هل وصلت الطاقة المتجددة أخيراً إلى المنطقة العربية؟

هل وصلت الطاقة المتجددة أخيراً إلى المنطقة العربية؟

"الإرادة السياسية للسعي إلى استبدال الذهب الأسود بمصادر أخرى للطاقة"، خلاصة توافق معظم الخبراء على أهميتها الإستراتيجية، أثناء الحديث عن الاهتمام المتزايد بمصادر الطاقة المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في إطار أسبوع الاستدامة في أبوظبي، الذي ينعقد من 17 الشهر الجاري إلى 24 منه. يتضمّن هذا الأسبوع الذي يُطلّ في دورته الثالثة هذا العام، مجموعة من الفعاليات كالقمة العالمية السابعة لطاقة المستقبل 2015 وإكو وايست لإعادة تدوير النفايات بطريقة فعالة وجائزة زايد للطاقة المتجددة التي كان آل غور أحد الفائزين بها هذا العام لانجازاته الفردية، وغيرها من الفعاليات.

خلال افتتاح "القمة العالمية لطاقة المستقبل 2015"، أكّد الرئيس التنفيذي لشركة "مصدر" المُنظّمة لهذه الفعاليات، الدكتور أحمد عبدالله بالهول أن الجدوى الاقتصادية لتقنيات الطاقة المتجددة في تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة، باتت واضحة.  واعتبر أن "قطاع الطاقة النظيفة شهدت مراحل عديدة، تطورت خلالها حلول وتقنيات الطاقة المتجددة من حيث الكفاءة والانخفاض الواضح في التكاليف، حتى أصبحت منافسة جدية للطاقة التقليدية في العديد من مناطق العالم"، لافتاً إلى أن التحديات العديدة التي تواجه التنمية، وأبرزها المعدلات المرتفعة للنمو السكاني ومحدودية مصادر الطاقة، تفرض على الجميع البحث عن أشكال جديدة للطاقة ومنها الطاقة المتجددة.

اعلان


وبالإضافة إلى البحث عن الحلول وعرض أبرز التقنيات في مجال الطاقة المتجددة، كشف كلّ من الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA وصندوق أبوظبي للتنمية عن تقديم قروض مُيسّرة بقيمة 57 مليون دولار لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في عدد من الدول، كالأرجنتبين وإيران وكوبا وموريتانيا، بهدف توفير التيار الكهربائي لـ280 ألف شخص في مناطق ريفية ونائية. وتأتي هذه القروض ضمن تعهّد بين الطرفين لتقديم قروض بقيمة 350 مليون دولار على مدار سبع سنوات لتمويل الطاقة المتجددة في الدول النامية.

الشمس، طاقة المستقبل

لا شك أن الطاقة الشمسية حلّت ضيفةً رئيسة واستحوذت على حصة الأسد من اهتمام المسؤولين والخبراء والشركات المشاركة في هذه الفعالية. فكان لافتاً حضور حوالى 200 شركة متخصصة بالطاقة الشمسية في المعرض الموازي للقمة، مثّلت دولاً مختلفة، أبرزها ألمانيا وفرنسا والصين واليابان وكوريا الجنوبية واسبانيا والدانمارك وهولندا والنرويج…

ورأى زهير الكافي، الرئيس التنفيذي لمكتب الشركة الألمانية كاكو في دبي، التي نفذت العديد من المشاريع في فلسطين والأردن وعمان، أن الوقت حان لتطوير واعتماد الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط، لا سيما أن الدول تشكّل مصدراً كبيراً للطاقة الشمسية وفرصة للابتعاد عن مصادر الطاقة التقليدية.

وأضاف "تخيّلوا أن ألمانيا هي البلد الرائد في مجال تطوير الطاقة الشمسية، إلا أنها بلاد بلا شمس، في حين أننا (الدول العربية) بلاد الشمس وتأخرنا في اعتمادها". وعزا الاهتمام المتزايد بالطاقة المتجددة إلى أن الدول العربية المصدرة للنفط، اكتشفت أنه من الأفضل بيع النفط من استخدامه. وشرح أنه في المملكة العربية السعودية، يستخدمون 30% من انتاج النفط السنوي للاستهلاك المحلي، مقابل نحو 4 دولارات للبرميل الواحد، في حين أنهم يستطيعون بيعه للخارج مقابل نحو 50 أو 60 دولاراً بحسب الأسعار العالمية.

ويتّفق معه محمد عودة، مدير المبيعات في شركة ميلينيوم  Millenium Energy Industries التي طوّرت مشاريع مختلفة في المملكة العربية السعودية والأردن وفلسطين والإمارات، على أن الطاقة الشمسية هي المستقبل. الا أن الخبراء لا ينسون مصادر الطاقة المتجددة الأخرى حتى لو أنها ما زالت في بداية المشوار في المنطقة. في رأي عودة إن طاقة الرياح تحتاج إلى مساحات كبيرة، من دون أن ننسى أنها تحتاج إلى صيانة أكبر وقد تتعرّض لمشاكل تقنية مختلفة، على الرغم من أنها تتميّز في توليد الكهرباء أيضاً في الليل، خلافاً لألواح الطاقة الشمسية. وهذا الأمر لا يوافق عليه ماركوس ريس من الشركة الألمانية أيرودان الذي يعتبر أن المنطقة تملك الكثير من القدرات في مجال طاقة الرياح، لا سيما إيران ومصر. يشير عودة أيضاً إلى الطاقة الحرارية الجوفية، لكنها تواجه مشكلة تكلفة الحفر الباهظة الثمن. ولا بد ألا ننسى الطاقة النووية التي بدأت تتطوّر في المنطقة. إذ أشار أحد المسؤولين في الشركة الكورية للطاقة الكهربائية كيبكو إلى أن الشركة بدأت، قبل أعوام، بأول مشروع للطاقة النووية بالشراكة مع مؤسسة الامارات للطاقة النووية  إلى جانب مشروع توليد الطاقة النووية السلمية في الأردن.

