مدن اقتصادية في وسط الصحراء السعودية بمواصفات تضاهي أفضل المدن العالمية

مدن اقتصادية في وسط الصحراء السعودية بمواصفات تضاهي أفضل المدن العالمية

هل تصبح الصحراء القاحلة في الجزيرة العربية مروجاً خضراء؟ سؤال عابر يطرحه أحد موظفي الشركات التي انتقلت للتو إلى مدينة الملك عبد الله الاقتصادية التي ينظر إليها معظم السعوديين على أنها حلم بدأ يتجسّد على أرض الواقع. إلا أن الإجابة عن هذا السؤال وردت في شاشات عرض القيّمين على المدينة، عند كل مناسبة أو مؤتمر حيث يُعرض فيلم ترويجي يصوّر الحياة المستقبلية لسكان المدينة، وهم يتنزهون في البحيرات والأنهار، ويستقلون أحدث شبكات المترو أو القطار، إلخ.

اللجوء الى الصحراء هو في عداد أحدث السياسات التنموية التي انتهجتها الحكومة السعودية لجذب الاستثمارات الأجنبية وحل أزمة التكدس السكاني في المدن الرئيسية من خلال انشاء مدن جديدة بمواصفات تضاهي أفضل المدن العالمية. إلا أن هذه المدن المستحدثة ليست كتلك التقليدية التي اعتاد الكثير من السعوديين العيش فيها، فهي تخلو من الزحام وتراكم النفايات وغيرها من المظاهر السلبية المنتشرة في المدن السعودية التقليدية.

وتعدّ مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، واحدة من أربع جديدة تفاخر بها السعودية كإنجاز ضخم على مستوى الخليج والعالم العربي. تقع المدينة شمالي جدة بالقرب من مدينة رابغ الصناعية، حيث تمتد على مساحة 168 كيلومتراً مربعاً على ساحل البحر الأحمر وتبعد ساعة واحدة عن مدينة جدة، وستضم حوالي مليوني مقيم بحلول 2025. ولا يزال العمل جارياً على قدم وساق في تشييد معالم المدينة بتكلفة تقدر بنحو 26.7 مليار دولار. وتضمّ المدينة الجديدة ميناء الملك عبدالله الذي يعد أحد أكبر عشرة موانئ في العالم. وبحسب القيّمين على المشروع، ستصل الطاقة الاستيعابية لنقل الحاويات عبر الميناء إلى 4 ملايين حاوية بنهاية العام 2016 كما يتضمّن المخطط العام للميناء أكثر من 30 مساراً مائياً عميقاً، بعضها بعمق 18 متراً، وبطاقة استيعابية تبلغ 20 مليون حاوية سنوياً.

سكة قطار سريع تربطها بمكة والمدينة وجدّة

ستتضمن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية إحدى المحطات الخمس لسكة قطار الحرمين السريع، التي ستربط المدينة الاقتصادية بكل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، لتخدم ما يزيد على 8.5 ملايين شخص. كما ستضمّ مشروع الوادي الصناعي الذي يمضي قدماً لتحقيق أهدافه من خلال جذب 82 شركة صناعية محلية وعالمية، 8 منها بدأت مرحلة الانتاج، و22 بدأت فعلياً في إنشاء مصانعها، وأخرى في مرحلة الانتاج.

ويقام الوادي الصناعي على مساحة 55 مليون متر مربع ويشكل ثلث مساحة المدينة الاقتصادية، وهو يتميز ببنية تحتية متقدمة وعالمية المعايير تزوّد مختلف الأراضي الصناعية بشبكات الكهرباء والمياه والغاز والصرف الصحي والاتصالات والطرق المعبدة وتصريف الأمطار، بالإضافة إلى تدعيمها بكلّ المرافق اللازمة. ويأتي في مقدمها مشروع "القرية" المخصص لسكن العمال والمشرفين في المصانع، ويرتكز على 6 قطاعات صناعية هي: الدوائية، والسلع الغذائية والاستهلاكية، والخدمات اللوجستية، والصناعات البلاستيكية، ومواد البناء وقطاع المركبات. ويرتبط الوادي الصناعي مباشرة بميناء الملك عبدالله، وهذا ما يجعله وجهة عالمية للخدمات اللوجستية ونقطة وصول إلى 250 مليون مستهلك في العالم العربي (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا). ويتمّ حالياً تطوير البنية التحتية لأكثر من 25 مليون متر مربع لمواكبة الطلب المتزايد على الأراضي الصناعية.

وفي هذا السياق، أكد فهد الرشيد، الرئيس التنفيذي لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية، أنّ المشروع يوفّر الكثير من فرص العمل للشباب السعوديين، بالإضافة إلى بيئة سكنية مثالية لكلّ شرائح المجتمع، بدءاً من ذوي الدخل المرتفع إلى ذوي الدخل المحدود.

