المشاريع الصغيرة كمخرج من القضية الكبيرة

المشاريع الصغيرة كمخرج من القضية الكبيرة

تُعد مشكلة البطالة من المشكلات القديمة الحديثة التي بدأت تتفجر كقنابل عنقودية في الدول العربية، إذ يصل عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي إلى نحو 23 مليوناً، من إجمالي قوى عاملة يبلغ نحو 121 مليون عامل، يضاف إليهم 4 ملايين باحث عن عمل سنوياً، بحسب ما صرح المدير العام المساعد لمنظمة العمل العربية حيدر أبشر.

علماً أن 62% من مواطني البلاد العربية هم دون سن الـ25 سنة، ما قد يؤدي إلى أن يصل عدد العاطلين عن العمل في الدول العربية عام 2025 إلى نحو 81 مليوناً. ذلك يتطلب من الحكومات العربية ضخ استثمارات ضخمة لرفع معدلات النمو الاقتصادي، لخلق ما لا يقل عن 4 إلى 5 ملايين فرصة عمل سنوياً.

اعلان


وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة العمل الدولية حول اتجاهات الاستخدام العالمية للعام 2014، أن الارتفاع في معدلات البطالة في أنحاء العالم، خصوصاً الشباب، يعود إلى الزيادة الملحوظة في معدلات البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تسجل ثاني أعلى نسبة بطالة في العالم، مقدرةً هذه النسبة بـ 11.5% في العام 2013، في حين أن المتوسط العالمي يبلغ نحو 6%.

خصائص ومظاهر البطالة في الوطن العربي

1.    البطالة ظاهرة شبابية.

2.    ضعف الخبرة المهنية المتوفرة لدى العاطلين عن العمل.

3.    غياب التدريب المهني الموجه لسوق العمل لغياب التخطيط.

4.    الهوة الكبيرة بين التأهيل التعليمي للشباب ،إن توفر، وبين متطلبات سوق العمل.

5.    نسبة الإناث المرتفعة من البطالة.

تتصدر البطالة بخصائصها المشاكل الرئيسية التي تواجه كثيراً من الدول العربية في المرحلة الراهنة، وتعتبر ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية متشعبة، لا بد أن تشكل محور اهتمام للحكومات العربية.

ما هو المخرج؟

المشاريع الصغيرة في العالم العربي - ما هو المخرج

الحكومات العربية وخصوصاً وزراء العمل العرب يعتبرون أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي أهم الحلول للنمو الاقتصادي في الدول العربية. ويختلف تعريف المشاريع الصغيرة والمتوسطة من دولة إلى أخرى، وفقاً لاختلاف إمكاناتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية، مثل: طبيعة مكونات وعوامل الإنتاج، نوعية الصناعات الحرفية التقليدية القائمة قبل الصناعة الحديثة، الكثافة السكانية، مدى توفر القوى العاملة ودرجة تأهيلها، المستوى العام للأجور والدخل، وغيرها من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، التي تحدد ملامح وطبيعة الصناعات القائمة فيها. كما يختلف التعريف وفقاً للهدف منه، وهل هو لأغراض إحصائية أو لأغراض تمويلية أو لأغراض أخرى.

ويمكن القول إن الدول الصناعية والدول النامية تختلفان في تعريف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل المقارنة بينهما صعبة. فالمشاريع التي تعتبر متوسطة في الدول النامية، تعد صغيرة في الدول الصناعية، والمشاريع الكبيرة في الدول النامية تعد متوسطة في الدول الصناعية.

ويتجلى دور هذه المؤسسات في خلق الوظائف ومكافحة البطالة، ويقول محمد خياط، الأمين العام لوازرة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي لرصيف22: "الجزائر سعت مثل بقية الدول العربية في الآونة الأخيرة إلى تشجيع هذا النوع من المؤسسات بهدف إيجاد فرص تشغيل لا سيما للشباب، ومن هذا المنطلق شكلت مساعدة الشباب المقاول على إحداث مشاريعه كإحدى ركائز سياسة التشغيل في ميدان تشجيع المبادرة الحرة لدى الباحثين عن العمل". ويضيف خياط: "تم تمويل أكثر من 473 ألف مؤسسة صغيرة في مختلف الأنشطة الاقتصادية، التي أصبحت حالياً تنحو إلى التخصص والبحث عن الكفاءات المهنية في مجال التكنولوجيا الحديثة".

