كلفة الحضانة الجيدة أكثر من نصف متوسط دخل المصري

كلفة الحضانة الجيدة أكثر من نصف متوسط دخل المصري

شكلت "الحضانة" أو "روضة الأطفال" في مصر جواباً عن السؤال الذي يكره الأهل حتى التفكير فيه، وهو: أين سنضع أطفالنا بأمان أثناء دوام عملنا؟ فتزايد انخراط المرأة المصرية في سوق العمل ولّد حاجات جديدة للأسرة، زادتها صعوبة عملية الانتقال الواسعة النطاق من الأرياف إلى المدن. وهذا ما قلّل إلى حدّ كبير من إمكان استفادة الوالدين من علاقات القرابة، لتوفير بيئة آمنة لأطفالهما أثناء وجودهما خارج البيت.

لعلّ  ذلك أحد أبرز أسباب ما رصده البنك الدولي أواخر العام الماضي من "اتجاه متزايد لخروج النساء المتعلمات من سوق العمل المصري"، وهن الأكثر حاجة إلى خدمات الحضانات للاعتناء بأطفالهن. إذ كانت "نسبة مشاركة خريجات الجامعات في سوق العمل عقب التخرج تبلغ 63% بين 1955 و 1959، لكنها تراجعت باطراد إلى 33% بين 1985 و 1989". يأتي ذلك على الرغم من أن التقرير ذاته يشير إلى أن معدل البطالة في مصر تراجع، لكن العمالة غير الرسمية أصبحت هي الوضع السائد. فـ"في العام 1998 كان معدل البطالة في الشريحة العمرية (15 عاماً-65 عاماً) أكثر من 10%، لكنه انخفض باطراد ليستقر منذ عام 2006 دون ذلك. وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة العمالة غير الرسمية في تلك الشريحة لتتجاوز 50% بعدما كانت دون هذا المستوى في 1998".

اعلان


لكن بمرور الوقت تحولت تلك الحضانات إلى عبء اقتصادي جديد تتحمله الأسرة، حسبما تؤكد الأم العاملة منى السكري (اسم مستعار) لرصيف22. تقول منى: "حين بدأت رحلة البحث عن حضانة مناسبة لابنتي كنت أبحث عن الأقل سعراً في البداية، وعثرت على حضانة كلفتها 39 دولاراً في الشهر، لكن بمرور الوقت اكتشفت أنه كلما انخفض الرقم المدفوع شهرياً انخفض مستوى ما يتلقاه الطفل من رعاية ونظافة وتعليم وتنوع في الأنشطة التي يمارسها، وأصبح تعرضه للخطر وارداً في هذه الأماكن الرخيصة".

وتتابع: "اكتشفت أن الحضانة الرخيصة ليست مكاناً مناسباً لطفل كي يقضي وقته فيه، لأن ابنتي كانت تتناول الطعام وتأخذ قيلولتها النهارية في مكان قذر". فيما بعد أدركت منى، بعد بحث مضنٍ وطويل، أن "الحضانة المناسبة للطفل يبدأ سعرها من 131 دولاراً شهرياً على الأقل". وقد أرسلت ابنتها إلى واحدة منها، حيث صارت "تحصل على وجبتي الإفطار والغداء وتمارس أنشطة مناسبة لعمرها". هذا علماً بأن كلفة الباص الذي ينقلها من الحضانة وإليها تبلغ حوالي 39 دولاراً.

وخلال زيارة ميدانية لحضانة "عالية" بحي الدقي، وهو أحد الأحياء السكنية الراقية، يتبين أن السعر الذي دفعته منى هو الأقل بين أسعار حضانات المنطقة، إذ تراوح الأسعار في هذا الحي ما بين 262 و460 دولاراً في الشهر. ومستواها بالتأكيد أعلى من الحضانة التي تتعامل معها منى، بدءاً من المدخل والديكورات مروراً بالتجهيزات والأنشطة التي يمارسها الأطفال، فضلاً عن مستوى التعليم.

أمّا في منطقة المعادي فهنالك نوعان من الحضانات، حسبما تؤكد والدة الطفل "آسر". الأول عبارة عن شقة تم تحويلها إلى حضانة، وكلفتها الشهرية من 92 إلى 105 دولارات، لكن مستواها ضعيف، ولن يحصل الطفل فيها على تعليم جيّد، برغم ارتفاع سعرها الذي يساوي مرتب والدة "آسر"، حيث تعيش الأسرة تقريباً على مرتب الوالد فحسب. النوع الآخر من الحضانات يكون في "فيلا"، تراوح كلفتها الشهرية ما بين 170 و262 دولاراً.

