انخفاض قيمة الليرة السورية يبدّد المدخرات ويشعل أسعار الأساسيات

انخفاض قيمة الليرة السورية يبدّد المدخرات ويشعل أسعار الأساسيات

لم تعد أخبار سيطرة المعارضة أو النظام أو حتى تنظيم الدولة الإسلامية داعش على منطقة ما، تثير اهتمام الكثيرين من المقيمين في الداخل السوري، في حين تحظى أخبار ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الليرة السورية بمتابعة أكثر مثابرة. وإذا كان المقيمون في دمشق تنتابهم المخاوف بسبب سقوط قذائف أو اشتباكات قريبة، فإن خبر انخفاض جديد لليرة يثير فيهم القلق من العجز عن تأمين أساسيات الحياة، خصوصاً للسوريين متوسطي الحال وما دون.

أرقام قياسية

يمكن الحسم من خلال جولة واحدة في أي سوق سورية، أن كل الأسعار ارتفعت دون استثناء، غالبيتها ارتفعت متأثرة بانخفاض قيمة الليرة السورية، وبعضها ارتفع لأسباب أخرى تتعلق بصعوبات النقل بين المحافظات السورية، وتعطل جزء كبير من التبادل التجاري بين المناطق الخاضعة للأطراف المتحاربة. لكن اللافت أن الكثير من الأسعار ما زالت عند مستوياتها حين وصل سعر الصرف إلى 325 ليرة مقابل الدولار، دون أن تنخفض مع انخفاضه إلى متوسط 150 ليرة في فترات متقطعة من العام الماضي، وصولاً إلى 184 ليرة في ديسمبر الماضي، وذلك حسب النشرة الشهرية للمصرف المركزي. علماً بأن سعر صرف الدولار في السوق يزيد عن ذلك بكثير.

اعلان


كما يرفع الكثير من التجار أسعار بضائعهم أثناء ارتفاع سعر الدولار، ولكنهم لا يقومون بخفضها عندما يهبط سعر الصرف.

تطور سعر صرف الليرة السورية من أكتوبر 2011 حتى ديسمبر 2014. المصدر: المصرف المركزي السوري.

تطور سعر صرف الليرة السورية من أكتوبر 2011 حتى ديسمبر 2014. المصدر: المصرف المركزي السوري.

تكلفة تجهيز الطالب أكثر من 8 آلاف ليرة

أكثر السلع ارتفاعاً هي المستوردة كالتبغ والملابس والإلكترونيات، فمثلاً شراء كومبيوتر كان يكلف في العام 2011 ما بين 25 إلى 60 ألف ليرة سورية، اليوم من شبه المستحيل الحصول على جهاز مماثل بسعر دون 100 ألف ليرة سورية، وفي حين كانت تكلفة تجهيزات الطالب في بداية العام الدراسي ممكنة ضمن حدود 1500 – 2000 ليرة سورية قبل العام 2012، ارتفع متوسط هذه التكلفة اليوم إلى أكثر من 8000 ليرة سورية للطالب الواحد، حسب الأهالي. في الوقت نفسه، سجلت أسعار بعض القطاعات ارتفاعاً متفاوتاً مقارنة بغيرها، خصوصاً تلك المتعلقة بالقطاع السياحي وقطاع الخدمات اللذين يعانيان من انخفاضات حادة في الطلب، فتكلفة الاتصالات من الشركات الخاصة ارتفعت حوالي 75%، وخدمات الاتصالات الحكومية حوالي 30%.

هذه الارتفاعات اضطرت الكثير من الأسر السورية لاستخدام مدخراتها من أجل الإنفاق اليومي، مع استحالة الحصول على الحاجات الأساسية بالدخل الذي يؤمنه أفراد الأسرة، لا سيما مع خسارة المدخرات بالليرة السورية الكثير من قيمتها، وعدم كفايتها بالتالي لغايتها الأساسية. وبرغم الارتفاع الكبير لقيمة الدولار مقابل الليرة السورية، من حوالي 45 ليرة مقابل الدولار حتى أوائل عام 2011، إلى ما يقارب 250 ليرة في الوقت الحالي (204 وفقاً للمصرف المركزي)، وحوالي 350 في أوقات سابقة، فإن دخل المواطن السوري لا يتغير ولا يرتفع مع ارتفاع نسبة التضخم، ولا حتى إلى نصف هذه النسبة، هذا على الرغم من صدور مرسوم رئاسي يقضي بزيادة الأجور الشهر الماضي، وذلك للحد من تأثيرات التضخم على القيمة الشرائية لليرة. وما زاد الأمر سوءاً هو فقدان الكثير من السوريين أعمالهم لعدم صلاحية مناطق فعالياتهم الاقتصادية للعمل بسبب الحرب، بالإضافة إلى الزيادة اليومية في أعداد الأسر النازحة، والتي إن لم تفقد أعمالها، فإنها اضطرت لتحمل تكاليف جديدة تتعلق بأجور المنازل البديلة التي يسكنونها.

