80% من السودانيين على عتبة الفقر

منذ منتصف ديسمبر 2014، انتشرت المئات من فرق الجهاز المركزي للإحصاء في السودان من أجل إجراء أضخم عملية مسح لنسبة الفقر في البلاد التي باتت تعاني من ضائقة اقتصادية طاحنة، لا سيما بعد انفصال الجنوب العام 2011، ما حرم السودان من 75% من المخزون النفطي، كان يشكّل نحو 68% من موارد البلاد.

بحسب آخر مسح للفقر في السودان أجري العام 2009 قبيل انقسام السودان دولتين، كانت نسبة الفقر العامة في السودان 46.5%، منها 26.5% من سكان المدن و57.5% من سكان الريف، فضلاً عن اختلاف ما بين الولايات، حيث كانت النسبة في ولاية شمال دارفور – غربي البلاد 69% كأعلى نسبة، وفي ولاية الخرطوم 26% كأدنى نسبة.

ولا شك في أن متغيرات كثيرة حدثت ما بين العام 2009 واليوم، منها انفصال جنوب السودان، وهذا ما غيّر عدد السكان ونسبة الريفيين والحضريين، وأدّى إلى اختلال في موارد وإيرادات الدولة، بالإضافة إلى تغيّر في سعر الصرف وفي أوزان القطاعات الاقتصادية. وتالياً، حدث تغيّر في أنشطة السكان وسبل كسب لقمة العيش وأولويات مصروفهم. وأحدثت هذه المتغيرات فروقاً كبيرة في نسب الفقر سواء على مستوى البلاد، بشكل عام أو على مستوى الولايات، وهذا أمرٌ دفع الجهاز المركزي للإحصاء إلى القيام بمسح قومي لميزانية الأسرة والفقر.

يناقش خبراء اقتصاديّون في أنّ عدم توفر نسبة حقيقية وواضحة عن الفقر يشكّل هاجساً كبيراً لكل الجهات التي تسعى إلى وضع مشاريع حقيقية لمكافحة الفقر والحد منه، لا سيما أنّ تقسيم السكان بحسب درجة فقرهم مهم لتوجيه البرامج التي تستهدف كل شريحة على حدة. ويتوقّع بعضهم أن يكشف المسح الإحصائي الجديد الذي يجري بالتعاون الفنّي مع جهاز الإحصاء النرويجي عن نتائج ربما تكون صادمة جداً، بحيث تصل نسبة الفقر إلى عتبة الـ80%.

مرد ذلك إلى تراجع الناتج من الزراعة والهجرة من الريف إلى المدن والمهن الهامشية وتوسّع نطاق الصراعات المسلحة لتشمل، إلى جانب إقليم دارفور، كلّاً من ولاية النيل الأزرق وكردفان؛ صراعات تنفق فيها ملايين الدولارات التي تُخصم من جيوب الفقراء، وقد أدّت إلى نزوح قرابة 300 ألف بين أواخر فبراير ومنتصف أبريل 2014، يضاف إليهم 2.2 مليونا شخص، يعيشون أصلاً في مخيمات النزوح منذ بدء الأزمة قبل 11 عاماً.

كما يرى الخبراء أن المخرج بمراجعة الحكومة لسياستها الاقتصادية. إلا أنّ الأهم بنظرهم هو أن تجد حلّاً للأوضاع السياسية من أجل تحقيق سلام شامل وتوافق وطني على الحكم وإدارة الموارد.

إنفاق غير كاف

طوال السنوات الماضية، عملت الدولة السودانية على محاربة الفقر من دون تحقيق أي تقدّم ملحوظ، لاسيما في ظل غياب الاستراتيجيات الدقيقة والمحكمة بعيدة المدى. وسعت الحكومة إلى تطبيق العديد من البرامج والسياسات المسنودة بتشريعات برلمانية، كان آخرها، وثيقة الاستراتيجية المرحلية للتخفيف من حدة الفقر في السودان، كخطوة أولى في وضع نهج شامل ومنسّق للحدّ من الفقر.

ودعا البرلمان في تلك الوثيقة إلى زيادة الاعتماد المرصود لمشاريع وبرامج الحد من الفقر، عبر الموازنة العامة للدولة والبحث عن قروض ميسرة عبر مؤسسات التمويل الدولية والاستثمارات، وتوسيع تجربة التعاونيات ووضع السياسات اللازمة للتعدين التقليدي وربط الطرق، وتخفيف تعرفة المواصلات وتفعيل مصادر مكافحة الفقر من الزكاة والضمان الاجتماعي، وزيادة الرواتب ودعم الأسر ومكافحة الفساد، واعداد إحصائيات للأسر الفقيرة ودعم الصندوق القومي لرعاية الطلاب وتنفيذ مجانية التعليم.

ولكن، حتى هذه الاستراتيجية سرعان ما تلقت صدمات مدمّرة كانت الأولى برفض شعبي واسع لرفع الدعم عن المحروقات والسلع الذي كان من الأعمدة الأساسية للوثيقة. وجاء الرفض، بحسب المراقبين، بسبب المعالجات الاقتصادية التي لم تُطبّق بشكل صحيح ناهيك بمخاوف وهواجس الفقراء جراء سياسة رفع الدعم. أمّا الصدمة الثانية فتمثلت في ضعف الصرف الحكومي على مشاريع الحد من الفقر. ولعل ذلك ما أكّده وزير الدولة في المالية السودانية عبد الرحمن ضرار قائلاً إنّ "نسبة الصرف على مشروعات الحد من الفقر ليست بالقدر المطلوب حتى الآن".

وأعلن ضرار الشّروع في إعداد استراتيجية شاملة لخفض معدلات الفقر في البلاد، بالتعاون مع البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، متوقعاً زيادة نسبة الصرف على مشاريع الحد من الفقر بعد إجازة هذه الاستراتيجية.

لكن من بين أسباب فشل الاستراتيجية المرحلية أيضاً نجد غياب بيانات خاصة بالسكان وعدم اعتبار الزراعة من أولويات الاستثمار، بالإضافة إلى أنّها لم تربط بين الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية الكلية.

دور المصارف في محاربة الفقر

اختبرت الدولة السودانية العديد من البرامج لمحاربة الفقر، من بينها الدعم المباشر للفقراء من خلال الزكاة ومن خلال وزارة الضمان الاجتماعي، وكذلك من خلال مشروع التأمين الصحي ومشاريع التمويل الأصغر مع البنك المركزي الذي ألزم المصارف بتحديد نسبة 12%  لبرامج التمويل الأصغر كحد أدنى،  فضلاً عن  الاهتمام بالسكن باعتباره يمثل 30% من حاجات ودخل المواطن، فتم تنفيذ برنامج السكن الشعبي. كذلك طرحت برامج لمحاربة البطالة التي بلغت 28%، من بينها برنامج توظيف الشباب وتشغيل الخريجين يستهدف 297 ألف خريج بجانب تخصيص 10% من السقوف الائتمانية للمصارف لتمويل صغار المنتجين.

على الرغم من أنّ كل هذه التجارب جديرة بالتقدير، الا أنّها ليست كافية ولم تُطبّق على أرض الواقع بشكل سليم. ويقول الباحث الاقتصادي نزار الحاج موسي لرصيف 22 "إنّ المصارف تجد صعوبة في تنفيذ سياسة بنك السودان الداعية إلى تخصيص نسبة 30% من مقدار أموالها للتمويل الأصغر للشرائح الضعيفة". ويضيف أنّ عدم قدرة النظام المصرفي السوداني على الدّخول في عمليات التمويل بخطى ثابتة "أفقدت البرنامج العديد من المزايا"، موضحاً أنّ التكاليف الإدارية العالية التي يتميز بها التمويل الأصغر، تجعل من تنفيذ المشاريع المستهدفة غاية في الصعوبة، فضلاً عن أنّ شريحة الفقراء في السودان تفتقر لثقافة التعامل مع القطاع المالي ما يوسّع الهوة بينها وبين المصارف.

وتحوّل السودان الذي كان يلُقّب بـ"سلة غذاء العالم" إلى متلقّي إعانات ينادي العالم لإطعامه. فبحسب ما ذكرت الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها عن الوضع الانساني بالسودان، فإن 70% من السودانيين يعانون صعوبات في الحصول على حاجاتهم الأساسية مثل الماء والغذاء والتعليم والعلاج، فضلاً عن أن الخدمات الصحية لا تغطي سوى 40% من السودانيين.

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
السودان

التعليقات

المقال التالي