هل فازت شركة "مصدر" برهان الطاقة المتجددة النظيفة؟

هل فازت شركة "مصدر" برهان الطاقة المتجددة النظيفة؟
شركة مصدر .. هل فازت برهان الطاقة المتجددة النظيفة؟

تملك أبو ظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة، خامس أكبر احتياطي من النفط وسادس أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، بالإضافة إلى أنّ مواردها الهيدروكربونية تكفي لمئة عام وفق مستويات الإنتاج الحالية. الا أن أبو ظبي صبّت في السنوات الأخيرة اهتمامها على موارد الطاقة المتجددة بغية ضمان دور ريادي في أسواق الطاقة والتحوّل الى مركز عالمي للطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والمستدامة، على حدّ قول المسؤولين.

من هذا المنطلق، تأسست "مصدر" العام 2006 كشركة متخصصة في مجال الطاقة المتجددة متخذةً من أبو ظبي مقراً لها. إنّها مبادرة حكومية وإحدى أذرع شركة "مبادلة للتنمية" وأبرز الساعين للارتقاء بالطاقة النظيفة وتطوير بيئة حاضنة لها في دولة الإمارات والعالم. وبفضل حصولها على دعم حكومي أوليّ بقيمة 15 مليار دولار من حكومة أبو ظبي، تحوّلت "مصدر" الى جامعة ومعهد لتطوير الطاقة المتجددة ومستثمراً ومجمعاً عالمياً للتقنيات النظيفة ضمن أكثر المدن استدامةً في العالم. كما تسهم في تحقيق رؤية أبو ظبي 2030 الرامية الى الاعتماد على اقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة.

اعلان


وبحسب الأستاذ الجامعي في قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة الموارد في معهد "مصدر" د. مأمون مدراج "ترتكز شركة مصدر على ثلاث قوائم أساسية، هي الطاقة والماء والبيئة". ويعتبر أن خير مثال على ذلك مدينة مصدر التي من المتوقع أن يسكنها نحو 400 ألف شخص وأن تكون الأكثر حفاظاً على البيئة مع معدل انبعاثات معدوم تماماً، مدينة هي الأولى من نوعها في العالم.

يرى مدراج أن العالم بدأ يدرك أهمية الحفاظ على البيئة وخطورة الاحتباس الحراري، وأن دولاً، كالولايات المتحدة والصين، بدأت تلتزم بالاتفاقات الدولية. ويضيف "قبل سنوات، اعتبر رجال السياسة أن البيئة ليست مهمة وليست من الأولويات، إلا أنّهم باتوا اليوم مدركين لخطورتها على حياة الإنسان. انتهى الجدل حول التداعيات على البيئة والانسان وراحت الحكومات تتخذ التدابير اللازمة وتعتمد السياسات الملائمة، وهذا أمرٌ ساهم في الاهتمام العالمي بمدينة مصدر لأنها أُنشئت في الوقت المناسب وقد تكون قدوة لمبادرات مماثلة في العالم".

أبحاث لتطوير تقنيات الطاقة النظيفة

في قلب مدينة مصدر التي ما زالت في مراحل التطوير، يُطلّ معهد مصدر الذي ينشد الارتقاء بثقافة الأبحاث والعلوم وتقديم حلول مبتكرة في مجال الطاقة المتجددة من أجل مواجهة التحديات الاقليمية والعالمية. يقول مدراج إنّ هذا المعهد الذي تأسس بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT يهدف الى خدمة أبو ظبي أولاً، ثم الإمارات العربية المتحدة، فدول الخليج والمنطقة كلها. فمعهد مصدر يملك الإمكانات، علماً أن مدراج يعتبرها غير كافية، وهي تزداد عاماً بعد عام من أجل تطوير أحدث التقنيات. ويضم هذا المعهد 4 أقسام يُعنى كل منها بمجال محدد. وهي حسب مدراج: مركز أبحاث الطاقة الذي يركّز على الطاقة النظيفة والمتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي. ومركز أبحاث المياه الذي يركّز على مختلف تقنيات تحلية المياه، لا سيما أنّ المنطقة بحاجة إليها، الى جانب مركز أبحاث النظم الذكية ومركز أبحاث النظم الدقيقة. ويضيف أن مركز أبحاث الابتكار يُعنى بالترويج وتسويق المنتجات والخدمات التي تتوصّل إليها المراكز الأخرى. 

مشاريع مصدر الإماراتية

تضطلع وحدة "مصدر للطاقة النظيفة" بمهمة تنويع مصادر الطاقة في أبو ظبي وتنفيذ العديد من المشاريع التي تعتمد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالإضافة إلى تعزيز كفاءة الطاقة ومشاريع التقاط وتخزين الكاربون. وتضمّ قائمة مشاريع "مصدر للطاقة النظيفة" عدداً من المشاريع في دول الإمارات العربية المتحدة، لا سيما في إمارة أبو ظبي. ولعلّ أكبر المشاريع محطة الطاقة الشمسية المركزة  "شمس 1"، وهي مشروع مشترك مع Total وAbengoa Solar الإسبانية  في المنطقة الغربية في أبو ظبي.  ويعتبر هذا المشروع أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم ويساهم في إنتاج 100 ميغاوات من الطاقة الكهربائية النظيفة، أي ما يعادل إمداد 20 ألف منزل في الإمارات، ويضمّ نحو 258 ألف مرآة مثبتة على 768 مجمعاً من عاكسات القطع الذي يولد الكهرباء.

بالإضافة الى ذلك، شاركت محطة الألواح الكهروضوئية في مدينة مصدر بمقدار 10 ميغاوات في توفير الكهرباء لأعمال إنشاء "مدينة مصدر"، فضلاً عن محطة أخرى في مدينة العين بطاقة 100 ميغاوات، إلى جانب محطة الطاقة الشمسية في جزيرة مروح. أمّا في ما يتعلّق بالألواح الشمسية، فجهّزت أسطح المدينة بألواح ضوئية بطاقة 1 ميغاوات، علاوة على عدد من المباني الحكومية في أبو ظبي. كذلك وصلت الى مراحل متقدمة في محطة توليد طاقة الرياح بقدرة 30 ميغاوات في جزيرة صير بني ياس.

وشاركت مصدر الى جانب شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) في تصميم مشروع شبكة أبو ظبي لالتقاط واستخدام وتخزين ثاني أكسيد الكاربون الذي سيدخل حيز التشغيل خلال العام الجاري في شركة "حديد الإمارات".

مشاريع عربية ودولية

لا تقتصر مشاريع مصدر على الإمارات العربية المتحدة لا بل تتخطى الحدود لتنتشر في عدد من الدول. ومن بين هذه المشاريع، عملت "مصدر" على تطوير محطة توليد طاقة الرياح في جزر السيشيل بقدرة 6 ميغاوات، ومحطة "مصفوفة لندن" لتوليد الطاقة من الرياح البحرية بقدرة 630 ميغاوات، وهي تقع عند مصب نهر التايمز وستشكل، عند إنجازها، أكبر محطة لإنتاج الطاقة من الرياح البحرية في العالم. وشاركت أيضاً "مصدر" في مشروع "توريسول" لإدارة الطاقة الشمسية المركّزة بقدرة إجمالية تصل الى 120 ميغاوات في إسبانيا.

كذلك انضمّت "مصدر" الى مبادرة الأمم المتحدة والبنك الدولي "الطاقة المستدامة للجميع" من خلال دعم عدد من المشاريع في تونجا وأفغانستان. عدا أنّها تشارك في عدد من المشاريع في الدول العربية، أبرزها في موريتانيا لبناء محطة الشيخ زايد للطاقة الشمسية الكهروضوئية التي تهدف الى توليد 15 ميغاوات من الطاقة. وقد وقّعت، الشهر الماضي، مع وزارة البترول والطاقة والمناجم الموريتانية عقداً لتنفيذ سبعة مشاريع للطاقة الشمسية يتوقّع اكمالها العام 2016 بهدف الاستغناء عن نحو ستة ملايين ليتر من وقود الديزل وتفادي انبعاث 16 ألفاً و134 طناً من غاز ثاني أكسيد الكاربون، إلى جانب توفير الطاقة لعدد من المدن الموريتانية.

وتواصل "مصدر" مساعيها للاعتماد على الطاقة المتجددة في العالم العربي من خلال مشاريع حالية كمزارع طفيلة لطاقة الرياح في الأردن أو مشاريع أخرى ما زالت قيد التنفيذ أو البحث. من بين هذه المشاريع، آبار سلطنة عمان للمياه ومشروع واحة سيوة في مصر.

يرى مدراج أن المنطقة العربية ليست متأخرة عن قافلة الطاقة النظيفة. يقول "نسبة الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة ما زالت ضئيلة، إلا أنها مرتفعة في بعض الدول الأوروبية على غرار سويسرا التي تعتمد الطاقة النووية والمتجددة لتوليد الكهرباء". كذلك لا يرى أن تراجع أسعار النفط قد يحمل كثيرين على التساؤل عن "مغزى" اختيار طاقة أكثر كلفة. ويعزو ذلك إلى الإرادة السياسية والتوعية المتزايدة. ويستدرك "لكن، وحيال كل ذلك، لا شك في أننا نحتاج الى تعزيز روح الابتكار والأبحاث التي لا تعتبر سمة عامة في المنطقة وإلى ضخّ الأموال والاستثمارات من أجل الاستفادة من البنى التحتية الطبيعية المتوفرة، خصوصاً الشمس والمياه والرياح".

 

الصورة من أ ف ب

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
أبو ظبي الإمارات

التعليقات

المقال التالي