اللجوء السوري يغيّر وظيفة المساعدات الخارجية للأردن

اللجوء السوري يغيّر وظيفة المساعدات الخارجية للأردن

لا ينتهي الحديث في مختلف الأوساط الأردنية عن الأثر الاقتصادي للأزمة السورية، في ضوء استمرار تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، ما يشكل مزيداً من الضغوط على حكومة عمّان في القطاعات المختلفة، وكذلك على المجتمعات المستضيفة لهم، خصوصاً في إربد والمفرق وجرش.

ويستضيف الأردن ما يتجاوز 1.4 مليون لاجئ سوري، أو ما نسبته 20% من مجموع سكان المملكة، منهم 648 ألفاً مسجلون كلاجئين، و93% موجودون في المدن والقرى و7% فقط في المخيمات.

مخيم الزعتري للاجئين السوريين الذي يقع في محافظة المفرق شمالي شرق المملكة، على بُعد 10 كيلومترات من الحدود مع سوريا، أصبح موطناً لـ120 ألفاً، معظمهم نساء وأطفال، ما يجعله ثاني أكبر مخيم للاجئين في العالم. ومع ارتفاع أعداد اللاجئين السوريين في خارج المخيمات تتضاعف معاناة الأردن "الرسمي" و"الشعبي"، حيث بات اللاجئون يشكلون ضغوطاً كبيرة على معظم قطاعات المملكة المحدودة الموارد، والتي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات المقدمة.

أزمة السكن والايجارات

وفقا لدراسات الأمم المتحدة في الأردن، يعيش نحو نصف مليون سوري خارج المخيمات، 93% منهم في شقق مستأجرة، الأمر الذي ساهم في رفع بدلات إيجارات الشقق في الأردن بحوالي 300%، وانخفاض قدرة الفقراء على الاستمرار في الحصول على السكن، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة السكن العشوائي غير المنظم، وهذا ما فاقم أزمة اللاجئين، فضلاً عن أوضاع الأردنيين من الطبقة الوسطى وما دون.

أسعار الشقق في الأردن ارتفعت خلال الأعوام الأربعة الماضية 20% وفقاً لمستثمرين في قطاع الإسكان، وذلك نتيجة ارتفاع الطلب على العقار بقصد الاستثمار، إذ يتركز معظم الطلب في الأردن على الشقق الصغيرة والمتوسطة.

هذه الآثار لم تكن سلبية كلها، فعائدات الأردنيين من أصحاب العقارات، ارتفعت في السنوات الأخيرة جراء ارتفاع إيجارات "أملاكهم"، على الرغم من تدني جودة هذه الشقق، إلا أن الطلب المتزايد عليها رفع الإيجار الشهري لـ"غرفة ومنافعها"، أو ما يعرف بـ"الأستديو" إلى 300 دولار.

أزمة العمل والبطالة

مع تفاقم الأزمة في سورية وتراجع أمل العودة القريبة لدى اللاجئين إلى الأردن، بدأ معظم هؤلاء يدخلون سوق العمل لتلبية حاجات أسرهم، إذ رتّبت نشاطات السوريين في مجال العمالة ضغوطاً تنازلية على الأجور، وخاصة في القطاع غير الرسمي.

الحكومة أطلقت تحذيرات من مخاطر عالية جرّاء مزاحمة العمالة الأردنية في مناطق محددة، خصوصاً على الوظائف غير الماهرة وذات الأجور المنخفضة، ذلك أن غالبية النساء اللواتي يعملن من المنزل في القطاع غير الرسمي بتن يخسرن وظائفهن وفرص كسب الدخل لمصلحة السوريات.

ولأن الاقتصاد الأردني يتصف باحتوائه على عشرات الآلاف من المشاريع الصغيرة وغير الرسمية، تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن اللاجئين السوريين، بمرور الوقت، سيحرزون تقدماً في التوظيف غير الرسمي، وهذا ما يفاقم أزمة الأردنيين أصحاب هذه المهن.

التعليم

في قطاع التعليم تفيد وزارة التخطيط أنه تم استضافة ما بين 140 و150 ألف طالب سوري خلال العام الدراسي 2014-2015 منهم 23 ألفاً في المخيمات، و30 ألفاً على قوائم الانتظار، و50 مدرسة إضافية بحاجة للتحويل إلى نظام الفترتين هذا العام، بعدما جرى تحويل 79 مدرسة في العام الدراسي الماضي.

هذا في حين تقول الأمم المتحدة إنّه بوصول السوريين أصبحت العديد من غرف الصفوف مكتظة جداً، كما أن هناك حاجة لزيادة أعدادها لاستيعاب الطلاب السوريين في حالات خاصة وللتركيز على أمر محدد.

ووفق الدراسة نفسها، فإنّ المدارس المكتظة تؤثر على قبول الطلاب الأردنيين، لأنها تلقت أوامر تقضي بقبول الطلاب السوريين والأردنيين على السواء.

مزيد من المساعدات

رسمياً، أطلقت وزارة التخطيط والتعاون الدولي في الأردن، خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية للعام 2015، وملخصها أن عمّان طلبت من الدول المانحة والأمم المتحدة تحمّل مسؤولياتها تجاه الأردن، بمزيد من الدعم لمواجهة التحديات في ظل ارتفاع أعداد اللاجئين السوريين في المملكة.

هذه الخطة تشمل الأبعاد ذات العلاقة باللاجئين وتمكين المجتمعات المستضيفة، من خلال دعم مباشر للخزينة لتنفيذ مشاريع محددة.

وقد طلب الأردن 2.9 ملياري دولار للتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين في المملكة وتمكين الحكومة من القيام بدورها الإنساني تجاه اللاجئين السوريين.

وحذّر رئيس الوزراء الأردني الدكتور عبدالله النسور قبل يومين قائلاً: "إذا استمر النقص في تمويل خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية فإن النتائج ستكون وخيمة ليس على اللاجئين السوريين فحسب بل كذلك على الأردن، لأن النقص يؤثر سلباً على برامجنا ومكتسباتنا الإصلاحية والتنموية الوطنية التي استثمرنا فيها طوال العقود الماضية".

وحسب وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني عماد فاخوري "لم يتم تمويل سوى 37% من إجمالي نداء الإغاثة للأردن للمتطلبات التنموية والإنسانية، وقدر بحوالي 2.3 ملياري دولار أمريكي العام 2014. ومنذ بداية العام الحالي وصلت نسبة التمويل إلى 5.5% من مجموع قيمة الخطة والبالغ 2.9 ملياري دولار أمريكي للعام 2015".

أمّا الخطة الوطنية لتمكين المجتمعات المستضيفة للاجئين السوريين 2014 - 2016 فأكدت أن الأردن بحاجة إلى مشاريع ذات أولوية بحجم 4.4 مليارات دولار، منها برامج ومشاريع بقيمة 2.53 ملياري دولار، و758 مليون دولار للمواد المدعومة كالخبز والغاز المنزلي والكهرباء و965 مليون دولار لتغطية التكاليف الأمنية و187 مليون دولار لتغطية تكاليف الطيران والنقل.

وتتحدث وزارة التخطيط الأردنية عن فجوة تمويلية في العام الماضي، إذ بلغت قيمة المساعدات والمنح للأردن لدعم استضافة اللاجئين السوريين نحو 700 مليون دولار، في حين قالت الحكومة إن المطلوب يفوق 1.5 مليار دولار.

في تفاصيل المنح التي تلقتها عمّان في العام الماضي لدعم استضافة اللاجئين السوريين، رأت مديرة وحدة تنسيق ملف المساعدات الإنسانية في وزارة التخطيط فداء غرايبة، أن القيمة الفعلية للدعم الدولي للاقتصاد الأردني لمواجهة أعباء اللجوء السوري، لم تتجاوز ما نسبته 30% من إجمالي قيمة الحاجات الحقيقية التي تقع على الاقتصاد الوطني.

وفي قراءة للمساعدات الخارجية للأردن خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، ارتفع حجم المساعدات في عام 2012 إلى 3.015 مليارات دولار، في حين كانت في عام 2011 نحو 704 ملايين دولار.

وفي عام 2013 سجّل حجم المساعدات الخارجية للأردن  2.632 ملياري دولار، قبل أن تنخفض في 2014 إلى 1.919 مليار دولار، بعدما بدأت الأمم المتحدة بالتوجه للدعم المباشر للاجئين السوريين.

اللجوء السوري في الأردن يغيّر وظيفة المساعدات الخارجية للأردن

مساعدات الأردن الخارجية: السياسة أولاً

هذه الأرقام تدعم تقرير للمرصد الاقتصادي المستقل، التابع لمركز "هوية"، الذي اعتبر أن حجم المساعدات التي يتلقاها الأردن يرتبط في موقفه السياسي تجاه القضايا المحلية والاقليمية.

وقد رصد التقرير ارتفاع المساعدات الخارجية للمملكة بين عامي 1993 و1994 عندما وقع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل، "كمكافأة" للأردن، بعد أن تراجعت الاحتياطات الأجنبية لتغطي خمسة أسابيع فقط من الواردات في عام 1994.

وفي ذلك الوقت، أضحى الأردن واحداً من أكبر متلقي المساعدات الأميركية في العالم، إذ حصلت المملكة في وقت لاحق على ستة قروض من البنك الدولي وثلاثة أخرى من صندوق النقد الدولي.

ويشير التقرير إلى أن "التنازلات" التي قدمها الأردن عام 1996 أدت إلى زيادة أخرى في الدعم المقدم له عندما وقع اتفاقات المياه والتجارة مع إسرائيل في عام 1996 كمتابعة لمعاهدة السلام.

كذلك قرر الأردن في العام ذاته خفض صادراته إلى العراق إلى النصف (مورّد النفط الرئيسي) والسماح للقوات الجوية الأمريكية باستخدام أراضيه للقيام بأعمال عسكرية ضد العراق.

هذه المواقف التي اتخذها الأردن، رفعت مستوى المساعدات الأمريكية له في العام عينه أيضاً إلى 237 مليون دولار أمريكي، أي بنسبة 382% فوق متوسط مستوى المساعدات الأميركية في السنوات الخمس السابقة 1991 – 1995.

وعلاوة على ذلك، فإن صندوق النقد الدولي في العام 1996 صرف حوالي الستين مليون دولار في أول مراجعة للاقتصاد، كما وافق على طلب من الحكومة الأردنية لاستبدال تدابير موسعة لها بقروض جديدة بلغ مجموعها حوالي 195 مليون دولار على ثلاث سنوات.

التعليقات

المقال التالي