هل بدأ السيّاح الروس يهجرون دبي؟

هل بدأ السيّاح الروس يهجرون دبي؟

غالباً ما تلتقي مواطنين روساً، مقيمين وسياحاً، عندما تكون في أحد المتاجر العملاقة أو المطاعم أو الأحياء المختلفة في دبي. فطوال سنوات، شكّلت إمارة دبي الوجهة الأحب إلى قلوب عدد كبير من الروس.

يشرح محمد شيحا، المدير التنفيذي لمجلس الأعمال الروسي في دبي الذي يعتبر جسراً للتواصل التجاري والثقافي والاجتماعي بين روسيا والإمارات العربية المتحدة، أنّ أحدث الإحصاءات "قدّرت أعداد الروس المقيمين في الإمارات بنحو 40 ألفاً، وبإجمالي 100 ألف من الناطقين بالروسية، النسبة الكبرى منهم في دبـي". ويتوقع شيحا - الذي يعمل على تطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز التعاون بين البلدين من طريق توفير منصة للقاء رجال الأعمال والشركات والمؤسسات الروسية مع نظيراتها الإماراتية - أن يواصل "هذا الرقم النمو في السنوات المقبلة، لأنّ الإمارات العربية المتحدة هي، من دون شك، مركز جذب للشركات ورجال الأعمال الروس الراغبين في الدخول إلى اقتصاد الشرق الأوسط من أوسع أبوابه".

تراجع عدد السياح الروس

أمّا في ما يتعلّق بإحصاءات السياح الروس في السنوات الأخيرة، يوضح شيحا لرصيف22 أنّ دبي "تستقبل حوالى مليون سائح روسي سنوياً، يحصلون فيها على خدمات عالية الجودة في الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق. وتجذب مهرجانات التسوق التي تقام في دبي سنوياً ملايين الزوار من العالم ومن روسيا خصوصاً. وعلى الرغم من تراجع أعداد السياح في مطلع 2015، فما زالت بعض شركات السياحة تستقطب السياح الروس، خصوصاً طبقة الميسورين ورجال الأعمال".

وعلى الرغم من أنّ سوق الضيافة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد شهدت نمواً ثابتاً من حيث مؤشرات الأداء الرئيسية خلال العام 2014، بحسب تقرير إرنست ويونغ (EY) حول القطاع الفندقي في الشرق الأوسط، فإن هذا القطاع قد يواجه تباطؤاً خلال العام 2015 في ظل عدم الاستقرار الذي تشهده أسعار النفط. وتصدّرت دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2014 الأداء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث الإشغال، وحافظت على أعلى المستويات بنسبة 78% في كل من دبي وأبوظبي.

إلا أنّ الفنادق في دبي شهدت، خلال ديسمبر الماضي، قطع العديد من السياح الروس إجازاتهم عقب شيوع الأخبار عن حالة عدم الاستقرار الاقتصادي الذي تشهده بلادهم. وعانت الفنادق في مختلف أرجاء دبي هبوطاً في إيرادات الغرفة الواحدة المتاحة بنسبة 5,7% في يناير 2015 مقارنة بالشهر نفسه من العام 2014. وأشار يوسف وهبة، رئيس قسم خدمات الاستشارات العقارية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في Ernest and Young، إلى أن الوضع السياسي وضعف الروبل الروسي أديا إلى انخفاض عدد المسافرين القادمين من روسيا وبعض بلدان أوروبا الشرقية (...). وتعتبر دبي مغناطيساً عالمياً يجذب السياح من العالم، وهذا ما يجعلها مرنة نسبياً ويقلّل تأثرها بتذبذبات سوق ما. وتواصل نسب الإشغال في دبي مضاهاتها لنسب الأسواق الفندقية العالمية، مثل لندن وباريس ونيويورك، وقد تتفوق عليها أحياناً. وعلى الرغم من صعوبة المحافظة على الأداء نفسه الذي شهدته دبي خلال 2014، لكن إن استقرت أحوال السوق، فقد يكون العام 2015 عاماً جيداً جداَ بالنسبة لسوق الفنادق في دبي".

ويعتبر شيحا أنّ السياح الروس ينجذبون إلى دبي لأنّها "تتميز ببنية اقتصادية وتشريعية مرنة ومنفتحة على العالمية وبيئة مستقرة مناسبة للاستثمار تجتذب بها المستثمرين الروس للعمل والمنافسة في أسواقها". ويضيف "إنها من جانب آخر، تستقبل سياحها الروس بكل ترحيب، وتوفّر لهم أفضل الخدمات في فنادقها ومطاعمها، وهذا ما يجعل دبي وجهة سياحية واقتصادية بارزة للروس من كلّ الشرائح".

ويكشف محلّل مالي، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أنّ السياح الروس متبعثرون جداً، ويشرح قائلاً: "الروس الأكثر ثراءً ما زالوا حتى الآن يتوجّهون إلى موناكو ولندن وهونغ كونغ وسنغافورة وميامي. أمّا السياح الذين يأتون إلى دبي، فهم من ذوي الدخل المتوسط أو الأغنياء الذين يسافرون أيضاً إلى قبرص وتركيا".

وتأكيداً على أن السياح الروس يفضّلون الوجهات السياحية الأقل كلفة، أظهرت دراسة أجرتها أخيراً رابطة وكلاء السياحة الروسية ATOR أن الطلب الأساسي للسياح الروس خلال شهر فبراير الماضي، تركّز على خمس وجهات تقدّمتها مصر فتركيا وتايلندا.

