الاقتصاد الإيراني: ما قبل الاتفاق النووي ليس كما بعده

الاقتصاد الإيراني: ما قبل الاتفاق النووي ليس كما بعده

في 14 يوليو 2015، وُقّع أخيراً اتفاق تاريخي بين إيران والخمسة زائداً واحداً، أتى تتويجاً لاثني عشر عاماً من المفاوضات المتقطّعة. ويُفترض بهذا الاتفاق منع إيران من إنتاج قنبلة نووية وحصر الطاقة النووية بالاستعمالات السلمية مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وهذا ما سيسمح بإعطاء زخم جديد للاقتصاد الإيراني الذي عانى الأمرّين من العقوبات، خصوصاً بعد تشديدها في العام 2011.

يجب أولاً الإشارة إلى صمود الاقتصاد الإيراني أمام سيل العقوبات المفروضة على البلاد ومنعته، خصوصاً أن إيران كانت محاطة بعزلة شبه تامة خلال السنوات الماضية وعانت من تجميد أصولها وأرصدتها في الخارج ومنع المصارف العالمية من التعامل معها. نتيجةً للعقوبات القاسية، خسرت إيران عائداتها من النفط، كما تدهور سعر صرف عملتها المحلية وشهدت تضخماً يقارب 40%. ولكن، على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من تقلّص الناتج الإجمالي المحلي الإيراني بنسبة 20% بعد تشديد العقوبات في العام 2011، احتلت إيران المرتبة 22 عالمياً في نشر الأبحاث العلمية. كما احتلت المرتبة الأولى اقليمياً في مجالات الهندسة وعلوم الكمبيوتر والطاقة وعلوم المواد والأدوية، متقدّمة بذلك على كل من تركيا وإسرائيل ومجمل الدول العربية.

ربيع اقتصادي متوقع

أما اليوم، وبعد طوي صفحة العقوبات الغربية، تنتظر إيران ربيعاً اقتصادياً يعيد الزخم إلى التبادل التجاري مع بقية دول العالم، ويسمح لها بدخول أسواق المال العالمية وتحرير أصولها المجمّدة. ويبدو أن العالم أيضاً ينتظر فرصته للاستثمار في إيران ودخول أسواقها. فبعد أيام من توقيع الاتفاق، زار وزير الاقتصاد الألماني ونائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إيران، في زيارة عمل استمرت 3 أيام، شكّلت فاتحةً لاستثمار الغرب في السوق الإيرانية. فإيران، مع عدد سكان يقارب 78 مليوناً، تشكّل سوقاً جاذبة للمستثمرين والشركات والمصالح العالمية.

مع رفع العقوبات وتدفق الرساميل الأجنبية، يُتوقّع أن تشهد إيران نمواً في الناتج الإجمالي المحلي يقارب 5%، في غضون سنة فقط، وقد يصل إلى 8%. كما أن إنتاج إيران للنفط، والذي يبلغ اليوم قرابة 2.8 مليوني برميل يومياً، سيزداد بين 600 إلى 800 ألف برميل، وهذا ما سيسمح لها بالاستئثار بـ4% من إنتاج النفط العالمي، في حين أنها تحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث احتياطي النفط الخام. ستستفيد إيران أيضاً من رفع العقوبات لتحديث تقنيات استخراج النفط وتنشيط قطاع الطاقة، وهذا ما يتطلب استثمارات مهولة، قد تصل إلى 200 مليار دولار. يُضاف إلى كل ذلك اهتمام شركات النفط العالمية بهذا القطاع، بالإضافة إلى العديد من دول المنطقة التي يُتوقّع أنها ستقطف أيضاً ثمار رفع العقوبات مع تشريع السوق الإيرانية أبوابها أمام المستثمرين، مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة.

كثيرةَ أيضاً هي الشركات المهتمة بدخول السوق الإيراني، ومنها شركتا بوينغ وإيرباص، التي قد توفّر لها إيران عائدات تفوق 20 مليار دولار، مقابل 400 طائرة تجارية، يُتوقّع أن تستبدل الأسطول الجوي الحالي خلال السنوات العشر المقبلة.

سيسمح هذا الوضع الطارئ لإيران بالاستفادة من طاقاتها الشابة الواعدة والمبدعة ووضع حد لهذا النزيف البشري الهائل الذي تعاني منه، مع هجرة أدمغتها إلى دول عالم الشمال، بحثاً عن فرص العمل. اليوم، نحو 25% من الإيرانيين من حاملي الشهادات الجامعية، يعملون في الدول المتقدمة، وهذا ما يُفقد إيران نحو 50 مليار دولار سنوياً من العائدات.

من المؤكّد أن الاتفاق النووي ساهم في إبعاد شبح حرب جديدة في المنطقة، ولكنه أيضاً شرّع الأبواب على مصراعيها أمام فرص جديدة ورابحة للاستثمار في شتى المجالات. إن تم احترام الاتفاق النووي، فستتحرّك عجلة الاقتصاد الإيراني من جديد، وبوتيرة سريعة، تُخرج البلاد من حالة الركود التي تعانيها اليوم. ولا ريب أن هذا الربيع الاقتصادي الإيراني ستكون له مفاعليه وتأثيراته على مستوى المنطقة، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

كلمات مفتاحية
إيران اقتصاد

التعليقات

المقال التالي