النفط والغاز الصخريان في شمال أفريقيا: التكاليف أكبر من الإغراءات

النفط والغاز الصخريان في شمال أفريقيا: التكاليف أكبر من الإغراءات

يميل كثير من المواطنين البسطاء في شمال أفريقيا إلى الاعتقاد أن النفط يحمل معه من المتاعب أكثر مما يحمل من الرخاء والرفاهية، وهم يستشهدون على قولهم هذا بما حل في العراق وإيران وليبيا وسوريا واليمن، وفي السودان ونيجيريا وقبلهما انغولا، وصولاً إلى فنزويلا والاستقطاب الروسي الأمريكي والحروب الباردة، إذ أينما اكتُشف النفط توسعت الأطماع والصراعات والحروب وبقية القصة معروفة منذ مئة عام.

فحسبما أفاد سكان محليون في جنوب الجزائر رصيف22 فإن الاحتجاجات ضد مشروع الغاز الصخري متواصلة منذ شهور، في عين صالح وتمنراست (على بُعد ألفي كلم جنوب العاصمة) وذلك ضد استخراجه من مدن الصحراء الجزائرية منذ أعلنت شركة سوناطراك نهاية ديسمبر الماضي نجاحها في حفر أول بئر تجريبية للغاز الصخري. إذ يعيش سكانها العرب والأمازيغ على زراعة الواحات لإنتاج الثمار والغلات المعيشية، والتجارة في الإبل وغيرها عبر الحدود المفتوحة على ليبيا والنيجر وتونس ومالي. ورأت بعض الصحف المحلية أن معارضة السكان للمشروع الصخري فاجأ الحكومة التي لا تعرف كيف تتعامل مع الوضع الجديد.

الحكومة الجزائرية لا ترغب في التصعيد الأمني خوفاً من ردود فعل عنيفة من السكان المحليين أو إشعال نار فتنة جديدة، برغم سقوط عشرات القتلى والجرحى في الاحتجاجات. في المقابل لا تستطيع التخلي عن المشروع الذي تعدّه ضرورة اقتصادية لمواجهة الانخفاض الكبير في عائدات الدولة، التي قد لا تصل العام الجاري إلى نصف ما كانت تحصل عليه في العام 2013.

غير أن المدير التنفيذي في شركة سوناطراك المملوكة للحكومة سعيد سحنون، أكد أن الشركة ستستثمر سبعين مليار دولار على الأقل لاستخراج الغاز الصخري، برغم احتجاجات سكان الصحراء في جنوب البلاد، حيث تم حفر أول بئر لهذا الغاز غير التقليدي. كما تعتزم زيادة الانتاج بـ20 مليار متر مكعب من الغاز الصخري على مدى العشرين سنة المقبلة لرفع الإنتاج إلى 100 مليار متر مكعب، ويعتقد خبراء أن كلفة إنتاج الغاز الصخري تصل إلى ستة أضعاف استخراج الغاز التقليدي.

النفط الصخري أكثر كلفة

على مستوى إنتاج النفط الصخري أيضاً، أشار الخبير الفرنسي في العلوم الجيولوجية رولان فيالي عضو المعهد الفرنسي للبترول والطاقات المتجددة، إلى أن الزيوت النفطية طاقة من نوع رديء لم يكتمل تشكيلها جيولوجياً تحت باطن الأرض، ويجري إنتاجها بطريقة صناعية وتسخينها نحو 400 درجة في أفران خاصة، وهي عملية تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومكلفة غير مضمونة النتائج ومضرة بالبيئة. وكشف أن دولاً عدة في المنطقة قامت بتجارب محدودة في هذا المجال منها المغرب والجزائر وتونس والأردن وحتى إسرائيل، التي قامت بتزويد مفاعلها الكهربائي مباشرة بالصخور النفطية دون تخصيبها، باستعمالها نوعاً من الفحم الحجري الرديء. لكن هذه التجربة توقفت بعد سنوات. ويصل إنتاج برميل من النفط الصخري إلى 6 أضعاف كلفته من النفط العادي حسب وزارة الطاقة الجزائرية.

ورأى الخبير الفرنسي أن لدى دول عدة في الشرق الأوسط احتياطاً مهماً من الصخور النفطية، خاصة في الأردن وسوريا. لكن النسبة الأكبر في شمال أفريقيا، حيث يقدر الاحتياط الصخري الجزائري بـ12.4 مليار برميل من النفط و4700 مليار متر مكعب من الغاز الموجود في الصخور الرسوبية، أي ما يمثل 3% من الاحتياطي العالمي للغاز.

