونين وفية لشركتك ولن تترددي في ابتكار المعجزات".

الثقافة والعادات عاملان اعتبرتهما أيضاً د. مريم مطر، المؤسسة ورئيسة مجلس إدارة جمعية الإمارات للأمراض الجينية "مهمين جداً"، ودعت المرأة العربية إلى استغلالهما لإحداث التغيير في مجال الطب. وذكرت مطر تجربتها مع الإماراتيين المحافظين في رأس الخيمة، لإقناعهم بضرورة فحص بناتهم (كانوا يرفضون ذلك رفضاً قاطعاً) لمرض التلاسيميا، المنتشر في الإمارات. ولإقناعهم، نقلت رسالتها بأسلوب إماراتي، فتوجّهت إليهم بالزي التقليدي، وتحدثت معهم باللهجة الأصلية، لئلا يشعروا بأنها مختلفة عنهم أو تخلّت عن تقاليدها. وأخبرت رئيس القبيلة أنه إذا رفض فحص الفتيات فسيخسر خلال 10 سنوات، معظم أفراد قبيلته، لأنهم سيكونون ضعفاء أو مرضى أو عالة عليه. وتضيف "على العالمات العربيات أن يجعلن المعرفة مبسطة وأن يقدّمنها بشكل يتناسب مع مجتمعاتهن لتكون مقبولة".

رائدات الأعمال مثال النجاح

وشدّدت ظفار على أن واقع ريادة الأعمال مختلف تماماً عن عالم الشركات الكبيرة، فهي بفضل كتابها وزياراتها المتواصلة لمختلف دول المنطقة، لاحظت أن المهارات في مجال STEM كبيرة جداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأنها "المنطقة الوحيدة في العالم التي يفوق فيها عدد النساء عدد الرجال في هذا المجال".

وأضافت أنها التقت، وهي في العشرين من العمر، الكثير من رائدات الأعمال اللواتي يعملن على "انترنت الأشياء" والتكنولوجيا وأمن الشبكة العنكبوتية، بعدما لقين الدعم المالي من صناديق رأس المال المخاطر والمستثمرين التأسيسيين، الذي زاد عددهم أربعة أضعاف منذ نشر الكتاب.

وشدّدت على أهمية خلق شبكات إرشاد ودعم من كل لاعبي البيئة الحاضنة لهذه المواهب، خصوصاً أن الموارد، تحديداً في دول الخليج، متوفرة. وختمت: "أعيش في نيويورك وأزور المنطقة مرةً كل ستة أشهر. وخلال كل زيارة، أجد أموراً قد تغيّرت بشكل إيجابي وبسرعة كبيرة جداً، لذا لا يسعني إلا أن أكون متفائلة".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي