استفتاء اليونان: نهاية الأزمة؟

استفتاء اليونان: نهاية الأزمة؟

صدمت نتيجة الاستفتاء في الأمس أوروبا والعالم وأتت الـ"لا" مدوّية. فبعد أن كانت استطلاعات الرأي تشير إلى نتيجة متقاربة بين الموافقين على شروط الترويكا  (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) لتمديد برنامج القروض والرافضين لها، وبعد وصف وزير المال اليوناني لشروط الدائنين بالـ"إرهاب"، أتى الرفض قاطعاً وبنسبة 61.31%. ولكن ما الذي تعنيه هذه النتيجة؟ ما هي تبعات الاستفتاء على اليونان والاتحاد الأوروبي؟ أهذه حقاً نهاية الأزمة؟

فاجأت نتيجة الاستفتاء الجميع، حتى حركة "سيريزا" Syriza اليسارية لم  تكن تتوقع دعماً شعبياً على هذا المستوى. وقد شاهدنا في الأمس السعادة على وجوه اليونانيين في ساحات أثينا بعد إعلان النتائج. ولكن للأسف، هذه ليست بداية النهاية بالنسبة إلى مأساة الشعب اليوناني، أو بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من أن هذا الاستفتاء وُصف بالتاريخي، وعلى الرغم من التهويل من أنه بداية خروج اليونان من منطقة اليورو ومن الاتحاد الأوروبي، فما من ترجمة فعلية له على أرض الواقع. انحصر الاستفتاء بقبول شروط الدائنين أو عدمه، ولم يكن استفتاءً على الخروج من الاتحاد الأوروبي. فرئيس الوزراء قد أكّد مراراً أن اليونان ستبقى في منطقة اليورو وفي الاتحاد.

اعلان


لم يكن الرفض اليوناني الشعبي سوى انتفاضة على سياسة التقشف المفروضة على البلاد مقابل المساعدات المالية. وستعطي هذه النتيجة دعماً شعبياً جديداً لرئيس الوزراء اليساري أليكسيس تسيبراس Alexis Tsipras في مفاوضاته مع بروكسيل حول حزمة المساعدات، بعد أن كانت المفاوضات قد وصلت سابقاً إلى حائط مسدود. وقد أشار وزير المال يانيس فاروفاكيس Yanis Varoufakis (الذي أعلن استقالته بعد ساعات من إعلان نتيجة الاستفتاء) في تغريدة له "إلى أ نه من الممكن التوصل إلى اتفاق  في غضون 24 ساعة".

تبعات هذا الاستفتاء لن تنحصر بالجزر اليونانية فحسب، بل سيكو ن لها وقع أكبر في قلب القارة الأوروبية، وبشكل خاص في إسبانيا وإيطاليا. فقد أعطى هذا الاستفتاء زخماً للحركات المناوئة لبروكسيل ولسياساتها التقشفية في أوروبا وقد شاهدنا في الأمس المظاهرات المتضامنة مع اليونان والرافضة لسياسات التقشف في أكثر من مدينة أوروبية. فاسبانيا ستشهد انتخابات عامة في نوفمبر قد تشكل استفتاءً على سياسة حكومة ماريانو راخوي Mariano Rajoy التقشفية وقد تعطي الأفضلية لحركة "بوديموس" Podemos اليسارية، المتقدمة بحسب استطلاعات الرأي. علماً أن إيطاليا، التي تعاني هي الأخرى من عبء دين متراكم على الرغم من  التدابير الإصلاحية التي تبنتها حكومة ماتيو رانزي Matteo Renzi، صديق المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والذي كان قد أشار إلى أن إيطاليا لم تعد متخوفة من انعكاسات آثار أزمة اليونان المالية عليها، قد تميل نحو اليمين وحركة بيبي غريللو Beppe Grillo. إلى جانب كل ذلك، يُحتمل اندلاع أزمات مالية مشابهة في دول أوروبية أخرى مثل قبرص وإيرلندا والبرتغال، الأمر الذي  يحتّم على الاتحاد الأوروبي اليوم أن يأخذ كل هذه المسائل بعين الاعتبار عند التعامل مع أزمة الدين اليونانية.

لن نرى في القريب العاجل خواتيم هذه الأزمة الممتدة منذ أواخر العام 2009، بل قد نشهد اندلاع أزمات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات اقتصادات تفوق الاقتصاد  اليوناني أهميةً، واقعة هي الأخرى تحت وزر الدين. الصدام حتمي بين سياسة أوروبية رسمية تقودها ألمانيا تركّز على الإجراءات التقشفية والإصلاحات الاقتصادية بوصفها السبيل الوحيد لمعالجة أزمة الدين، وبين حركات شعبية نشأت على هامش الأحزاب السياسية، من اليمين ومن اليسار، في دول جنوب الاتحاد، خاصةً بعد اشتداد الأزمة وارتفاع نسب البطالة وغلاء المعيشة، تقدّم طرحاً بديلاً للسياسات التي لم تثمر حتى اليوم.

كلمات مفتاحية
اقتصاد العالم

التعليقات

المقال التالي