الطاقة المتجددة في العالم العربي - مستقبل الطاقة النيفة في العالم العربي

مصر والأردن إلى الأمام

أشاد معظم الخبراء بعمل الأردن على اعتماد الطاقة المتجددة كأحد أبرز مصادر الطاقة في البلاد، حتى أنّهم اعتبروا أنها كانت أولى دول المنطقة في تنفيذ مشاريع الطاقة المستقلة  لتوليد 350 ميغاواطاً من الطاقة الشمسية والرياح العام 2015. وكانت الحكومة الأردنية قد اعتمدت إستراتيجية في قطاع الطاقة من أجل رفع مساهمة الطاقة المتجددة في الطاقة إلى 7% العام 2015 و10% العام 2020؛ منها 600 إلى 1000 ميغاواط من طاقة الرياح و300 إلى 600 ميغاواط من الطاقة الشمسية و30 إلى 50 ميغاواطاً من النفايات.

إلّا أن أبرز الدول العربية التي تعمل على الاعتماد على الطاقة المتجددة أخيراً تبقى مصر، خصوصاً أنها، على غرار دول عربية أخرى، تحتاج إلى مصدر جديد أقلّ كلفة للطاقة. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال مؤتمر الطاقة أنّ بلاده تخطط لبناء محطات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في السنوات الثلاث المقبلة بطاقة إجمالية تصل إلى 4300 ميغاواط. وأضاف أن الخطة تأتي في إطار إستراتيجية مصر لأن تساهم الطاقة المتجددة بـ20% من الطاقة في 2020.

الإمارات رائدة والسعودية على خطاها

أمّا في دول مجلس التعاون الخليجي، فتبقى الإمارات العربية المتحدة الرائدة في سوق الطاقة المتجددة بفضل مختلف المشاريع التي انطلقت أو يخطط لتنفيذها. وأشارت الأرقام الأخيرة إلى أن الإمارات العربية المتحدة تولّد 120 ميغاواطاً من الطاقة المتجددة، أبرز مصادرها مشروع شمس 1 للطاقة الشمسية في أبو ظبي. وتعدّ أبو ظبي رائدة في هذا المجال، بفضل إنشاء أول مدينة للطاقة المستدامة "مصدر" واستضافتها مقر وكالة الطاقة المتجددة الدولية، ما ينعكس باعتمادها مشاريع الطاقة المتجددة في مختلف المباني الحكومية والمؤسسات. كذلك تسعى إلى أن تشكّل الطاقة الشمسية 7% من الطاقة المستخدمة بحلول 2020. من جهتها، تسعى دبي إلى اعتماد الطاقة المتجددة أيضاً. وقد أصدرت، خلال الفعالية، تقرير "دبي، عاصمة الاقتصاد الأخضر" 2015 لتطبيق نهج الاقتصاد الأخضر الذي تمّ تبنيه رسمياً بموجب إطلاق إستراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء. ويتضمّن التقرير إنجازات الدولة ونهجها بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر وتنويع مصادر الاقتصاد والطاقة ومع دمج البعد البيئي.

وتخطو السعودية على خطى الإمارات في اعتماد الطاقات المتجددة، وهذا انعكس في المشاريع الأخيرة التي بدأت تُطل في البلاد بالاضافة إلى عدد الشركات المحلية التي باتت تُعنى في هذا المجال وكان حضورها لافتاً في المعرض. وتأمل السعودية في توليد 54 جيغاواطاً من الطاقة المتجددة بحلول 2040 (بعد أن مدّدت المشروع 8 سنوات لأسباب اقتصادية مختلفة)، ضمن إستراتيجية المملكة في دعم وتشجيع تنمية قدرات الطاقة البديلة المستدامة. وكان الملك عبدالله بن عبد العزيز قد أطلق مرسوماً ملكياً رقم أ/25 عام 2010 بهدف تأسيس مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة.

علماً أن دولاً عربية أخرى كالمغرب يوجّه جميع الخبراء الأنظار إليها، مع إطلاق أربعة مشاريع كبيرة في السنوات المقبلة. ويتوقّع أن تصل مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% عام 2020 موزعة على الطاقة الشمسة والرياح والمائية. وذكر الكثير من الخبراء لبنان الذي بدأ يعتمد مشاريع الطاقة الشمسية، ولو على شكل محدود معتبرين أنه من بين الدول المتقدمة في فعالية استخدام الطاقة.

وقد بدأت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ركوب قافلة الطاقة المتجددة كمصدر بديل للطاقة التقليدية، أو كداعم لها، لكنّ المشوار لا يزال في بداياته. الا أنّ تغيير العقليات والمشاريع المختلفة التي تمّ التحدث عنها إذا جرى تنفيذها بالفعل، ستحمل المنطقة في السنوات المقبلة إلى أن تكون سوقاً كبيرة للطاقة المتجددة، وتحديداً الشمسية.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي