برغم الحرب والمقاطعة، غزة تستورد 65% من حاجاتها من إسرائيل

برغم الحرب والمقاطعة، غزة تستورد 65% من حاجاتها من إسرائيل

"سوبر ماركت شراب"، متجر كبير في جنوب قطاع غزة. على رفوفه أنواع مختلفة من المواد الغذائية المصنوعة في إسرائيل، مشروبات غازية وبسكويت ومعلّبات. وحسب صاحب المتجر راغب شراب: "هناك إقبال عليها من قبل المواطن الغزي، لاعتقاده بجودتها العالية مقارنة بالبضائع الفلسطينية القليلة الجودة".

في نهاية شهر يناير الماضي، سمحت وزارة الاقتصاد الوطني في حكومة غزّة السّابقة باستيراد عدد من المنتجات الإسرائيلية، معلّقةً بذلك قرار "إحلال الواردات" الذي أقرته وزارة الاقتصاد الوطني مطلع العام 2013، "من أجل دعم المنتج الفلسطيني المحلي".

اعلان


يرى شراب أن هناك منافسة بين المنتجات الإسرائيلية والتركية والمحلية، وإذا كانت المنتجات الإسرائيلية في المرتبة الثالثة بعد المحلية والتركية، فمرد ذلك لأسعارها المرتفعة، لا إلى حملات المقاطعة.

لكن ارتفاع أسعارها لم يؤثر على قرار إدخالها إلى قطاع غزة، علماً أن لها زبائنها بحسب شراب، "وهم من ذوي الدخل المرتفع". وهؤلاء قليلون بسبب الضائقة المالية التي يعاني منها الموظفون في القطاع، فبعضهم من موظفي السلطة، وهؤلاء يتسلمون 60%من راتبهم الأساسي، والبعض الآخر لم يتسلم راتبه منذ أشهر عديدة، وهم من الموظفين الذين يعملون في حكومة حماس منذ العام 2007.

عللت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة في تصريحات صحافية قرارها بأنّها اتجهت نحو خفض القيود المفروضة على السلع المستوردة من إسرائيل، وجعلها بسعر يلبي حاجات المواطنين بسبب المشاكل التي نتجت من الحرب الأخيرة على قطاع غزة وتضرر الإنتاج والصناعة. ومن المنتجات التي سُمح باستيرادها: المشروبات الغازية، المياه المعدنية، والعصائر، والبسكويت، والشوكولاته، والتشيبس، والقهوة ومشتقاتها، والمعلبات، وورق المحارم، ومستلزمات الدهانة.

التبادل التجاري بين غزة وإسرائيل

لكن واقع الإقبال على السلع الإسرائيلية في المحال التجارية، يظهر أن غاية الوزارة من القرار المتخذ لم تتحقق، لأن الإقبال على السلع الإسرائيلية تراجع بسبب ارتفاع أسعارها مقارنة بغيرها، الأمر الذي تؤكده الأرقام الرسمية. فبحسب بيان للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني صدر أخيراً، فإن الواردات من إسرائيل انخفضت خلال يناير الماضي بنسبة 14.2% مقارنةً بالشهر السابق، كما انخفضت من بقية دول العالم بنسبة 1.8%، إذ يعتبر قطاع غزة من أكبر الأسواق بالنسبة لإسرائيل. وقد شكلت الواردات من إسرائيل 56.3% من إجمالي قيمة الواردات لشهر يناير 2015. كذلك بلغ حجم الاستيراد الغزي من إسرائيل نحو 65% من إجمالي الواردات في العام 2014. الأمر الذي يثبت أن العلاقات التجارية لم تنقطع بين غزة وإسرائيل حتى في عز الحرب، وقبل اتخاذ وزارة الاقتصاد الوطني قرارها المذكور آنفاً.

الإدارة العامة للمعابر والحدود

هنالك في قطاع غزة أربعة معابر تجارية تتحكم فيها إسرائيل، معبر واحد مفتوح والبقية مغلقة، وهو معبر كرم أبو سالم الذي تدخل منه البضائع والوقود إلى القطاع، وتغلقه سلطات الاحتلال يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع.