فرضت إذاً المشروعات الصغيرة والمتوسطة نفسها كحل لإحدى أكبر الإشكاليات المعاصرة التي تواجه الدول العربية والمتمثلة بالبطالة، التي كانت سبباَ رئيسياً لإشعال الاضطرابات في بعضها، فضلاً عن دور هذه المشروعات في توسيع القاعدة الإنتاجية والتوظيف الأمثل للطاقات الشابة، وتشكل المنشآت الصغيرة والمتوسطة 90% من المنشآت المسجلة في الوطن العربي.

أقوال جاهزة

شارك غردالمشاريع الصغيرة والمتوسطة هي أهم الحلول للنمو الاقتصادي في الدول العربية

شارك غردعدد العاطلين عن العمل في المنطقة قد يصل إلى 81 مليوناً في 2025. المشاريع الصغيرة والمتوسطة قد تكون المخرج الوحيد

لذا أصبح ضرورياً الاستفادة من خصائص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويقول الدكتور كيسرى مسعود المتخصص في الحاضنات والمشاريع الصغيرة لرصيف22: "الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يرجع أساساً إلى الدور الذي تلعبه في النهوض الاقتصادي، وفق ما تقدمه من خدمات لجميع القطاعات، ولدورها في امتصاص اليد العاملة، لأنها المولد الرئيسي للمنتجات الجديدة، نظراً لقدرتها على التطور والنمو والاستمرارية، بالرغم من تميزها بسرعة الاختفاء والظهور الناتج عن الإفلاس والتكوين بسرعة".

المعوقات

المشاريع الصغيرة في العالم العربي - المعوقات

كثيرة هي المعوقات التي تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة، منها عدم توفر النصوص التشريعية، وعدم تنسيق أو ضعف العلاقة بين الأطراف وانعدام المساعدة، خصوصاً بين قطاعات التنمية ومؤسسات البحث العلمي والمشاريع المتشابهة، ونقص الكفاءات وضعف قنوات الاتصال، وهروب أو عزوف القطاع الخاص خصوصاً في الجانب التمويلي.

د. نيازي مصطفى، المتخصص بقوانين وأنظمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة والشركات لخص أهم المعوقات التي تواجه هذه المؤسسات في العالم العربي وتتمثل في: "معوقات التأسيس وإجراءاته، صعوبات التمويل، صعوبات الموارد البشرية، صعوبات ترتبط بالمعلوماتية، وهي معوقات تزداد حدتها في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية وازدياد المنافسة".

أما المستشارة في وزارة التكوين المهني والتشغيل التونسية وجدان بن عيّاد، فقالت إن "الوزارة تعمل على تطوير مجالات إحداث المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كما تضع على ذمة البنك التونسي للتضامن خط تمويل محمولاً على موارد الصندوق الوطني للتشغيل، للتشجيع على تحقيق المشاريع الصغرى". وأضافت: "نقوم بالتصرف بموارد الصندوق الوطني للنهوض بالصناعات التقليدية والمهن الصغرى. هذا الصندوق ترسم اعتماداته ميزانية الوزارة لتمويل المهن الصغرى والصناعات التقليدية، ويتم تحويل هذه الاعتمادات من الوزارة إلى البنك التونسي ثم إلى بقية البنوك التجارية أو البنك التونسي للتضامن، وتعمل الوزارة حالياً على إعادة هيكلة الصندوق لتطوير مجالات تدخلاته".