ويُعدّ نموذج مدينة الملك عبد الله الاقتصادية هو ذاته الذي ستُبنى عليه المدن الثلاث الأخرى وهي مدينة المعرفة الاقتصادية بالقرب من المدينة المنورة، ومدينة جازان الاقتصادية، جنوب السعودية، ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية، شمال السعودية، التي تصبو جميعها نحو هدف واحد ألا وهو خلق فرص العمل وحل الأزمة السكانية في المدن الرئيسية والمتأتية من هجرة قاطني القرى إلى المدن السعودية بهدف البحث عن عمل.

مدن الصحراء السعودية - مدينة المعرفة الاقتصادية

مدينة المعرفة الاقتصادية

جدل حول أسلوب الحياة

قد يختلف البعض في رؤيته لأسلوب الحياة الاجتماعية في المدن الاقتصادية: هل تكون أكثر تحرّراً من المدن التقليدية الأخرى، لا سيما في القضايا المثيرة للجدل كارتداء المرأة للعباءة الملزمة أو قيادتها المحظورة للسيارة، وذلك بسبب العدد الكبير المتوقع للأجانب الذين سيعيشون فيها بحكم عملهم مع الشركات الأجنبية؟ أحد الفنادق في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية رفع مثلاً لوحة داخل بهو الفندق تذكّر بضرورة التقيّد بتقاليد المجتمع في ارتداء المرأة للعباءة وعدم الخروج من النص الحكومي المرسوم للحياة الاجتماعية في السعودية، وهو أمر يحسم الجدل الذي قد ينجم عن ارتفاع تعداد الموظفين الغربيين في المدن الاقتصادية.

وبغية تجاوز هاجس تعثّر مشاريع البنى التحتية، أسندت هيئة المدن الاقتصادية، الجهة الحكومية المشرفة على بناء المدن الاقتصادية، مشاريعها إلى شركات تمتلك الخبرة الكافية في تشييد البنى التحتية كشركتي "إعمار" وشركة "بن لادن"، إذ قامت الأخيرة ببناء بعض المناطق السكنية في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية.

على الرغم من عدم وضوح المدة الزمنية لاستكمال هذه المشاريع الضخمة، فلا بد من الانتظار على الأقل عشرة أعوام لرؤية معالم المدينة. وقد استهلّ المسؤولون عن المدينة المشروع بتأجير وبيع الأراضي للشركات والمصانع التي تودّ تأسيس كيانات لها، في حين أعلنت المدينة عزمها عرض العقارات الجديدة لـ220 قطعة أرض مخصصة للفيلات في منطقة "الساحل" بحي المروج، واحد من أرقى الأحياء السكنية في المدينة الاقتصادية، بقصد التملك.

وتمتد منطقة "الساحل" على مساحة 280 ألف متر مربع، مطلة على شاطئ البحر الأحمر. وستقدم لسكانها فرصة التمتع بأفخم أنماط العيش في أجواء شاطئية راقية. وتضم المنطقة 220 قطعة أرض مخصصة لبناء الفيلات. كما سيتمّ تزويد المشترين، من دون رسوم إضافية، بإمكان الاختيار بين 20 تصميماً تتنوع ما بين النمطين العربي والإسباني اللذين يميِّزان حي المروج كوجهة ساحلية راقية تتسم بطابع البحر الأبيض المتوسط.

مدينة لكل الفئات

وفي سياق المقارنات، تتفوّق مدينة الملك عبد الله الاقتصادية على جزر النخيل في إمارة دبي بشمولية خدماتها التي لا تستهدف السائح الأوروبي وحده، بل تشمل طبقات العمال والموظفين، إذ  حرص القيمون على المدينة الاقتصادية على توفير الرفاهية للجميع.

 وتُعدّ جزيرة اللؤلؤة في قطر أقرب النماذج تشبهاً بمدينة الملك عبد الله الاقتصادية، إلا أنها لم تصل إلى حد التكامل في أهدافها الإستراتيجية وخدماتها لساكنيها. فتمتاز مدينة الملك عبد الله بوجود الوادي الصناعي بغية استقطاب المستثمرين الصناعيين وتوفير فرص عمل، بينما تمتاز جزيرة اللؤلؤة القطرية بهدف استقطاب المستثمرين في نطاق التنوع العقاري. ولا شك أنّ رؤية صانعي كل من مدينة الملك عبد الله الاقتصادية وجزيرة اللؤلؤة القطرية، تباينت في الغاية الكامنة وراء إنشاء هاتين المدينتين. فتأتي فكرة المدن الاقتصادية في السعودية ضمن إطار السعي إلى جعل السعودية أحد المراكز الصناعية في الشرق الأوسط لحلّ أزمة البطالة في البلاد، بينما نموذج الجزيرة القطرية يهدف إلى تعزيز مكانة قطر في استقطاب الاستثمارات العقارية، وهو النموذج نفسه الذي نجحت إمارة دبي من خلاله في التعريف عن نفسها عالمياً.

إبراهيم نافع

صحفي اريتري عمل محرراً لدى صحيفة الشرق الاوسط اللندنية وصحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الانجليزية، ويعمل الآن مراسلاً لدى موقع هافنغتون بوست عربي في منطقة الخليج العربي

كلمات مفتاحية
استثمار السعودية

التعليقات

المقال التالي