المغرب يفضل الطاقة المتجددة

كذلك أعلنت شركة سان ليون انرجي، ومقرها في لندن، إبرام اتفاق مع مجموعة شيفرون النفطية الأمريكية لاستغلال النفط الصخري في منطقة تمحضيض في جبال الأطلس المغاربية على ارتفاع 2000 متر من البحر. وقالت الشركة البريطانية إن المنطقة الجبلية تحتوي على 42 مليار طن من الصخور النفطية وبإمكانها استخراج 62 ليتراً من النفط النقي في كل طن، أي ما يعادل احتياط بـ15 مليار برميل من زيوت الطاقة.

النفط الصخري في شمال أفريقيا - الغاز الصخري في شمال أفريقيا - مقارنة بين الجزائر والمغرب

وعلى عكس الجزائر لا يبدي المغرب اهتماماً كبيراً بمشاريع الصخور النفطية، ويفضّل عليها مشاريع الطاقات المتجددة خاصة الشمسية والريحية التي تقدر استثماراتها بنحو 27 مليار دولار. وحسب وزير الطاقة المغربي عبد القادر عمارة، فإن المغرب الذي لا يتمتع باحتياطات كبيرة من المحروقات، حدّد لنفسه هدفاً يكمن في تغطية 42% من حاجاته الطاقوية بواسطة الطاقات المتجددة بحلول 2020. وأشار إلى أن المغرب حدد كهدف إنتاج ألفي ميغاوات عبر استغلال الرياح، وتمكن حتى الآن من إنجاز 380 ميغاواتاً، وهنالك 550 ميغاواتاً في طور الإنشاء، و200 ميغاوات في طور التطوير.

وتفيد معطيات تاريخية أن أول اكتشاف للنفط الصخري في المنطقة المغاربية كان في عام 1939 جنوب مدينة طنجة، واستمر العمل في المصنع الذي كانت تصل طاقته إلى 80 طناً من الصخور النفطية يومياً حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحاول المغرب في فترات متقطعة في السبعينيات من القرن الماضي استغلال النفط الصخري، لكن كلفته المرتفعة ومخاطره على البيئة كانت تقنع الحكومات بالبحث عن بدائل أفضل، خصوصاً في بلد يعتمد الزراعة والسياحة في الاقتصاد ويعمل من أجل حماية البيئة، بالإضافة إلى معارضة الأحزاب والنقابات العمالية والمجتمع المدني لاستخراج النفط الصخري من المناطق المأهولة بالسكان والكائنة قرب مصادر المياه أو الآثار التاريخية أو المعالم السياحية وغيرها. وأعلنت جمعيات من المجتمع المدني في المغرب تضامنها مع السكان المحليين في الجزائر ضد مشاريع الحكومة في الصخور النفطية.

وعلى المستوى العالمي تم الشروع في إنتاج الغاز الصخري في مطلع العام 2000 عندما ارتفعت أسعار النفط وجرى تسجيل تراجع في إنتاج النفط التقليدي، ومكّن هذا الوضع من دخول منتجين جدد إلى سوق إنتاج الطاقة، فانتقلت الولايات المتحدة من الرتبة 4 إلى السادسة في قائمة مستوردي النفط.

وتلعب أسعار الطاقة المنخفضة أدواراً ليست لمصلحة المنتجين للنفط الصخري، بسبب ارتفاع كلفته، وهي معركة أسعار قد تمتد طوال العام 2015، وتخضع لمنافسة قوية من الطاقة الطبيعية الأحفورية، بتدخل حماة البيئة عبر العالم، خاصة أن جزءاً من أسباب الاحتباس الحراري مسؤول عنه الاستعمال المكثف للطاقات الملوثة للماء والسماء.

ويعتقد السكان في جنوب الجزائر أن النفط الذي تستفيد منه الحكومة في شمال البلاد، لا يصلهم منه سوى الآثار الجانبية، وأن حياتهم كانت لعقود طويلة سعيدة وبسيطة تعتمد على الطبيعة، وهم مستعدون للحفاظ عليها عقوداً أخرى ولو عبر طرد الجرافات والحفارات التي تحرسها قوات الجيش.

التعليقات

المقال التالي