ويرى المحلل الماليّ نفسه أنّ القطاع الفندقي ليس الوحيد الذي عانى من تدهور الروبل وأسعار النفط، بل أيضاً شركات الطيران، وضرب مثلاً بطيران الاتحاد التي كانت تسيّر ثلاث رحلات يومياً إلى موسكو، واستبدلتها برحلتَين في حين أنّ طيران العربية ألغت رحلاتها إلى مدينة كراسنودار الروسية". حتى أنّ بعض الخطوط الجوية الروسية على غرار Ural Airlines كانت قد ألغت العام الماضي رحلاتها من مدينة مينيرالني فودي إلى دبي، بعد أن تراجع الطلب على السفر. وبحسب بيانات مطار دبي الدولي، شهد شهر فبراير تراجعاً بنسبة 36% في عدد السياح الروس.

باختصار، شهدت حركة السياحة الروسية تراجعاً في الفترة الأخيرة بسبب تراجع سعر صرف العملة الروسية أمام الدولار واليورو بمستويات قياسية، وهذا ما حدّ من قدرة المواطن الروسي على شراء العملات الصعبة التي يحتاج اليها للإنفاق في الرحلات السياحية، الأمر الذي انعكس تراجعاً في القطاعات السياحية في تركيا ومصر ودول أخرى لاعتمادها بشكل كبير على السائح الروسي.

تدهور القدرة الشرائية للعملة الروسية

يتّفق جميع الخبراء والمحللون الاقتصاديون على أنّ تدهور سعر صرف الروبل، بالإضافة إلى تراجع سعر برميل النفط، أثّرا بشكل سلبي على القدرة الشرائية الروسية. ويعتبر المحلل المالي عينه أنّ الوضع الراهن ألقى بظلاله على الإنفاق الترفيهي وإنفاق "التجزئة" للمواطنين الروس. ويشرح أنّ الإنفاق الترفيهي الذي يطال التجارة والعطلات والسفر انعكس في تراجع عدد النزلاء الروس في فنادق دبي، إلى جانب تراجع عدد الرحلات. أمّا في ما يتعلق بإنفاق التجزئة، فيوضح أن الكثير من الحملات التسويقية والإعلانية تحث السياح الروس على شراء العقارات في دبي، إلا أنّ الوضع متأزّم الآن لأنهم لا يستطيعون تكبّد التكاليف، بسبب انخفاض قيمة الروبل، "فتخيّلوا أنه، بين ليلة وضحاها، رأى الروس قيمة عملتهم تتراجع بصورة ملحوظة، فتراجعت قيمة الأموال التي يملكونها، كما ازدادت الصعوبة في إرسال وتحويل الأموال خارج روسيا".

ويشدّد على أنّ الروس غالباً ما يستثمرون في العقارات، أكانوا من السياح أو المقيمين بسبب سهولة عملية الشراء وبساطة العيش وتوفر الخدمات في دبي. في سياق متصل، يؤكدّ شيحا أن "الإمارات تعتبر محط اهتمام المستثمرين الروس، إذ وصل مقدار الاستثمارات الروسية في قطاع العقارات إلى مليار دولار.  أما بالنسبة للطلب الروسي على العقارات فيتركز على الفخمة منها، وهو مجال تعتبر الإمارات رائدة فيه، فهي تفخر بإستراتيجيتها القائمة على السلع الرفيعة الطراز والسلع الكمالية التي يهتم بها الروس، كالأزياء والمجوهرات. ويتركز الطلب أيضاً على السيارات والأدوات الكهربائية وغيرها من وسائل التكنولوجيا التي تتطلب الاهتمام بكل ما هو جديد لتواكب تطورها المتسارع".

وفي السنوات الماضية، شكّل الروس أبرز زبائن المجوهرات والألماس إذ تجاوزت مشترياتهم في مجمع الذهب والألماس في دبي، على سبيل المثال، نسبة الـ50% من إجمالي المبيعات السنوية يليهم الصينيون والبريطانيون. وبحسب أصحاب محال المجوهرات، يحظى الروس بحصة الأسد من مبيعات المجوهرات الباهظة الثمن والألماس بشكل خاص.

ويضيف شيحا أنّ "المقيمين الروس يسهمون بشكل فاعل في دعم اقتصاد الإمارات ويؤثرون إيجاباً على اقتصاد السوق ونمط الاستهلاك. فقد بدأت المطاعم والفنادق تظهر اهتماماً بإتقان تقديم الوجبات الروسية. كما تم إطلاق العديد من المجلات والصحف التي تنشر باللغة الروسية، وتهدف إلى خدمة الأعداد الكبيرة من الروس الموجودين في الإمارات".

أخيراً، وعلى الرغم من تراجع القدرة الشرائية للعملة الروسية، ما زلنا نرى تواصل التعاون بين الشركات الروسية والإماراتية مع توقعات بتضاعف حركة التجارة بين البلدين، التي شهدت نمواً ضخماً خلال الأعوام الماضية، إذ ارتفعت من مليار و289 مليون دولار العام 2012 إلى ثلاثة مليارات و39 مليون دولار العام 2013. حتى أنّ العديد من الخبراء يتوقّعون أن تستأنف روسيا نموها الاقتصادي بحلول العام 2016، في ضوء ما اتخذته الحكومة الروسية من جهود رامية إلى تحسين بيئة الأعمال وتبسيط دخول المستثمرين الأجانب في السوق الروسية، علاوة على قدرتها على التكيف والتواؤم مع الصعوبات والظروف الاقتصادية الحالية؛ أمر قد ينعكس أيضاً على المواطن الروسي العادي وقدراته الشرائية المختلفة.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي