المغرب: إحدى الدول العربية القليلة المتسامحة جداً مع الخمر

المغرب: إحدى الدول العربية القليلة المتسامحة جداً مع الخمر

تحصل الحكومة المغربية على رسوم وضرائب على الخمور والجعة والكحول تجاوزت قيمتها 140 مليون دولار هذا العام، تضاف إليها رسوم على السجائر بقيمة بليون دولار، وأخرى على المشروبات الغازية قيمتها 31 مليون دولار، ورسوم مشابهة على محالّ ألعاب الحظ من خلال أنشطة فندق موفمبيك في طنجة وكازينو المامونية في مراكش. وتمثل إيرادات الشرب والترفيه أحد أهم مصادر دخل الحكومة التي جاءت إلى السلطة عقب تداعيات الربيع العربي.

يتوقع أن يمثل مجموع هذه الضرائب جزءاً لا يستهان به من عائدات الخزينة العامة التي تبحث عن كل مورد إضافي لمعالجة عجز في الموازنة يبلغ 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتفضل تحصيله عبر زيادة الرسوم وخفض دعم الأسعار عوض الاستدانة الداخلية والخارجية المكلفة اقتصادياً وسياسياً. وكانت الرسوم على الجعة والخمور زادت في السنوات الأخيرة بنحو 50 دولاراً عن كل هكتولتر من الكحول (مئة لتر) نتيجة ضغوط مارسها الحزب الإسلامي الحاكم الذي لم يكن بإمكانه منع الخمور أو وقف إنتاجها أو تسويقها في المغرب، لكنه اكتفى برفع أسعارها لرفع العتب، ومحاولة ثني المستهلكين عنها، لا سيما أن المغاربة لا يتقيّدون بالنظرة التقليدية إلى الحلال والحرام، ويجمع الكثيرون منهم بين صلاة الجمعة نهاراً واحتساء الجعة مساءً، وبين صوم رمضان والاحتفال بأعياد الميلاد.

أقوال جاهزة

شارك غردلا حلال أو حرام في التعاطي مع الخمر في المغرب اليوم

شارك غرد الكثير من المغاربة يجمعون بين صلاة الجمعة نهاراً واحتساء الجعة مساءً، وبين صوم رمضان والاحتفال بأعياد الميلاد

يعتبر المغرب ثاني أكبر منتج للخمور في العالم العربي إذ ينتج سنوياً نحو 40 مليون قنينة خمر من أنواع مختلفة، يستهلك أغلبها محلياً ويصدر الباقي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي. كذلك ينتج المغرب نحو نصف مليون هكتولتر من أنواع الجعة ويعمل في القطاع نحو 50 ألف شخص.

وحسب إحصاءات نشرتها وكالة رويترز البريطانية يستهلك المغاربة سنوياً نحو 131 مليون لتر من الجعة و38 مليون قنينة من النبيذ الأحمر والأبيض ونصف مليون قنينة ويسكي و140 ألف قنينة شمبانيا مستوردة. ويساعد الطقس والأراضي المنبسطة على زرع أنواع جيدة من العنب في المغرب، وهي تنتشر في سفوح جبال أطلس القريبة من مكناس وفي مزارع أخرى في ضواحي الرباط وقرب الجديدة على المحيط الأطلسي. وهي المناطق التي استثمرها الفرنسيون لزيادة إنتاجهم من الخمور في حقبة الحماية على المغرب 1912-1956. وقد شهدت هذه الفترة طفرة في إنتاج واستهلاك وتصدير أنواع كثيرة من العنب والخمور المستخرجة من شمال إفريقيا، خاصة المغرب والجزائر وتونس لتلبية طلب الجنود والمعمرين الأوربيين المقيمين.

Alcohol-Consumption-in-Morocco

انتاج الخمور في المغرب يمتد إلى 5 قرون

وعلى عكس ما هو شائع، لم يرتبط إنتاج الخمر بالدخول الأوروبي إلى المغرب في مطلع القرن العشرين بل يعود تاريخه إلى الفينيقيين القادمين من جنوب لبنان قبل خمسة آلاف سنة. وتفيد الدراسات بأن الفينيقيين عندما استقروا في الضفة اليمنى لوادي اللكوس جنوب طنجة حالياً، شرعوا في غرس شتول العنب الذي استحسنه السكان المحليون من الأمازيغ. وفي القرن السادس قبل الميلاد طور الفينيقيون المخازن لجمع العنب وعصره من أجل تصديره إلى اليونان والجزر القريبة في فرنسا وبريطانيا وهولندا. وبقدوم الرومان توسع إنتاج العنب في المغرب إلى منطقة مكناس حالياً، مستغلين طبيعة معطاء، وأقاموا عاصمتهم فولوبليس - وليلي.