تكلفة الحضانة في مصر - تكلفة الحضانة الجيدة في مصر

الحضانة تبتلع دخل الأسرة

حسب الأرقام السابقة، يتضح أن الحد الأدنى لكلفة الحضانة المناسبة التي يتوقع حصول الطفل فيها على مستوى لا بأس به من التعليم والرعاية يبلغ 131 دولاراً، دون كلفة الباص البالغة 39 دولاراً شهرياً، أي أكثر من نصف متوسط الدخل السنوي للفرد المصري، البالغ حسب البنك الدولي 3 آلاف دولار سنوياً.

وعليه، يتبين أن إجمالي المدفوع لحضانة سنوياً يقدر بـ 1572 دولاراً، أو 2040 دولاراً إذا احتسبنا كلفة الباص الشهرية. الأمر الذي يفسّر تفضيل بعض النساء المتعلّمات التفرغ لأمور البيت على الانخراط في سوق العمل، إذ لن تستطيع أجورهن تغطية كلفة الحضانة بمفردها.

أصحاب الحضانات يعزون ارتفاع الأسعار إلى مستوى التعليم والرعاية التي يتلقاها الطفل فيها. يقول صاحب حضانة لرصيف22: "لدينا طاقم تعليمي أجنبي يعلّم الطفل اللغتين الفرنسية والإنجليزية. كما يقضي الأطفال لدينا وقتاً طويلاً من الثامنة صباحاً إلى الرابعة بعد الظهر. يتناولون اثناءه وجبتين تحويان كل العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الطفل للنمو"، لافتاً إلى أنه يسمح بإطالة وقت الحضانة حتى السابعة مساء، إذا كان الأهل يعملون لوقت متأخر، وهذا مقابل بدل مادي إضافي "أوفر تايم". ويضيف: "نقيم رحلات مستمرة للأطفال إلى أماكن متنوعة، لكن كلفتها يتحمّلها الأهل بالإضافة إلى البدل الشهري".

1265 حضانة شرعية

وبحسب الاحصائية السنوية لموقع وزارة التضامن الإجتماعي للعام 2013-2014 يصل عدد الحضانات الواقعة تحت إشرافها في القاهرة لـ1265 تستضيف حوالي 92 ألف طفل، وتستفيد منها حوالي 75 ألف عائلة. لكن هناك الكثير من الحضانات العشوائية غير المرخصة من الوزارة، والتي لا تتوافر فيها المقومات الأساسية، وتهددها أخطار ناشئة من سوء اختيار الموقع ونقص المقومات اللازمة للحفاظ على الأطفال وعدم تدريب العاملين فيها على أساليب التربية الحديثة. والسبب الرئيسي لانتشار الحضانات العشوائية، حسب أصحاب الحضانات الشرعية، هو أنها تفتح الباب واسعاً أمام تحقيق أرباح لا تحتاج إلى الكثير من المجهود.

الوزارة لا تفرض الأسعار

يؤكد كمال الشريف، رئيس الإدارة المركزية لشؤون وزارة التضامن، لرصيف22 أن الوزارة تمنح تراخيصها لانشاء الحضانات وفقاً لعدد من الشروط التي تضمن سلامة الطفل، منها أن يكون المكان مناسباً وقريباً من العمران، ولا يتعرض فيه الأطفال للخطر، فضلاً عن توافر بيئة صحية، وأن تكون الحضانة في الأدوار الأولى من المباني.

ويضيف الشريف أن الحضانات تخضع لرقابة إدارة الأسرة والطفولة بالوزارة، وتقوم إدارة الطفولة بإعداد زيارات ميدانية منتظمة لمتابعتها ومراقبة سير عملها، موضحاً أن "أي حضانة مخالفة للشروط والمواصفات الموضوعة، يرسل لها انذار بالغلق، وإذا لم تصلح أوضاعها، وتستكمل ما ينقصها، نصدر قراراً يقضي بإغلاقها موقّتاً. وإذا استمرت على الحال نفسه تغلق نهائياً".

وفي ما يتصل بالأسعار المرتفعة للحضانات، يؤكد الشريف أنه في حال تقدم جهة من الجهات بطلب إنشاء حضانة، تتم مناقشتها في الأسعار، وللوزارة حق الموافقة أو الرفض حسب الإمكانات المتوافرة في الحضانة وحسب البرامج المعدة للأطفال وسعة المكان، لافتاً إلى أن كل حضانة تختلف عن الأخرى في مستوى الخدمة التي تقدمها، وأن الوزارة لا يمكنها أن تفرض سعراً موحداً على أصحاب الحضانات.

ساره ابراهيم

صحافية مصرية مساهمة في عدد من الصحف والمواقع المصرية وفي إذاعة راديو الشعب تهتم بالشؤون السياسية.

التعليقات

المقال التالي