البدائل المنقذة

أثرت الأسعار الجديدة على معظم العادات الاستهلاكية وحتى الاجتماعية لدى السوريين، فقد توجه الكثيرون للزواج دون إقامة حفل زفاف، أو الاكتفاء بحفل متواضع، وتجاوزوا بعض العادات المتعلقة بالزواج، خصوصاً في ما يتعلق بالمجوهرات، فخاتما الزواج (المحابس) اللذان لا يمكن الاستغناء عن شرائهما، كانا يكلفان ما بين 10 إلى 15 ألف ليرة، وأصبحا يكلفان الآن ما بين 40 إلى 60 ألف ليرة سورية حسب محال الصاغة، لتصبح ما كانت تفاصيل ثانوية سابقاً، عوائق في وجه زواج الكثيرين اليوم.

نتيجة لاستحالة استمرار معظم السوريين بعاداتهم الاستهلاكية القديمة، بدأت تظهر سلع بديلة ذات أسعار أكثر قبولاً، سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة. ففي حين كانت ماركات التبغ الكبرى (Winston – Kent – Marlboro...إلخ) هي الأكثر رواجاً بين المدخنين، فإن ارتفاع أسعار هذه الأنواع إلى ما يقارب ثمانية أضعاف أسعارها القديمة بالنسبة لبعض الماركات، أدى لبروز التبغ المحلي، (الحمراء) و(الشام) مثلاً، بالإضافة إلى ماركات أجنبية لم يسمع بها السوريون سابقاً، مثل Wilson وElegance وManchester.

نوعية الدخل شهدت أيضاً ظهور الكثير من البدائل، أو الإضافات، فأصبحت المزيد من الأسر السورية اليوم تعتمد على حوالات أبنائها أو أقربائها من الخارج، سواء لصعوبة الاعتماد على الدخل الأساسي للأسرة، أو لزيادة أعداد المغتربين بشكل مطرد في الأعوام الثلاثة الأخيرة، مستفيدين من ارتفاع قيمة العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية. كما أن الكثيرين من أصحاب المهن القابلة للأداء عن بعد، قرروا الاستفادة من الميزة نفسها، فتوجه الكثير من مصممي المواقع والغرافيك والصحافيين للعمل لدى زبائن أجانب، مستفيدين أيضاً من قدرتهم على تقديم أسعار منافسة مقارنة بالأسعار السائدة في الأسواق الخارجية، أو من العلاقات الجديدة التي نشأت مع الأعمال التي يفتتحها بعض السوريين في الخارج.

في مواجهة الحرب والمضاربين

في كل الأحوال، يصعب داخل سوريا اليوم تحديد سعر واحد للدولار مقابل الليرة السورية، سواء المعتمد بالسوق، أو الخاص بالمصرف المركزي في نشراته الدورية أو لأغراض التدخل، أو الخاص بالمؤسسات التي تقدم خدمات الصرافة بشكلٍ قانوني. وقد أدى صدور عدد وافر من القرارات والتغييرات في السنوات الأخيرة إلى ظهور الكثير من الأسعار، وصعوبة تحديد سعر حقيقي للدولار.

رامي العطار، المحلل المالي المعتمد من قبل الاتحاد العالمي للمحللين الفنيين، يصف السعر الحقيقي للدولار بكونه "السعر الذي يمكن للمواطن شراء الدولار به"، مضيفاً أن "سعر المصرف المركزي الذي يحدده بنشرات التدخل يكون حقيقياً لأنه يُفرض على شركات الصرافة، وهو الأكثر شفافية"، ولكن هذا التدخل يكون لفترات محدودة، في حين أن الكثير من التجار بحاجة دائمة للحصول على الدولار لسداد مستحقاتهم في الخارج.

وفي حين يسعى المركزي بشكل دائم لخفض قيمة الدولار مقابل الليرة السورية، بطرحه كميات كبيرة من الدولار من طريق المصارف الحكومية وشركات الصرافة، ويسعى المضاربون لتغيير هذه القيمة صعوداً أو هبوطاً تبعاً للمخزون الذي يملكونه، فإن توقف عجلة الإنتاج المخصص للتصدير – وخصوصاً النفطي – يؤدي بشكل مستمر لانخفاض قيمة العملة المحلية. هذا بالإضافة إلى قرارات رفع الأسعار "التي تعتبر العامل الأقوى في التأثير على هبوط قيمة العملة المحلية جراء التضخم الذي سيتم بعد قرار رفعها"، وفقاً للعطار، الذي لا ينكر وجود فوائد تعود على التجار والحكومة في كثير من الجوانب لانخفاض قيمة الليرة. فـ"بعض الفعاليات الاقتصادية تستفيد حين تجني أرباحها بالعملة الصعبة وتدفع رواتب موظفيها وضرائبها وأجور خدماتها بالليرة السورية، والأمر نفسه بالنسبة للحكومة في قيمة التزاماتها الشهرية كرواتب موظفيها، ولكنها الخاسر الأكبر في قطاعات أخرى".

قد تدفع آثار الحرب الأهلية السورية، وانعكاسها على اقتصادات البلدان المجاورة، الكثير من السوريين إلى عدم التفاؤل بنهاية الضائقة الاقتصادية مع نهاية الحرب، وهذا ما يجعلهم يحدسون بأن قيمة الليرة ستظل على ما هي عليه لسنوات طويلة مقبلة. ما يدفعهم إلى البحث عن حلول تهدف في حدّها الأقصى إلى إبقائهم على قيد الحياة.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
اقتصاد الحرب سوريا

التعليقات

المقال التالي