وحتى غداة الفتح الإسلامي، لم يتغير تعاطي الأهالي مع العنب الذي كان يحرص الناس على أن يظل عالي الجودة ويُشرب على شكل عصير فاكهة من دون تخمير. ونقل المغاربة إلى الأندلس طريقة غرس العنب وتعصيره، وانتشرت لقرون طويلة في الأندلس زراعة العنب وتجارة الخمور والخمارات ومحالّ بيعها بالتقسيط، وهي عادة آتية من تركيا العثمانية في القرون الوسطى.

دور اليهود في تجارة الخمور

وورد في كتاب العلامة الحسن الوزان الملقب بليون الإفريقي في عام 1525 أن  اليهود ساهموا في انتشار زراعة العنب وإنتاج الخمور التي كان يسمح لهم بعصرها وشربها في مدن تازة ودمنات وموغادور ومراكش. وكان سلاطين المغرب يحرمون على اليهود المقيمين في الملاح بيع الخمر للمسلمين، لكن كان يسمح لهم بالاتجار بها لدى المسيحيين أو تصديرها إلى مدن جنوة أو مرسيليا أو بعض المدن الإسبانية. ولعب اليهود المغاربة بعد سقوط الأندلس 1492 دوراً كبيراً في تجارة الخمور في غرب البحر الأبيض المتوسط. واستغل البرتغاليون احتلالهم بعض السواحل المغربية على المحيط الأطلسي مثل الجديدة وأسفي ودكالة، لتوسيع تجارة العنب إلى المستعمرات في أمريكا اللاتينية. كان لليهود نصيب من هذه التجارة وكان يطلق على النبيذ اليهودي لقب "كاشير" أي حلال. ولكن حتى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن في المغرب أي مكان يسمح فيه بشرب أو بيع الخمر للمسلمين بشكل رسمي. لكن المخالفات تحولت إلى عادة تغاضت عنها السلطات.

Wine-Poseter

وعند مجيء الفرنسيين واحتلالهم المغرب العربي بعد الحرب العالمية الأولى، سنوا قوانين تسمح بإنشاء خمارات ومحال لشرب الكحول والرقص والقمار وغيره من ألعاب الحظ. لكن كان دخولها غير مسموح به للمسلمين الذين كانوا يعاقبون بالغرامات وحتى السجن في حال القبض عليهم فيها، وكانت تمنح رخص استغلالها لأشخاص مسيحيين أو يهود فقط. علماً أن عدد اليهود في ذلك التاريخ بلغ نحو 400 ألف من أصل 3 ملايين مغربي، أما عدد الأوروبيين والأجانب فبلغ قرابة نصف مليون.

وساعد الوجود الأوروبي في تطوير زراعة العنب وإنتاجه في أغلب مدن ومناطق المغرب، وتقدر المساحة المزروعة مطلع القرن الماضي بنحو 80 ألف هكتار جعلت المغرب أول مصدّر للخمر إلى فرنسا بعد الجزائر. وحتى هذه الفترة لم تكن تجارة الخمر قد انتشرت في صفوف الأهالي. ففي عام 1927 انشأ مستوطن فرنسي يدعى تالفان ايبرتيك ضيعة في ضواحي الرباط لإنتاج وتصنيع وتوزيع الخمور في القناني، سرعان ما امتد هذا المنتج الجديد إلى مدن أخرى. وفي عام 1950 بلغت مساحة الأراضي المزروعة عنباً 65 ألف هكتار، وهي السنة التي أنتج فيها المغرب ثلاثة ملايين هكتولتر من الخمر والجعة قبل أن تتراجع  هذه الحصة إلى 450 ألف هكتولتر عام 2000 بعد أن غادر جل الأوروبيين شمال إفريقيا ولم يعد الخمر يستهلك إلا لدى السكان والزوار والسياح.

Luc-Legay_flickr

لا يمثل موضوع الخمر حالياً قضية أخلاقية أو دينية في المغرب كما في دول عربية أو إسلامية أخرى، بل يُعدّ إنتاجاً زراعياً وغذائياً ذا مردود اقتصادي ودور سياحي وانفتاحي، ساهمت فيه حضارات وارتبط بتواريخ وأحداث هي جزء من المغرب وهويته الثقافية والحضارية الضاربة في القدم إذ يعتقد الأمازيغ أنهم  أحفاد الفينيقيين ويأخذون عنهم  كتابات "تيفنار"، في حين يعتقد العرب أن جزءاً من إسلامهم المتسامح تعلموه في الأندلس. ويحرص اليهود المغاربة على التأكيد أن جوازات السفر التي يحملونها أو الدول التي يقيمون فيها لا تلغي تراثهم الذي يفتخرون به في احتفالات "هيلولة" التي يقيمونها في المدن المغربية ذات الأصول اليهودية.

التعليقات

المقال التالي