أين القطاع الخاص؟

يعتبر القطاع الخاص من أهم أعمدة قيام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لكن الجميع يتساءل عن دوره في العالم العربي. وهناك تصورات كثيرة تجمع على أن ضعف القطاع الخاص في الاقتصاديات الناشئة للدول العربية يعود إلى تفكك البنية التحتية، وعدم وجود روابط تعاقدية صناعية وإنتاجية بين مؤسسات القطاع الخاص، التي تدفع بدورها إلى تطور وإنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ويرى الباحث الاقتصادي صافي عبد القادر أن "هناك عوامل كثيرة تعكس نفسها على ضعف دعم القطاع الخاص لتلك المؤسسات في الوطن العربي منها أنه قطاع ضعيف وغير متكامل ولا يحب المخاطرة، بالإضافة إلى غياب الحواجز الداعية إلى العمل خارج قطاعات نشاط القطاع العام، وضعف المهارات ونقص الإطارات ذات الكفاءة. يضاف إلي ذلك ضعف مناخ الاستثمار وكثرة المعوقات الإدارية التي تواجه نمو هذا القطاع، والنقص في كفاءة الإجراءات الإدارية والمؤسساتية المصاحبة للنشاط الاقتصادي والاستثمار، ووجود قيود واسعة في معظم الدول على التملك وعلى دخول القطاع الخاص إلى الاستثمار في نشاطات معينة".

إلا أن هناك بعض قصص النجاح للقطاع الخاص بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مثل غرفة تجارة وصناعة عُمان، وشرح لرصيف22 محمد بن حمود بن محسن مدير دائرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، دور الغرفة في تنمية هذه المؤسسات: "تعمل الغرفة على تخصيص لجان معينة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في جميع فروع الغرفة بالمحافظات، تضم 25 عضواً من أصحاب وصاحبات الأعمال والجهات المعينة بتنمية تلك المؤسسات، ومن خلال إنشاء دائرة جديدة ضمن الهيكل الإداري للغرفة معنية بتنمية هذه المؤسسات، وتخصيص 3% من إيرادات الفروع لدعم المؤسسات، تم طرح 9 مبادرات داعمة، وتهيئة البيئة الاستثمارية المناسبة من خلال التعاون مع جهات الدولة المختلفة، وتوفير المعلومات عن الفرص الاستثمارية المناسبة، وإقامة البرامج التدريبية الكفيلة بتطوير أداء المؤسسات".

منظمة العمل العربية

في 6 أكتوبر 2015 نظمت منظمة العمل العربية ندوة قومية في مدينة الجزائر حول " تنمية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز ثقافة العمل الحر"، شاركت فيها معظم الدول العربية من قطاعات مختلفة، تم من خلالها تبادل الخبرات والتجارب الناجحة بين المتخصصين والمسؤولين عن تخطيط وتنفيذ سياسات التشغيل لتحفيز آليات دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى أهم الاختيارات الإستراتيجية والرهانات والتحديات التي تواجهها الدول العربية لتفعيل سياسات التشغيل لا سيما في مجال تنمية المشاريع.

وكانت أهم التوصيات الختامية للندوة: حث الدول العربية على ضرورة تخصيص جزء مهم من الاستثمارات في مجالات التأهيل والتدريب المهني، وإعادة التأهيل والابتكار والبحث العلمي خصوصاً للشباب، باعتبار أن التنمية الشاملة لن تكون واعدة خارج الاعتماد على المعلومة الجيدة والمعرفة المتطورة باستمرار، لا سيما في وقت أصبحت المنافسة العالمية شرسة. وأيضاً حث الدول العربية على تشجيع الصيغ ذات الطابع التقليدي القائمة في المجتمع والجماعات المحلية وفي "الاقتصاد المنزلي"، كما يسمى في الأسر المنتجة، والتي تتولى رعايتها أجهزة "الشؤون الاجتماعية" عادة، والتطوير المشترك لإمكاناتها الإنتاجية والتسويقية. والعمل على إنشاء هيئة وطنية قادرة على استحداث سياسات لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وترجمة ذلك إلى برامج تنفيذية محددة وقابلة للتطبيق، وتنسيق الجهود المبذولة من الجهات العامة والخاصة والأهلية ذات الصلة في المجالات المختلفة، المتعلقة بتطوير التشريعات المنظمة لها، والتمويل ودعم عملية الإنتاج، وتنمية قدرات الموارد البشرية ودعم التسويق في الأسواق المحلية والدولية.

واتفق الجميع على أنه لا بد من وجود تفاعل قوي بين عالم العمل وعالم التعليم والتدريب، لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفقاً للاحتياجات الفعلية لمختلف القطاعات الإنتاجية، مع مراعاة توفير برامج تدريب تستهدف العمال المسرّحين، أو الذين فقدوا وظائفهم بسبب عملية الهيكلة لإدماجهم في سوق العمل.

كلمات مفتاحية
اقتصاد الـ22

التعليقات

المقال التالي