يرى خبراء أن قطاع غزة عبارة عن مجتمع استهلاكي غير منتج، إذ بلغ عدد مصانع المواد الغذائية فيه حوالي 30، بعضها جرى تدميره خلال الحرب الأخيرة، لذا فإنه يعتمد على المنتجات الإسرائيلية أو العربية أو الدولية، وأخيراً سمحت إسرائيل بتصدير المنتجات الزراعية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وإلى إسرائيل، خصوصاً الباذنجان والبندورة.

نقاش داخلي فلسطيني: الكلام شيء والواقع شيء آخر

يؤكد الباحث الاقتصادي ماهر الطباع لرصيف22 أن "السماح بدخول المنتجات الإسرائيلية إلى قطاع غزة، وعلى رأسها العصائر والمشروبات، هو تخلٍ من قبل وزارة الاقتصاد الوطني عن سياسة إحلال الواردات، التي انتهجتها في السنوات الأخيرة ضمن تطبيق سياسة دعم المنتج الوطني، وكانت نتائجها إيجابية على زيادة الحصة السوقية للمنتجات الوطنية في الأسواق".

ويضيف الطباع: "إذا سلمنا بإدخال المنتجات الإسرائيلية وفرض رسوم عليها، فإن الرسوم ستكون مرتفعة جداً، ولا تلائم الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة من حيث ارتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف القدرة الشرائية، إذ سيتحمل المستهلك الرسوم الإضافية على تلك المنتجات إذا رغب في شرائها". ويستدرك قائلاً "لدى توافر البديل الذي يغطي حاجة السوق، إمّا من المنتجات الوطنية أو العربية بالجودة والسعر نفسيهما، يجب منع المنتجات الإسرائيلية كافة من دخول قطاع غزة، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة".

ويقول المتخصّص في الشأن الاقتصادي الفلسطيني حامد جاد: "إن حماس التي تحكم قطاع غزة وتبدو إيراداتها منفصلة عن الضفة الغربية، برغم وجود حكومة التوافق، بررت قرارها بأن جباية الضرائب والرسوم ستساهم في سد العجز المالي الذي تعانيه وزارة المال، خصوصاً حيال قدرتها على دفع النفقات التشغيلية الحكومية، التي لا يتم تمويلها عبر حكومة الوفاق". ويضيف جاد أن هناك صناعات وطنية فلسطينية لا تقل جودة عن المستوردة، بحاجة إلى دعمها وحمايتها. ويطالب جاد بالعمل على سن تشريعات أو إصدار قرارات لتنظيم السوق المحلية، من حيث معايير الجودة، والاستيراد وإعطاء مساحة أكبر للمنتج المحلي في أسواق قطاع غزة.

 أما على صعيد المستهلكين، فالمواطنة نسرين أبو لحية تفضل شراء حاجاتها من المنتجات الغذائية المحلية الصنع أو الفلسطينية الصنع، وتقول "لدي اقتناع بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية وإن كانت فائقة الجودة، لأنني بذلك أدعم الاقتصاد الإسرائيلي وهو الذي يوجه ضرباته إلى غزة". وتؤكد أنه إذا لم يتوفر بديل محلي فإنها تلجأ إلى البديل العربي قبل كل شيء".

ويقول محمود اليازجي مدير مصانع اليازجي للمشروبات الغازيّة: إن قرار استئناف الاستيراد من اسرائيل سيقلّص من حصّتنا في السوق، ويضعف من معنويّاتنا تجاه زيادة الإنتاج وتغطية حاجات القطاع من المشروبات الغازيّة"، مؤكداً قدرة مصنعه على تلبية حاجات قطاع غزّة من المشروبات الغازيّة، كونه يمتلك خمسة خطوط إنتاج حاصلة على شهادات رقابة فلسطينيّة وعربيّة وأمريكيّة من شركة Pepsi. ويوضح "لم تتراجع عندنا كميّات الإنتاج حتّى بعد أن ضرب الإسرائيليّون اقتصاد غزّة، بل عملنا جاهدين على إنتاج فائض كي لا نشعر بالعجز بعد الحرب الأخيرة".

نشر هذا الموضوع على الموقع في 30.03.2015

ميرفت أبو جامع

صحافية وباحثة ومحاضرة جامعية فلسطينية، ومدربة في الإعلام وقضايا المرأة. مساهمة في عدد من الصحف والمواقع العربية،والفلسطينية. تحمل ماجيستير في الإعلام الحديث وليسانس صحافة وإعلام.

التعليقات

المقال التالي